المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو عبدالله محمد باجعالة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الخميس ١٠ شوال ١٤٤٠هـ ألقاها
يتناول المحور أهمية سلامة الصدور وطهارة القلوب كسمة أساسية للأنبياء والصالحين، مستنداً إلى آيات قرآنية تحث على ترك الغل والبغضاء. يُظهر أن نقاء القلب يعد سبباً للقبول عند الله والفوز بالجنة.
يبيّن المحور أن سلامة الصدر ونقاء القلب من الغل والحسد من أعظم أسباب الخيرية عند الله، مستشهداً بدعاء إبراهيم وحديث «كل صدوق اللسان مخموم القلب». كما يبرز أن طهارة القلب تدفع صاحبه إلى البر وتقيه المحرمات، مستعرضاً حرص النبي صلى الله عليه وسلم على لقاء أصحابه بقلب سليم.
يسرد المحور أهم الأسباب المعينة على سلامة الصدور، كإخلاص النية، والدعاء بتثبيت القلب، والعناية بالقرآن تلاوةً وتدبراً، والتحلي بالأخلاق الفاضلة كالرحمة والتواضع. يضرب أمثلة عملية بوَهب بن منبه والفضيل بن عياض في رد النميمة وحسن المعاملة.
يختتم المحور بدعاء يطلب فيه المتحدث من الله قلوباً طاهرة وصدوراً سليمة وجوارح خاضعة، وصلاح أحوال المسلمين. ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، أيها الأحبة في الله، بعد كل ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله تبارك وتعالى الذي يسر لنا هذا الخير، وأنعم علينا بهذه اللقاءات وهذه الاجتماعات المباركة التي تجتمع فيها الأجساد، وهكذا أيضًا تجتمع فيها القلوب. وأحببت أن أشارك بكلمة قصيرة ومختصرة حول موضوع هام، وصفة عظيمة ينبغي أن يحرص أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان على وجه العموم، وأهل السنة على وجه الخصوص، وطلاب العلم والدعاة إلى الله عز وجل على وجه أخص، ألا وهو ما يتعلق بالعناية بسلامة الصدور. العناية بسلامة الصدور: وقد ذكر الإمام الشوكاني اليماني رحمه الله تعالى أن المراد بسلامة الصدور هو عدم الشحناء والغل والبغضاء. قال: «أما سلامة الصدر فالمراد به عدم الشحناء والغل والبغضاء». وسلامة الصدور هذه صفة عظيمة من صفات الأنبياء والمرسلين، وهكذا أيضًا هي صفة عظيمة من صفات أولياء الله الصالحين، لا يتصف بها إلا المؤمنون الخلص والمؤمنون الصادقون. يقول ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز، بعد أن ذكر الثناء على المهاجرين وبعدها الثناء على الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. لاحظ هذا الدعاء العظيم من هؤلاء المؤمنين الصادقين: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾. وهكذا ذكر ربنا عز وجل خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، ذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهكذا ذكر أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. وهكذا ربنا عز وجل من أعظم النعم التي ينعم بها، والمنى التي يكرم بها أهل الجنة، أن جعل قلوبهم طاهرة وصدورهم سليمة. قال ربنا عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فمن كمال النعيم وتمام اللذة في الجنة أن جعل الله عز وجل صدورهم سليمة وقلوبهم نقية وطاهرة. قال أهل العلم: لأن صاحب الصدر الضيق وصاحب القلب المريض معذب به، يعذب بضيق الصدر، ويعذب كذلك أيضًا بمرض القلب. أيها الإخوة في الله، وينبغي أن نعلم أن سلامة الصدور وطهارة ونقاء القلوب يعتبر سببًا من أسباب القبول عند الله عز وجل، سببًا من أسباب الفوز ودخول الجنة. قال ربنا عز وجل عن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا صلوات ربنا وسلامه: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. الناس يوم القيامة يأتون بقلوب متباينة، إلا أن الله عز وجل لا يقبل منها إلا ما كان سليمًا. وهكذا أيضًا سلامة الصدور وطهارة ونقاء القلوب يعتبر سببًا عظيمًا من أسباب الخيرية والأفضلية عند الله تبارك وتعالى. جاء عند الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى، وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: «يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ أي الناس أفضل؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «كل صدوق اللسان، مخموم القلب». كل صدوق اللسان، مخموم القلب. قيل: يا رسول الله، صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال عليه الصلاة والسلام: «التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد». هذا هو مخموم القلب، أي مكنوس القلب ونظيف القلب من الأخلاق الرديئة، ومن الأمراض التي لربما تحل بالقلوب فتمرضها. وإذا مرضت القلوب ولم تعالج لربما ماتت، وإذا مات قلب العبد فماذا يصنع بالحياة بعدها؟ قال: «التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد». هذا هو مخموم القلب، فإنه يعتبر من خير الناس ومن أفاضل العباد عند الله تبارك وتعالى. وهكذا أيضًا سلامة الصدور تجمع القلب على البر والطاعة، وعلى الخير والإصلاح، فتجد أن القلب لا يجد راحته إلا فيها، وهكذا عين المؤمن لا تقر إلا بها. هذا صاحب الصدر السليم والقلب النقي الطاهر تجده لا يجد راحته إلا في الخير، في الطاعة، في البر، في الصلاح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وهكذا عين المؤمن لا تقر إلا بها. كذلك أيضًا سلامة الصدور وطهارة ونقاء القلوب تعتبر سببًا لإزالة العيوب، سببًا لإزالة العيوب، وهكذا أيضًا سببًا لقطع أسباب الذنوب، لقطع أسباب الذنوب. فمن سلم صدره وطهر قلبه عن الأغراض الدنيئة والنوايا الفاسدة والمقاصد السيئة، فإن لسانه يعف عن الحرام، وهكذا جوارحه تعف عن كل قبيح، وهذا يعتبر ثمرة عظيمة من ثمار سلامة الصدور وطهارة القلوب. هكذا أيضًا، أحبتي في الله، في سلامة الصدور وطهارة ونقاء القلوب اقتدى بنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو خير البرية، وهو أزكى البشرية، من أزكى نفسًا منه عليه الصلاة والسلام، ومن أطهر قلبًا منه عليه الصلاة والسلام. جاء في مسند أحمد، وعند أبي داود والترمذي، من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». صححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة أحمد شاكر وغيره من أهل العلم. قال: «فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». ولهذا جاء عن الفضيل - أو الفضل - بن عياض رحمه الله تعالى قال: كنت جالسًا عند وهب بن منبه رحمه الله تعالى، قال: فجاءه رجل فقال: لقد مررت بفلان وهو يشتمك. انظر، يقول: لقد مررت بفلان وهو يشتمك. ماذا قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى؟ قال: «أما وجد الشيطان رسولًا يرسله غيرك؟» الشيطان ما وجد أحدًا يرسله، أي بالفتنة والنميمة والوقيعة بين الناس، إلا أنت، أصبحت رسولًا للشيطان. قال الفضيل - أو الفضل - بن عياض: فما برحت عنده إلا وأتى ذلكم الشاتم، قال: فسلم عليه، فرد عليه السلام، ومد يده إليه فصافحه، وأجلسه إلى جنبه. كيف يا إخوان لو كنا نتعامل بمثل هذه المعاملات التي كان عليها سلفنا الصالح، رحمة الله عليهم ورضي الله تعالى عنهم؟ أيها الأحبة في الله، هناك بعض الأسباب التي تعين على سلامة الصدور ونقاء وطهارة القلوب، فمن أهمها الإخلاص لله عز وجل. والإخلاص كما قيل: سر بين العبد وربه عز وجل، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيضله، ولا هوى فيميله. الإخلاص يا إخوان، الذي يكون بحسن المقصد وصحة النوايا: تدرس تدرس لله عز وجل، تخطب بالناس من أجل الله تبارك وتعالى، تؤذن، تصلي بالناس، تدعو إلى الله عز وجل، وغيرها من العبادات، لا لأجل رياء، ولا من أجل سمعة، ولا من أجل شهرة، ولا من أجل أن يتذاكر الناس أخبارك إلى غير ذلك. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. أما إذا فسدت النوايا وضعف الإخلاص، هنا تأتي المشاحنات، وتأتي الصراعات على التصدر وعلى المكانة بين الناس. أيضًا من هذه الأسباب التي تعين على ذلك: دعاء الله عز وجل، وقد سبق في قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقلوب العباد يا إخوان بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». وهكذا أيضًا مما يعين على ذلك: الاهتمام بأمر القرآن، تلاوة وتعلما وتعليما وتدبرا إلى غير ذلك. فربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾. ماذا في الصدور يا إخوان؟ الذي في الصدور مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأخيرًا مما يعين على سلامة الصدور ونقاء القلوب وطهارتها: أن يتحلى المؤمن بالصفات الطيبة، كالرحمة، فالرحمون يرحمهم الرحمن. يتحلى بالتواضع، فإن من تواضع لله رفعه الله. يتحلى بالحلم، يصبر على أذية الآخرين، ويصبر على الابتلاءات التي قد يبتلى بها، ولا سيما في طلب العلم والدعوة إلى الله عز وجل. يتحلى بالأخلاق الفاضلة: كلمة طيبة تخرج من فيه صدقة مقبولة عند الله عز وجل، إفشاء السلام، وهكذا لين الجانب، الابتسامة، وبشاشة الوجه. قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر رضي الله تعالى عنه: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». ويبتعد عن الغلظة والجفاء، وعن الكبر والتعالي على الآخرين، وعن القسوة والإساءة في المعاملة. أحبة في الله، ينبغي بل يجب علينا جميعا أن نهتم بهذا الجانب، ألا وهو سلامة الصدور وطهارة القلوب. فمن الخطأ أن نقوم بمعالجة قلوب الناس ونحن نحمل قلوبا مريضة هي أحوج ما تكون إلى أن تعالج. أسأل المولى عز وجل أن يرزقني وإياكم جميعا قلوبا طاهرة وصدورا سليمة وجوارح خاضعة ومنقادة. نسأل المولى عز وجل أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.