الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 78، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن الآية تشير إلى تمني الصحابة الشهادة بعد فوات بدر، فحقق الله ذلك لهم في غزوة أحد. ويضرب مثالاً بأنس بن النضر الذي قاتل حتى الاستشهاد قائلاً: «ما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟» فاستُشهد وعُرف ببنانه.
توضح الآية أن الصحابة تمنوا الشهادة فحققها الله لهم، ويجب عليهم الصبر والجهاد عند لقاء العدو. وتفرق الشريعة بين تمني الموت بسبب ضيق الدنيا وهو محظور، وتمني الشهادة في سبيل الله وهو مشروع ومأجور، كما ورد في حديث سهل بن سعد.
يوضح المقطع أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم مقابل الجنة، وهو عقد يتجلى في الجهاد والاستشهاد في سبيله. ويؤكد القرآن على وفاء المؤمنين بعهدهم وعدم تبديلهم، كما ورد في آية التوبة وحديث بدر مع عمير بن الحمام.
يُروى أن أحد الصحابة كان يبكي عند تقديم العشاء، مستحضراً حال أصحابه الذين ماتوا فقراء دون أن ينعموا بمثل هذا الطعام. ومنهم عبد الرحمن بن عوف وخباب بن الأرت رضي الله عنهما.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143]. قال رحمه الله: وذلك أن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم ممن فاتهم بدر يتمنون أن يحضرهم الله مشهدا يبدلون فيه جهدهم. قال الله تعالى لهم: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾. أيضا هذا من الحكم التي ذكرها الله عز وجل في غزوة أحد: أن من تمنى الموت قبل أن يلقاه فقد رآه في أحد. وهذا جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، حتى قال في الأحزاب: ﴿ مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23]. أولئك الصحابة الكرام رضي الله عنهم لما فاتهم بدر؛ لأن غزوة البدر إنما خرج النبي عليه الصلاة والسلام لأجل العير، عير قريش، والقافلة التي مرت مع أبي سفيان، أراد أن يعترضها، فلهذا لم يأخذ كثيرا من الصحابة ولم يؤذن لها ويعلن لها، فلهذا لم يشهدها كثير من الصحابة. فكان بعضهم يتندم على أنه لم يحضر هذه المعركة، كعبد الله بن عمرو بن حرام، وأنس بن النضر، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ممن صدقوا مع الله. ولهذا قال أنس: «فلئن أشهدني الله عز وجل مشهدا ليرين الله ما أفعل»، فأبلى بلاء عظيما في أحد. فلما رآه سعد بن معاذ قال: يا أنس، كيف تجد؟ قال: «والله يا سعد، أجد ريح الجنة من دون أحد». ثم إنه اجتهد، فرأى أناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جلسوا لما سمعوا أن النبي عليه الصلاة والسلام قتل. قال: فما بالكم؟ قالوا: قد قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: «ما تصنعون بالحياة بعده؟ إن كان قتل النبي عليه الصلاة والسلام فما تصنعون بالحياة بعده؟» فقاتل رضي الله عنه حتى قتل، حتى أنه لم يعرف من كثرة الطعن والطعنات التي في جسده، فما عرفته إلا أخته ببنانه. وهذا يدل على صدقهم رضي الله عنهم. وقد ذكرهم الله عز وجل هنا: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾، شهد لهم الرب جل وعلا بذلك، وهذا لصدقهم. قال: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾، أي رأيتم هذا الموت، ومنكم من قتل، ومنكم من رأى واعتبر بذلك. ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾، أي رأيتم ما تمنيتم بأعينكم وأنتم تنظرون. فما بالكم تركوا الصبر؟ هذه حالة لا تليق ولا تحسن، خصوصا لمن تمنى ذلك وحصل له ما تمنى، فإن الواجب عليه بدل الجهد. أنا أتمنى أن يلقوا عدوهم ويقاتلوهم، وفعلا حصل هذا. قال: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾. أنا تمنوا الموت في المعركة وكذلك في لقاء العدو، فقال: وحصل له ما تمنى، فإن الواجب عليه بدل الجهد واستفراغ الوسع في ذلك. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة. وجاء في حديث سهل بن سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من تمنى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه». من تمنى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه. فلهذا فتمني الشهادة غير تمني الموت. تمني الموت: من تمنى الموت لأجل ضر نزل به، هذا قطع كما جاء في الصحيحين في حديث أنس: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا محالة فليقل: اللهم أحيني إن كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إن كان الموت خيرا لي». فأما أنه يتمنى الموت فهذا خطأ، ولكن الشهادة لا بأس. وهذا الموت الذي تمنوه الصحابة هو الشهادة، وليس تمني الموت لأجل الضر أو لأجل الحياة وضيق العيش والبأس في الدنيا وغيرها من هذه الأمور. فهذا تمنيه لا يجوز. تمني الموت لأجل الضر أو لأجل الحالة المعيشية ليس صحيحا. لكن تمني الموت في سبيل الله جل وعلا والشهادة فهذا جائز. ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾، فهذا الموت الذي تمنوه هو الشهادة، وليس كما قلنا كل الموت. فقال المؤلف: وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة. حتى يفرق بين من يتمنى الموت لأجل أمور الدنيا وضرر أصابه في الدنيا، ومن يتمنى الموت لأجل الشهادة في سبيل الله، فهذا أمره عظيم ومبتغاه أيضا أعظم، فإنا له كان له الأجر العظيم عند الله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ [التوبة: 111]. فربنا جل وعلا اشترى من أهل الإيمان أنفسهم وأموالهم، أي أن يبدلوها فيه سبحانه وتعالى. اشتراها حتى يبدلوها فيه جل وعلا. وهذا من أعظم التعبير في فدى المسلم بنفسه وبماله لله عز وجل، فسماه الله عز وجل شراء: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ لأن لهم الجنة. عن الثمن: جنة الله عز وجل يعطيهم الرب جل وعلا. ولهذا قال في حديث أنس في مسلم: لما شاور الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، وتكلم المقداد، تكلم سعد بن معاذ، فتهلل وجه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». قوموا إلى جنة أنتم تقاتلون الآن كأنكم تقومون إلى أن تدخلوا الجنة. فقال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فقال عمير بن الحمام: جنة عرضها السماوات والأرض، بخ بخ! فقال: «ما يحملك يا عمير أن تقول هذا؟» قال: يا رسول الله، إنما أرجو... أو كما قال. قال: «أحسنت». فكان معه تمرات فرماها، قال: «لئن بقيت وآكل هذه التمرات إنها إذن لحياة طويلة». ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه. فقال المؤلف: ووجه الدلالة أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم ولم ينكر عليهم، أي تمني الشهادة، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها. مثل معنى: ينكر الله عز وجل عليهم أنهم لا يتقاعسون. فما دام أنهم رأوا ما يتمنون، فالواجب عليهم أن يبدلوا الجهد الذي تمنوا، وهو أنهم يموتوا في سبيل الله جل وعلا. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23]. عاهدوه على الموت في سبيله جل وعلا، وصدقوا: ﴿ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾. جعل الله عز وجل له الحياة فانتظر، وسار على سيرة أصحابه. قالوا: ﴿ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾. حتى أن أحدهم كان يبكي إذا قرب له العشاء، يتذكر حال أصحابه أنهم ماتوا وهم فقراء، ما عندهم مثل هذا الطعام، كما فعل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، كما في الصحيحين، وكذلك خباب بن الأرت رضي الله عنهم أجمعين. فأنكتب بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا.