التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 107

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 107

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 107، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ثبات المؤمنين وانتصار طالوت وداود على جالوت

ثبت قلة من المؤمنين مع طالوت أمام جالوت فدعوا الله أن يفرغ عليهم صبراً ويثبت أقدامهم، فهزمهم الله بإذنه وقتل داود جالوت وآتاه الملك والحكمة. وبذلك استقرت بنو إسرائيل في ديارهم آمنين بفضل التوكل والصبر والدعاء.

فضل الجهاد وأسباب التمكين في الإسلام

الجهاد هو ذروة سنام الإسلام وسبب العزة والتمكين، وتعطيله يؤدي إلى الضعف واستيلاء الكفار كما دلّت آية دفع الله الناس بعضهم ببعض. وأسباب التمكين تجمع بين الإيمان والعمل الصالح وإعداد القوة المادية، مؤكداً أن كتاب الله يتضمن كل ما يحتاجه المسلمون.

شهادة الله لرسوله بالرسالة ودلائل النبوة

تشهد الآية الكريمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ومن أدلتها إخباره بأحوال الأمم السابقة والأنبياء رغم أميته. وهذا يبطل شبهة اقتباسه من كتب سابقة ويثبت صدق نبوته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: تقدم معنا في قصة طالوت وجالوت مبتل الله عز وجل به أتباعه من النهر، وأن كثيراً منهم لم يثبت ولم يصبر، فوقع في المحظور، فرجعوا، وردهم طالوت، وما بقي معه إلا القليل، ما بقي معه إلا القليل من بني إسرائيل، فتضعضع بعضهم لما رأوا قلة عددهم وكثرة عدوهم، ولكن انبرت طائفة منهم أهل ثبات وأهل يقين وأهل صبر، فثبتوهم وقالوا لهم: ﴿كَمْ مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقالوا: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. قوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾، أي: أنهم عزموا على قتال عدوهم، فقالوا مستعينين بالله، ملتجئين إلى الله: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. قالوا: ﴿رَبَّنَا﴾، قدموا بين يدي الدعاء هذا الاسم، وهو مناسب في هذا المقام، اسم الله الرب، فالرب هو الذي ملك كل ما في السماوات والأرض، وهو الذي سبحانه وتعالى يتصرف عباد بيديه، فمن خلق المؤمنين والكافرين، ومن يدبر أمرهم، ومن يتصرف فيهم، إنه الرب، فتوسلوا إلى الله عز وجل بهذا الاسم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا﴾، أي: يا ربنا. ﴿رَبَّنَا﴾: هذا نداء منصوب لأنه مضاف، وحُذفَ حرف النداء، والتقدير: يا ربنا. قالوا: يا ربنا: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، أي: قوى قلوبنا، وأوزعنا الصبر، أي: ألهمنا الصبر، فلا فوز ولا نصر على العدو إلا بالصبر، ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، فإذا لا بد من الصبر، فلذلك دعوا الله أن يصبرهم وأن يقوي قلوبهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾، دعوا الله بالثبات عند ملاقاة العدو، فقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ يعني: لا تزلزل ولا فرار، لا نخاف ولا نهرب ولا نتولى، بل نقدم ونقاتل في سبيل الله مقبلين غير مدبرين. هذه هي دعوات، وفي هذا ينبغي للمجاهد في سبيل الله أن يعلق قلبه بالله، وأن يكثر من دعاء الله، وهذا هو هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في وقعة بدر، ووقعة أحد، وغيرها من الغزوات. قالوا: لهذا لما برزوا لجالوت وجنوده، أنه قال عز وجل: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: المؤمنون هزموا الكافرين. فلما برزوا لجالوت وجنوده قالوا... أي: ولما ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: فمن هنا نعلم أن جالوت وجنوده كانوا كفاراً، لأن قال: ﴿وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، فوصفوهم بالكفر، هذا دليل صريح في كفر جالوت وجنوده. فاستجاب الله لهم ذلك الدعاء، أي: استجاب دعاء المؤمنين لإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك. ما هي الأسباب؟ التوكل على الله، والصبر، ودعاء الله عز وجل، هذه كلها أسباب معنوية إيمانية، من أعظم أسباب النصر، من أعظم أسباب النصر. قال: ونصرهم عليهم، ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾، وكان مع جند طالوت نبي من أنبياء الله: داود، كان من جند طالوت الملك الذي أرسله الله عز وجل واختاره، واختاره لقيادة بني إسرائيل، فكان من جنود طالوت داود، وكان هو القائد، وهو المقدم الشجاع، وقتل داود جالوت، هذا الكافر زعيم الكفر، أي: باشر قتل ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره، فالذي قتل جالوت هو داود عليه السلام، نبي الله داود. ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾، أي: أتى الله داود الملك والحكمة، أي: من عليه بتملكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة الجامعة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، أي: العلم، فالنبي أخذ العلم بالوحي، وأتباع الأنبياء يأخذون العلم من الأنبياء، فهم ورثة الأنبياء. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾، أي: من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع بين الأمرين: العلم الشرعي والعلم السياسي الذي به ساس بني إسرائيل، فجمع الله له الملك والنبوة. وقد كان من قبله من الأنبياء يكون الملك لغيرهم، يعني: يكون هو في الجانب العلمي، النبي قبل داود وغيره، يكون الملك في الجانب السياسي، أي: جانب الملك، فداود جمع بين الأمرين، داود عليه السلام جمع بين الأمرين: بين النبوة وهو العلم، والملك وهو سياسة بني إسرائيل والقيام بشؤونهم الدنيوية من الجهاد، ومن كذلك حماية الثغور ونحو ذلك. قال: وقد كان من قبله من الأنبياء يكون الملك لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم، نصرهم الله على عدوهم مع قلتهم وكثرة عدوهم، فاطمأنوا في ديارهم، وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، لا يخافون أحداً، قد ذل عدوهم، وقد هزم عدوهم، فاطمأنوا، واستجابوا لنبيهم. قالوا: هذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك، فالجهاد ذروة سنام الإسلام، فلا عزة ولا تمكين ولا عودة لمجد وعز الإسلام والمسلمين إلا بالجهاد في سبيل الله، إلا بالجهاد في سبيل الله، فإذا عطلت هذه الشعيرة من شعائر الإسلام أتى الإسلام الضعف والهوى والخور، كما هو حال المسلمين اليوم، فهذا معنى قولي: وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك. فلهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. ما معنى هذه الآية؟ قال: أي: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار، لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها، لو لم يكن الجهاد لتسلط الأعداء على كل من في الأرض ومنهم المسلمون، لكن بالجهاد في سبيل الله يرتدع الكفار ويقفون عند حدهم، ولا يتجرؤون على أخذ بلاد المسلمين مما يعلمون العاقبة. هذا معنى قولي: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾، يعني: لولا شرعية الجهاد وقمع الكفار بهذا الجهاد لتسلط الأعداء، وأفسد الكفار في الأرض، فأكلوا الأخضر واليابس، وعاثوا في الأرض الفساد، فهذا يدل على فضيلة الجهاد. قال: وإقامتهم شعائر الكفر، ومنعهم من عبادة الله، هذا كله من الإفساد وإظهار دينه. قال: ولكن الله ذو فضل على العالمين، حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافع عنهم، ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها. ما هي أسباب التمكين؟ الإعداد المعنوي والحسي، الإعداد المعنوي بالإيمان، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، إذن لا استخلاف في الأرض إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأيضاً اتباع شرع الله والاستقامة عليه، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾، فهذه كلها أسباب معنوية، وكذلك أسباب حسية من الإعداد القتال، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، وأسباب التمكين والنصر كثيرة، واضحها ربنا، وبينها في كتابه بأتم بيان، وأوضح كذلك بيان. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، أي: بالصدق الذي لا ريب فيه، متضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور، فالله عز وجل بيّن لنا كل ما نحتاجه في كتابه، ما من أمر يعرض على المسلمين أو يحتاجه الناس في أمر دينهم وفي أمر معاشهم إلا ويجدون ذلك في كتاب الله. ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، أي: بالصدق الذي لا ريب فيه، متضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور. ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، فهذه شهادة من الله لرسوله برسالته، التي من جملة أدلتها ما قصه الله عليه من أخبار الأمم السالفين والأنبياء وأتباعهم وأعدائهم، فهذه من دلائل النبوة، كون النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن أحوال الأمم السابقة، وهو لم يعيشهم، وهو لم كذلك يتحصل على كتاب أخذه من قبله يحكي تلك الحوادث وتلك القصص، فهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ * إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. لو كان يقرأ ويكتب لارتاب الكفار، وقالوا: هذا قرأها من كتب قبله، ولكن الله