الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 80، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الدرس أن كل نفس تموت بإذن الله وقدره، وأن الأجل مكتوب عند الله وعند الملك عند خلق الإنسان. لذا لا يموت أحد قبل بلوغ أجله مهما تعددت الأسباب الظاهرة.
يؤكد المقطع أن الموت محدد بأجل مكتوب لا يتقدم ولا يتأخر، وأن الأسباب الظاهرة لا تجلب الموت ولا تدفعه. ويستشهد بآيات قرآنية وقصة خالد بن الوليد الذي خاض معارك ومات في فراشه.
يشدد الدرس على أن الموت قدر محتوم لا يرده بقاء في البروج أو الامتناع عن الجهاد. وتوضح الآيات أن الأجل لا يتأخر ولا يتقدم، وأن الثواب بيد الله يمنحه لمن يشاء من الدنيا أو الآخرة.
يعلن المحاضر انتهاء الدرس الحالي ويؤجل استكمال الموضوع لدرس قادم. ويكتفي بما تم طرحه مفوضاً العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾. يقول رحمه الله: ثم أخبر تعالى أن النفوس جميعها معلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه، فمن حتم عليه بالقدر أن يموت مات ولو بغير سبب، ومن أراد بقاؤه فلو وقع من الأسباب كل سبب لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله. فربنا جل وعلا في هذه الآية يخبر أنه ما من نفس في هذه الحياة إلا موتها بإذن الله جل وعلا، سواء كانت ظهرت الأسباب أو لم تظهر. فربنا جل وعلا بيده كل نفس، فقال جل وعلا في هذه الآية: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. وهذا بعد قوله جل وعلا: ﴿ فَمَا وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾. فبين لهم أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر، وهو أيضًا ملحقه الموت كغيره عليه الصلاة والسلام. فلهذا بعد ذلك ذكر أن الموت لكل نفس، سواء كان علم سبب موتها أو لم يعلم، فهو كتاب عند رب العزة جل وعلا ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾. فكتبه الله عز وجل على بني آدم، ويكتبه كذلك الملك إذا تخلق بني آدم، يأمر الله عز وجل الملك أن يكتب أربع كلمات، ومنها أجله، أجله الذي يبقى في الدنيا. ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾. فلهذا فالنفوس بيد الله جل وعلا معلقة بأجالها بإذن الله وقدره وقضائه جل وعلا، سواء كان عرفت الأسباب أو لم تعرف، أو أيضًا كذلك سواء كان بسبب أو بغيره، وسواء كان تعددت أسباب الموت ولم تقع أحيانًا، كما ذكر المؤلف أنها تتعدد أسباب الموت وتأتي أسباب كثيرة لكنها لم تضره. فلهذا تجد الرجل المريض الذي له سنوات وهو مريض مرض خطير وهو في الحياة، وتجد أحيانًا الذي يمرضه والذي يقوم به يموت قبله، وهذا كثير ما يحصل. فلهذا فليس هناك... أو لا يعتقد العبد أن أحدًا يموت لأجل سبب. بعضهم يظن أنه لو ذهب في مثلا يقاتل العدو في جهاد فإنه يموت، أو أنه يتحقق أو يكون يتسبب في الموت، وهذا أيضًا خطأ. وقد نفى ذلك ربنا جل وعلا كما تقدم معنا في الآيات التي في سورة أحد، أو التي نزلت في سورة أحد. وهنا أيضًا هذه الآيات ذكرها أيضًا بعد ما ذكر ما جاء في أحد، فذكر ربنا جل وعلا أن النفوس بيد الله جل وعلا، ليس أن الإنسان يذهب ويقاتل العدو سيموت، لا، وإنما موته بإذن الله جل وعلا. فهذا خالد بن وليد رضي الله عنه خاض معارك كثيرة ومات في فراشه رضي الله عنه. وقد أيضًا كذلك إنسان جالس في بيته، وكذلك لا يخرج من بيته ويأتيه الموت بسرعة. ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾. ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾... قل: ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾، إن سيأتي الموت حتما عن الواحد، ولو كان جالس في برج لا يخرج من هذا البرج سيأتيه الموت. وقال: ذكر ربنا جل وعلا أيضًا قول بعض المنافقين لبعض أهل الإيمان الذين قتلوا: ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم. يعني يقولون أنهم لو جلسوا عندنا وما ذهبوا إلى الجهاد لما ماتوا ولما قتلوا. فهذا ظن باطل وظن خطأ، يجب على المسلم أن لا يعتقد مثل هذا الاعتقاد، ويعلم أن الموت سواء كان تسبب فيه هو، أو ذهب إلى الأماكن التي قد يكون فيها الموت، أو أنه جالس في بيته، فإن الموت سيأتيه. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. ليس هناك أسباب مثلا للموت إذا طرق الشخص مات منها، لكن لا شك أن الإنسان لا يؤدي نفسه إلى التهلكة، إلى الأشياء التي قد يفرط في نفسه أو تهلكه وهو أيضًا لأجل أمور الدنيا وليس لله عز وجل. وأما إذا كانت لله فهذا عبادة وطاعة، لأن الله عز وجل هو الذي خلقك، وهو أيضًا كذلك يأمرك بهذا، وهو كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾. يعطيك الله عز وجل جزاءك ويعوضك بجنته سبحانه وتعالى. فقال هنا المؤلف رحمه الله: قال: وذلك أن الله قضاه وقدره، أي موت الإنسان، وكتبه إلى أجل مسمى. ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾. قال: ثم أخبر تعالى أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة ما تعلقت به إرادته، فقال: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾. وإن شاء الله نترك هذا في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.