الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 105، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
طلب الملأ من بني إسرائيل من نبيهم بعد موسى أن يبعث لهم ملكاً ليجتمعوا تحته ويقاتلوا في سبيل الله، فرد النبي محذراً إياهم من أنهم قد لا يوفون بالقتال إذا فُرض عليهم. ويبين السعدي أن طلبهم جاء لتفرقهم وتنازعهم على الرئاسة، وأن أنبياء بني إسرائيل كانوا يسوسونهم حتى جاء ملكهم طالوت.
لما بعث الله لهم طالوت ملكاً اعترضوا عليه لعدم سعة ماله ونسبه، وكشف ذلك ضعف نياتهم وتوكلهم فلم يثبت على القتال إلا قلة قليلة عصمهم الله. وتولى الأكثر وخذلوا أنفسهم بعد أن طلبوا الملك للقتال في سبيل الله.
يبيّن المقطع أن الملك والولاية لا يشترط فيهما شرف النسب ولا كثرة المال، بل يقومان على صفتين جوهريتين هما قوة الرأي (العلم والحكمة) وقوة الجسم (القدرة على التنفيذ والسيطرة). مستدلاً بقصة طالوت وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، ومثال دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
يوضح المقطع كيف أزاح المتحدث كل ريب وشك من القلوب بتبيين توفر أسباب الملك في الشخص، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء بلا راد. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكماله في لقاء قادم، مع نسبة الترجمة إلى نانسي قنقر.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "قصص الأنبياء"، قصة طالوت وجالوت: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول المؤلف رحمه الله: يقص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قصة الملأ من بني إسرائيل، وهم الأشراف والرؤساء. الملأ: جمع بهم الأشراف منهم والرؤساء، كأشراف القبائل ورؤسائها. قال: وخص الملأ بالذكر لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا، يعني كأنهم مختلفون متناحرون متنازعون، كل يريد الهيمنة والسيطرة، فذكرهم هنا لأن هذا طلبهم وغايتهم. قال: فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى، لأن بني إسرائيل كثرت فيهم الرسل، فهناك من الرسل الذين ذكرهم الله عز وجل وهم موسى وغيره، ومنهم من لم يذكرهم وإنما ذكروا على سبيل الإجمال. فأتوا إلى هذا النبي فقالوا له: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾، أي: عين لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، ويجتمع متفرقنا، ويقاوم بنا عدونا، يعني: نجتمع على هذا الملك ونكون طوعاً له، ونجتمع عليه، فنزداد قوة وتماسكاً ونصراً على عدونا. قال: ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، يعني كل واحد يريد الرئاسة، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين، يعني يجتمعون عليه، وهذا فيه لابد من رأس في كل مجتمع وفي كل بلد يجتمعون عليه. قال: ويكون تعيينه خاصاً لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، وهذا جاء فيه حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما مات نبي خلفه نبي، ألا فلا نبي بعدي». قال: فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة، قال لهم نبيهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، أي: لعلكم تطلبون شيئاً وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به. أنتم الآن في عافية لم تؤمروا بالقتال، فكونوا كذلك، لعلكم إن طلبتم ذلك وفرض عليكم لا تستطيعونه، لا تستطيعون القتال. وإذا قال: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، يعني: لعلكم تطلبون شيئاً وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به. فعرض عليهم العافية، يعني عدم القتال، فلم يقبلوها. قالوا: لا، بل ما سنقاتل، نحن سنقاتل إذا كتب علينا القتال. واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، اعتمدوا على ما عزموا عليه وعلى ما نووا. فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾، أي: شيئاً يمنعنا من القتال، وقد ألجئنا إليه بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل، ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا، وقد حصل ما حصل؟ لأنهم لما تشتتوا واختلفوا وتفرقوا، طمع فيهم عدوهم، وهذا هو الأمر الذي به يستطيع العدو أن يتغلب على من يريد: يفرقهم، كما هي سياسة فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، شيعة: بمعنى متفرقين، جماعات جماعات، كل جماعة تكيد للأخرى، وكل جماعة تبغض الأخرى، فضعفت قوتهم، وهانوا عند عدوهم، فتسلط عليهم، وهذه هي سياسة الكفار إلى اليوم: فرق تسد. إذا أردت أن تسود على مجتمع ما، ففرق أهله، فرق أهله، وانشر بينهم العداوة والبغضاء والتشتت والتفرق، تستطيع أن تستولي عليهم. قال: ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة، ولم يقوى توكلهم على ربهم، يعني: ما كانت النية خالصة وحسنة، وتوكلهم ما كان قوياً بالله، فلما كتب عليهم القتال تولوا، أي: فجبنوا عن قتال الأعداء، وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن، صاروا جبناء، تقهقروا وتراجعوا وخافوا وارتعبوا من القتال، إلا قليلاً منهم. ننظر إلى لفظة ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾، بمعنى أن أكثرهم على هذا التراجع وهذا الخوف والجبن والخور، ولم يثبت منهم إلا القليل، لم يثبت منهم إلا القليل. قال: فعصمهم الله، أي: هؤلاء القليل، وثبتهم وقوى قلوبهم، فالتزموا أمر الله، ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله، فلهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. الظالمون هم الذين يعني تراجعوا ولم يقبلوا أمر الله من وجوب القتال. وقال لهم نبيهم مجيباً لطلبهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾، كم تريدون القتال؟ الله عز وجل أتى لكم بهذا الملك الذي طلبتموه ورجوتموه لتقاتلوا معه عدوكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾، هذا الملك اسمه طالوت، فكان هذا تعيناً من الله، الله عز وجل هو الذي هينّه لهم، الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا. طبعاً هؤلاء القليل، القليل منهم اعترض، وهذا فيه أن هؤلاء الذين طلبوا هذا الطلب، كلما أتاهم أمر من الله نكثت طائفة منهم، نكثت طائفة منهم، ثم يأتي الأمر الآخر للطائفة التي ثبتت، فكذلك تنكث طائفة من هذه الطائفة القليلة، ثم يأتي أمر ثالث من الله، فهؤلاء القليل الذين ثبتوا، كذلك تخرج منهم طائفة وتنكث أمر الله وتأبى قبول ما أمروا به، حتى ثبتت الطائفة الأخيرة الذين قاتلوا مع طالوت، فنصرهم الله. فلما بعث هذا الملك، قالت الطائفة من هؤلاء القليل، وهم لم يقبلوا ما أرسل إليهم بل اعترضوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾، أي: كيف يكون ملكاً وهو دوننا في الشرف والنسب، ونحن أحق بالملك منه؟ قالوا: أتيت لنا بملك ما عنده مال، وما عنده وجاه وشرف، بمعنى: ليس هو من كبراء القوم وساداتهم، إنما هو من عامة الناس، فكيف تؤمر علينا هذا الملك؟ قال: ومع هذا فهو فقير، ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال. قال: وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم، مقدمة عليها. فلهذا قال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي: اختاره، فلزمكم الانقياد لذلك، لأن الأمر من ربكم، من الله سبحانه وتعالى. ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، أي: فضله عليكم بالعلم والجسم، أي: بقوة الرأي والجسم، الذين بهما تتم أمور الملك. أمور الملك ليس من شرطها أن يكون الملك ذا شرف وذا مال، لا، أهم شيء في الملك هاتان الصفتان: صفة القوة في الرأي وهو العلم، والقوة في كذلك الجسم، في الجسم. قال: لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال أمران متلازمان: الملك لابد له من قوة البيان والحجة، وقوة السيف والسنان، ولذلك قال هنا: لا يتم كمال الملك إلا بهذين الأمرين. قال: ومتى فاته واحد من الأمرين، اختل عليه الأمر الآخر. فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع، لأنه سيقود مملكته بالجهل، والجهل سبب للخزلان والفشل والضعف، والضعف ثم قال: قوة على غير حكمة، إذا عنده قوة ما عنده علم، يكون قوة على غير حكمة، لأن الحكمة هو وضع الشيء في موضعه، ولا يكون وضع الشيء في موضعه إلا بماذا؟ إلا بالعلم، لا يكون وضع الشيء في موضعه إلا بالعلم، قال: وليس له قوة على تنفيذها. قال: وقوة على غير حكمة. ولو كان عالماً بالأمور وليس له قوة على تنفيذها، لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئاً. نعم، لا ينفذه شيئاً، يعني: لو كان عنده قوة، عنده علم، لكن ما عنده قوة على السيطرة والهيمنة والتغلب على العدو بقوته، فلا ينفع العلم وحده. ولذلك لا تقام الدول إلا بهذين الأمرين، وهذا هو الواقع إلى يومنا هذا. فمثلا على سبيل المثال: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله، قامت على العلم وعلى قوة السلطان والملك، فاستعان الشيخ رحمه الله تعالى، وعنده قوة العلم، بالسلطان وهو الملك في ذاك الزمان من آل سعود، فتوسع في البلاد بقوة الحجة والبيان، وبقوة أيضاً الملك والسلطان، وبقوة الملك والسلطان، وهكذا إلى يومنا هذا، إلى يومنا هذا. فمن أوتي علماً وقوة، هو المهيمن وهو المسيطر، فينبغي أن يعلم هذا. قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾، أي: الفضل كثير، الكرم لا يخص برحمته وبره العام أحداً عن أحد، ولا شريفاً عن وضيع. يعني: من المفاهيم الخاطئة أن يظن البعض أن الملك لابد فيه من الشرف، أن يكون الملك شريفاً، أو أن يكون الملك ذا مال، وإنما يقوم الملك بالعلم والقوة. قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، ولا شريفاً عن وضيع، لكنه مع ذلك عليم، يمن... قال: ﴿عَلِيمٌ﴾، أي: بمن يستحق الفضل، فيضعه فيه. فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة، لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد ولا لإحسانه صاد. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله ما بقي في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.