كلمة الأستاذ الفاضل أبو أحمد عبدالله بن عفيف

المحاضرة بعنوان كلمة الأستاذ الفاضل أبو أحمد عبدالله بن عفيف، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الخميس ١٠ شوال ١٤٤٠هـ ألقاها

أثر النية في قبول الأعمال ومحطات تزكية القلوب بعد رمضان

يؤكد الخطيب أن قبول الأعمال مرهون بصلاح القلب وإخلاص النية، فالعمل القليل مع الإخلاص يعظم والكثير مع الرياء يحقر. ويستعرض المحطات الإيمانية كالصلوات والجمعة ورمضان والحج التي يطهر الله بها القلوب، متساءلاً عن حال المسلمين بعد انقضاء رمضان.

أهمية الاستقامة والعمل الصالح بعد رمضان

ينقل عن بشر بن الحارث أن من يعبد الله في رمضان فقط لا يعرفه حقاً، مستشهداً بقوله تعالى ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. ويوضح الحديث «قل آمنت بالله ثم استقم» أن الإيمان ينظم الباطن والاستقامة تنظم الظاهر، ومن جمع بينهما نال السعادة في الدنيا والآخرة.

الاستقامة على شرع الله وعلامات قبول العمل

يحث الخطيب على الاستقامة على أمر الله وترك النهي، محذراً من العبادة المشروطة ومؤكداً أن قبول العمل مرهون بالإخلاص والتقوى ودليله تتابع الحسنات. ويذكر أن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء مستشهداً بأقوال عمر وعلي رضي الله عنهما.

التحذير من الدنيا والحث على العمل للآخرة

يدعو المتحدث إلى أن يكون المسلم من أبناء الآخرة لا من أبناء الدنيا، مذكراً بأن اليوم وقت العمل وغداً الحساب دون عمل. ويختتم بالدعاء بقبول الصالحات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: معشر الإخوة، سمعتم خيراً كثيراً من المشايخ الفضلاء، وخاصة ما يتعلق بالقلب؛ فإنه محل نظر الله جل وعلا. فإن الله جل وعلا لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. فمدار قبول قبول الأعمال إنما هو على ما في القلوب. فإن كانت القلوب مملوءة خيراً وإخلاصاً وسداداً، فإن العمل الحقير اليسير يعظم. وأما إذا كانت القلوب مليئة بالشر والرياء والسمعة وحب التصدر والكبر والعجب، فإن العمل العظيم يصبح حقيراً. فبالله، كم من عمل يسير عظمته النية الخالصة، وكم من عمل عظيم جليل حقرته النية الفاسدة. ونحن معشر الإخوة قد أنعم الله علينا بمنطفات لقلوبنا. قال أمير المؤمنين عمر الفاروق لما قدم شهر رمضان وحل شهر رمضان: «مرحباً بمطهرنا من الذنوب». فالله جل وعلا جعل لنا محطات إيمانية نصقل قلوبنا بها. فمن هذه المحطات: الصلوات الخمس، فهي محطات يومية يتزود العبد بها في الإيمان. وهكذا محطة أسبوعية وهي يوم الجمعة، وهكذا محطة سنوية وهي شهر رمضان المبارك، ومحطة عمرية: قالوا حج بيت الله الحرام. فنحن معشر الإخوة قد ودعنا شهر رمضان المبارك، وهذا الشهر الذي فيه تطهير للقلوب، وفيه إقبال إلى الله جل وعلا، وفيه كذلك شحنات إيمانية يتزود العبد بها. ولكن معشر الإخوة، كيف حالنا بعد رمضان؟ قيل لبشر بن الحارث رحمه الله: إن أقواماً يتعبدون الله في شهر رمضان، فإذا خرج شهر رمضان تركوا العبادة. فقال: «بئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان». وربنا جل وعلا قد بين لنا المنهج القويم، وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خطاب لأمته: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، أي الموت. فلا نهاية لعمل المؤمن إلا بالموت. فالله الله في الاستقامة، معشر الإخوة. واعلموا عباد الله أن دين الإسلام قائم على أمرين اثنين لا ينفصلان، وإذا انفصل أحدهما لم يقم الآخر، ألا وهما: الإيمان والعمل الصالح. وقد جمعهما لنا الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. جاء في صحيح مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أسألك سؤالاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، وفي رواية: غيرك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم». «آمنت بالله ثم استقم». الإيمان يا إخوة ينظم قلبك وباطنك، والاستقامة والعمل الصالح ينظم ظاهرك. وإذا نظم باطنك وظاهرك أفلحت. فإن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [فصلت: 30]. وإذا ذهب الخوف والحزن حلت السعادة. فبالاستقامة أنت سعيد في الدنيا، وأنت سعيد في الآخرة. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]، هذا في الدنيا. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]، وهذا في الآخرة. فالله الله في الاستقامة، والبقية على العمل. قال أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه: «الاستقامة هو العمل بالأمر وترك النهي، ولا تروغ روغان الثعالب». ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. فمن أراد السعادة بحذافيرها، فالله الله بالإيمان والاستقامة على شريعة الله جل وعلا. فمن استقام وآمن فليبشر بسعادة الدنيا والآخرة. فاسألوا الله القبول يا إخوة، والقبول لا يكون إلا بالإخلاص والتقوى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «لو أعلم أن الله تقبل مني ركعتين لتمنيت الموت، لتمنيت الموت». فالله الله في أن نتقي الله جل وعلا، وأن نسأل الله عز وجل القبول. فإن من علامات القبول أن تتبع الحسنة حسنة مثلها، فهذه دليل على قبول العمل. فالله الله معشر الإخوة بتقوى الله. فنحن في دار عمل، وسننتقل إلى دار جزاء. كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما في البخاري: «إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة». ثم قال رضي الله عنه: «إن الدنيا قد ولت مدبرة، وإن الآخرة قد أقبلت، ولكل منهما بنون. فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا. فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل». فأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا صالح الأعمال، والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على