مقدمة وكلمة الشيخ الفاضل أبو يوسف عبدالمجيد الشحري

المحاضرة بعنوان مقدمة وكلمة الشيخ الفاضل أبو يوسف عبدالمجيد الشحري، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الخميس ١٠ شوال ١٤٤٠هـ ألقاها

الاعتصام بحبل الله وتحقيق الوحدة الإسلامية

يؤكد الدرس على وجوب التمسك بكتاب الله وسنة نبيه وتجنب الفرقة، مستشهداً بآيات وأحاديث تبين رضا الله عن الجماعة وسخطه على التفرق. ويبين أن الاجتماع والائتلاف أصل عظيم من أصول الإسلام، محذراً من مصير الأمم السابقة التي انقسمت إلى شيع.

تحذير من الأئمة المضلين ووجوب لزوم أهل السنة والجماعة

يحذر الخطيب من الأئمة المضلين الذين يفسرون الوحي بهواهم فيضلون الناس، مستشهداً بأحاديث تصفهم بأنهم دعاة على أبواب جهنم. ويؤكد على وجوب التمسك بأهل السنة والجماعة، وجمع الكلمة، وطاعة ولاة الأمر في طاعة الله، محذراً من الخروج عليهم وما يجره من فتنة.

تنظيم الكلمات وتوجيهات الوقت للمتحدثين

يعلن المنظم عن بدء الكلمات من الآن حتى قبل صلاة المغرب ثم استئنافها بعد المغرب إلى العشاء، ويسلم الكلمة للشيخ محمد بجعال. وينبه المتحدثين إلى عدم تجاوز عشرين دقيقة لكل كلمة لإتاحة الفرصة للجميع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فأمر الله جل وعلا بهذا الأمر العظيم، وهذا الأصل العظيم من أصول الإسلام، وهو الاعتصام بكتاب الله جل وعلا والتمسك به، والسير على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والحذر من الفرقة والاختلاف. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الاجتماع والائتلاف من الأمور العظيمة التي أمر الله جل وعلا بها ورسوله، وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق عنه من أصول الإسلام العظيمة، وقد عظم وصية الله جل وعلا به في كتابه، وعظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، وعظمت وصية النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة». انتهى كلامه رحمه الله. فالاجتماع والائتلاف أصل عظيم من أصول الإسلام التي أمر الله جل وعلا بها ورسوله عليه الصلاة والسلام. يقول ربنا جل وعلا: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ويقول عز وجل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في صحيح الإمام مسلم من طريق سهيل، من أبي صالح، عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وهكذا حذر ربنا من التفرق والاختلاف، وأن نقع فيما وقع فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. كانت بنو إسرائيل فيهم النبوة، وفضلهم الله جل وعلا على العالمين، فتفرقوا واختلفوا على أنبيائهم، فغضب الله عليهم ولعنهم، كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. فالواجب عباد الله أن نعتصم بكتاب الله جل وعلا وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإن في ذلك النجاة والهداية والصلاح والفوز في الدنيا والآخرة. يقول الإمام الزهري رحمه الله: «كان منتهى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وبث العلم ثبات الدين والدنيا». أخرجه الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه. ويقول الإمام مالك بن أنس: «الاعتصام بالسنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق». يجب علينا معاشر المسلمين أن نعتصم بحبل الله جل وعلا عقيدة ومنهجًا، الاجتماع على العقيدة الصحيحة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليها صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم. لما كان الناس متفرقين قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كل له إله يعبده ويتقرب إليه، منهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد الصالحين، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، فأمرهم عليه الصلاة والسلام بعبادة الله وحده دون من سواه، وتحقيق معنى لا إله إلا الله، فاجتمعوا على هذه الكلمة العظيمة، وتآلفوا بعد أن كانوا في خصام وشجار، وأصبحت لهم القوة، ولهم العزة، ولهم الشرف، ولهم المكانة العالية عند الله جل وعلا، دانت لهم رقاب الكفار، وفتحت لهم البلاد والأمصار، وبلغ الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها. وهكذا ينبغي أن نكون مثلهم، وأن نسير على طريقتهم في باب العقيدة، فنعتقد ما كان يعتقده النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان يعتقده أصحابه رضي الله تعالى عنهم. وهكذا أيضًا في باب الطريقة الدعوية والمنهج الدعوي، فلا بد أن يكون منهجًا واحدًا، هو منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، السير على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، فإن ذلك سبب لحصول الاجتماع ونبذ الفرقة والاختلاف. لا نقول كما يقول بعض أهل الضلال: «نحن طريقتنا سلفية المعتقد، عصرية المواجهة»، بل سلفية المعتقد والمنهج، عقيدة ومنهجًا وعبادة ومعاملة، والحذر من الأحزاب والفرق التي هي من أعظم الأمور التي فرقت جمع المسلمين، وشتتت شملهم، وفرقت كلمتهم. فإن الحزبية والبدعة تفرق ولا تجمع، السنة مقرونة بالجماعة، والبدعة مقرونة بالفرقة، ولذلك يقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة. هذه الأحزاب عباد الله، التي هي خطة من خطط الأعداء، التي زرعوها في أوساط المسلمين لتفريق جمعهم، وتشتيت كلمتهم، وإضعاف قوتهم، فتجد كل واحد من ذوي الأحزاب لا يستقي إلا من رئيس حزبه ومؤسس منهجه، وإن كان على خلاف أمر الله جل وعلا ورسوله، فبذلك يحصل الاختلاف، ويتسنى لأعداء هذا الدين بسط أيديهم، ونشر ما يريدون من أفكار مخالفة لكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولذلك بين الحين والآخر ترى رجلًا يظهر من أولئك الأضلال، من دعاة الضلال، فتجده يفسر الكتاب والسنة على عقله ورأيه وهواه، فيضل الناس عن دينهم، ويبعدهم عن الصراط المستقيم. وقد حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون». رواه الإمام أبو داود والترمذي والدارمي من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، وجاء عن غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. أئمة سماهم النبي صلى الله عليه وسلم أئمة، لكنهم أئمة إلى الضلال، وإلى الزيغ، وإلى الانحراف، وإلى الفرقة والاختلاف، كما قال الله عز وجل في فرعون وشيعته: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾. وفي حديث حذيفة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها». دعاة يدعون الناس إلى النار، فهم ليسوا بمخالفين للبشر بل هم منهم، ويتكلمون بألسنتهم، بل ربما يستدلون بالكتاب والسنة، لكنهم يفسرونها على غير تفسيرها الصحيح، وعلى غير ما كان عليه سلف هذه الأمة، فهم دعاة، لكنهم إلى النار، دعاة إلى الضلال، وإلى الزيغ، وإلى البعد عن الهدى والصراط المستقيم. فلا بد من الحذر من أمثال هؤلاء، وأن يحرص المسلم أن يكون حريصًا على جمع الكلمة ونبذ الفرقة، وأن يكون من أهل السنة والجماعة، بعيدًا عن الأهواء وعن البدع والضلالات، تحقيقًا لهذا الأصل العظيم الذي أمر الله جل وعلا به في كتابه، وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم في سنته. وأهل السنة والجماعة من أحرص الناس على تحقيق هذا الأصل، فهم يدعونهم إلى الاجتماع، ويحذرونهم من الاختلاف، عملًا بالكتاب والسنة، يأمرون الرعية بطاعة ولاة أمورهم في طاعة الله جل وعلا، وأن لا يخرجوا عليهم، وأن لا كذلك يخرجوا عن طاعتهم، لما في ذلك من الشر العظيم والاختلاف الكبير، الذي يحصل منه ما لا تحمد عقباه من فتن وشرور، وسفك للدماء، وذهاب للأمن، وتسلط لأعداء هذا الدين على بلاد المسلمين، والواقع أكبر شاهد على ذلك. بخلاف أهل الأهواء، فهم ينفخون في النار، وتجدهم يحرضون الشعوب على الخروج على ولاة أمرهم، وكذلك ينصحونهم بذلك، ويمدحون من خرج ويثنون عليهم، فيقع بسبب ذلك من التفرق والاختلاف الشيء العظيم. عباد الله، إننا في هذا اليوم المبارك، اليوم العاشر من شهر شوال لعام 1440 للهجرة، نجتمع في هذا الاجتماع المبارك، وفي هذه الدار المباركة، دار الحديث في الشهر، في اجتماع لأهل السنة والجماعة، يحضره إخوة أفاضل ومشايخ كرماء، وكذلك كل من كان محبًا لأهل السنة والجماعة، لسماع نصائحهم وسماع توجيهاتهم وإرشاداتهم، لينتفع بذلك، وكذلك يسمع ما يعينه في إصلاح سيره إلى الله جل وعلا. فنرحب بجميع من حضر من المناطق القريبة والبعيدة، ونقول للجميع: حللتم أهلًا، ونزلتم سهلًا، وطبتم، وطيب الله ثراكم، وجعل الله الجنة مثواكم. وستبدأ الكلمات بإذن الله من هذا الوقت إلى قبيل صلاة المغرب، ثم نستأنف بعد ذلك بعد صلاة المغرب إلى العشاء. فالكلمة الآن عند أخينا الشيخ محمد بجعال حفظه الله، فليتفضل. وننبه إخواننا الأفاضل أن من تكلم فليحرص على أن لا تزيد الكلمة على عشرين دقيقة، حتى يتسنى للجميع، أو من يتسنى له الكلام وإلقاء النصيحة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضاه.

شاركنا على