المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو عبدالرحمن عبدالله بن محمد بن يسلم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الخميس ١٠ شوال ١٤٤٠هـ ألقاها
يؤكد المقطع أن القلب هو أساس الصلاح ومحل نظر الله، وأن صلاح الباطن ينعكس بالضرورة على الظاهر والعكس صحيح مستشهداً بحديث تسوية الصفوف وآية الكسالى. ويختتم بضرورة التضرع إلى الله لإصلاح الظواهر والبواطن والتوفيق للخير.
يبيّن المقطع أن صلاح القلب والجسد والدنيا والآخرة لا يتحقق إلا بتوفيق الله ورحمته، مستشهداً بآيات تؤكد أن التزكية والهداية من فضل الله وحده. ويحذر من الانحراف بعد طول الاستقامة مبيناً أن الموفق من وفقه الله والمفلح من زكى نفسه.
يحذر المقطع من أشخاص يظهرون بالعلم والسمت الصالح ثم ينقلبون ليطعنوا في دعوة أهل السنة مستغلين القواعد الشرعية تنزيلاً خاطئاً، مبيناً أن سبب انحرافهم زيغ القلوب وفساد النيات. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وبحديث الثلاثة الذين يسعر بهم النار أولًا لريائهم داعياً للعناية بسرائر القلوب.
يذكر المتحدث أن الله يطلع على قلوب العباد فمنهم من يفضح في الدنيا ومنهم من يؤجل فضحه ليوم القيامة. ثم يختم بالدعاء بأن يستر الله عليه وعليهم ويهديهم ويثبتهم على الحق حتى لقائه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام، ما أسعدنا أن نلتقي بإخواننا وأن نجتمع من أماكن شتى، نسمع من هذه الكلمات الطيبات والتوجيهات المباركات، لعلّه يكون لنا زادًا في طريقنا إلى الله عز وجل. وقد قدم إخواننا ما قدموا مما سمعتم، مما يتعب من بعدهم في أن يأتي بجديد على ما آثوا به، فقد أجادوا وأفادوا، وطرقوا بابًا عظيمًا من أبواب الخير، ألا وهو صلاح القلوب وشيء من أمراضها. ولأهمية القلوب وحاجة الناس إلى الحديث عنها والتذكير بشأنها، وما يكون من الخير في صلاحها، فهي أساس الصلاح، وكما سمعتم محل نظر الله، وبصلاح القلوب تصلح الأجساد ويصلح العباد. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. هذا القلب فيه تكون الحياة، وفيه يكون الإيمان، وفيه يقذف النور، وبه تكون القوة. فشأنه عظيم، وأمره مستور خفي، لا يعلمه إلا عالم الخفيات. والأعمال والعبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله منها الظاهر ومنها الباطن، وبينهما ارتباط وثيق، فمتى صلح الباطن ظهر صلاحه على الظاهر، ومتى قاد الإنسان بظاهره لشرع الله وأمر الله كان دالاً على طهارة باطنه، وكان جزءًا من الغذاء والقوة والقوت الذي يتغذى منه القلب. أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتسوّن بين صفوفكم أو ليفرقن الله بين قلوبكم». تسوية الصف عمل ظاهر، عمل يراه كل الناس، مبناه على الأجساد وتسوية الصفوف، لكن أثر ذلك يكون في القلوب، فمتى اختلفت اختلفت القلوب، وكان له أثر في الباطن. وكذلك الباطن، متى فسد الباطن كان أثر فساده على الظاهر، فمتى كان القلب مريضًا وعشعش فيه النفاق، إذا بك تجده تجد صاحبه متكاسلاً عن الطاعات، ثقيلاً كما قال الله: ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ ﴾. أيها الناس، ما أحوجنا إلى رجوع إلى الله عز وجل بالضراعة والدعاء والسؤال بصلاح ظواهرنا وبواطننا، والتوفيق للخير، فلا غنى لنا عن الله عز وجل طرفة عين، ولا صلاح لقلوبنا إلا بإصلاحها منه سبحانه وتعالى. فكان يجدر التنبيه على أمر عظيم، وهو التوجه إلى الله عز وجل بالدعاء والتضرع بالصلاح وسؤاله التوفيق، فإن خذلك الله ولم يوفقك ووكلك إلى نفسك وضيعة، فلا صلاح لك في قلبك، ولا صلاح لك في جسدك، ولا صلاح لك في دنياك، ولا صلاح لك في آخرتك إلا بإذنه سبحانه وتعالى وإرادته. يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. وانظروا إلى قوله جل وعلا: ﴿ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا ﴾، هنا نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فلا أحد، فلا أحد سيزكى، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا. إذن فهو الفضل، فضل الله، الفضل من الله ورحمته، فضل الله بهدايته، ورحمته بتوبته عليه، فلولا فضل الله ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء، فالأمر راجع إلى مشيئته، فتعرض لرحمته وفضله، وسأله أن يكفيك عدوك وأن يزكي قلبك. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾. يقسم ربنا جل وعلا في كتابه بأقسام متعددة: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾. ألهمها طريق الخير وألهمها طريق الشر، فهي تسير في هذا الطريق وتسير في هذا الطريق، مجبولة مفطورة على التقام الأمرين وعلى السير في الطريقين، والموفق من وفقه الله، والمفلح من زكاها. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾، أي خبثها. ولا تزكية للنفوس والقلوب إلا بأمر من الله عالم الغيوب. أنا لا أدري ما الساعة، والوقت تقيد بثلث الساعة، ما عندي ساعة، فعذروني أيها الإخوة. كم من أناس فينا ومنا، كم من إخوة نسير معهم في طريق واحد سنوات عديدة، بل لعقود طويلة وآماد بعيدة، كنا نظن فيهم خيرا، نظنهم على ثبات وعلى سنة وعلى دين، كم منهم من انتكس بعد أن كان على من يشار إليه بالبنان، فإذا به ملحد قد حاد عن الطريق. كم من إنسان ترى كان على ظاهره السمت أو سيما الصلاح، وعلى منطقه العلم والفلاح، وإذا بك ترى ما أوتي الناس، وما أوتيت دعوتنا ودعوة أهل السنة بمثل ما أوتيت من أعدائها بمثل ما أوتيت من أبنائها، هؤلاء الذين كانوا ينتسبون إليها. كم من الناس كنا نراهم يلهجون بالقواعد، قواعد السلف ليل نهار، وإذا بهم تنقلب الأحوال، فإذا بهم يستغلون ما كان عندهم من ذلكم التأصيل في العلم، هذا العلم الشريف الجليل، علم الكتاب والسنة، إذا به سهامه ترتد على هذه الدعوة، فإذا به يطعن الدعوة معتمدًا ومتكئًا على تلكم القواعد، لا لفساد القواعد ولا لأن القواعد تأتي كما يشتهي، ولكن للتنزيل الخاطئ الذي بناه على تلكم القواعد، واتخذ من تلكم القواعد شبهات يفت بها عضد هذه الدعوة ويمزقها ويشتتها. فإذا بنا بعد أن كنا جموعًا غفيرة ترتج المساجد والساحات، قد أقبل الله عز وجل بأفئدة أهل اليمن على هذه الدعوة المباركة الطيبة، إذا بنا نرى قد تمزقنا فئات وأحزاب، ممن كنا نظن فيهم النصر والعز، ولكن لله الأمر من قبل ومن بعد. وإن الرجل حين أن يرى إخوانه المتساقطين، والله ثم والله إنه ليخشى على نفسه أشد الخشية، فقد كان من كان وله خبيئة في قلبه لا يعلمها إلا الله، علم الله أنه لا يستحق أن يبقى في طريقه وأن ينال شرف الدفاع عن السنة والبقاء عليها، والله يصطفي من يشاء من عباده ويختار، ولكن فيهم عبرة وعظة لمن يتعظ ويعتبر، فلا تسلك سبيلهم، وإياك أن تضل بعد هدى، واعتني بأمر قلبك فأمره عظيم، وما أتى من أتى إلا بزيغ القلوب، علم الله ما فيهم من إرادة الزيغ وعدم الطهارة فأزاغهم، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾. إياكم والمخالفات، إياكم والمعاصي، إياكم والغفلة عن الأمور الباطنة. إن أول من تُسعر بهم النار ثلاثة، إذا ما نظرت إليهم تغبطهم على ما هم عليه: قارئ ومجاهد ومنفق. لكن القارئ قرأ القرآن ليقال، والمنفق أنفق ليقال، والمجاهد جاهد ليقال، لم يمحص ولم يطهر نيته، وظاهره حسن، وينظر الناس إليه بالمنظر الحسن، ويحسنون الظن، فليس لنا إلا الظواهر، ولا نحكم إلا بالظواهر، وأما السرائر فيتولاها الله، ولكن الله بكل شيء عليم: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾. فالله يرقب عباده وينظر في قلوبهم وأفئدتهم، وإليه المصير، فمنهم من يفضحه في الدنيا فينكشف أمره، ومنهم من يؤجله إلى يوم القيامة فينضحه على رؤوس الخلائق. اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم اهدنا وسددنا وثبتنا على الحق إلى أن نلقاك. وإلى هنا والحمد لله، وجزاكم الله خيرا.