الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 76، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن الابتلاء في غزوة أحد يمحص إيمان المؤمنين ويرفع درجاتهم، بينما يمحق الكافرين ويظهر نفاق المنافقين. ويبين أن شدة البلاء تكون بقدر صلابة الدين، وأن الصبر عليه يرفع العبد درجات لا يبلغها بعمله.
يؤكد المقطع أن الدعاة إلى الله يجب أن يصبروا على البلاء ويمضوا في طريقهم دون الالتفات إلى الأعداء أو المثبطين، مستشهداً بمثل الغزال الذي ينجو بعدم الالتفات. كما يبين أن الابتلاء يميز المؤمنين الصادقين من المنافقين، وأن هزيمة أحد كانت تمحيصاً للمؤمنين واستدراجاً للكافرين لعقوبتهم في غزوة الخندق.
حاصر الأحزاب المدينة فأنزل الله عليهم ريح الصبا فهزمهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»، فتم صلح الحديبية ثم فتح مكة بعد سنتين. مظهراً أن غلبة الكفار مؤقتة والعاقبة للمتقين.
عندما ينتصر الكفار في بعض الغزوات، تزداد عزيمة المسلمين وشجاعتهم وحميتهم للإسلام، مما يؤدي إلى نصر الله لهم. التاريخ يشهد هذا النمط في المعارك الكبرى التي خاضها أهل الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾، قال: وهذا أيضا من الحكم، أي الحكم التي تؤخذ من غزوة أحد، أو التي ذكرها ربنا جل وعلا في هذه السورة. فذكر قبل ذلك حكما كثيرة، منها أنه يصابون بالقرح والجراحات وبالألم، لكن لا يتساوى جرح الكفار وجرح أهل الإسلام. فأهل الإسلام إنما يفعلون ذلك لله، ويرجون من الله ما لا يرجو أولئك الكفار. ﴿أَنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، فلهذا فإن الله عز وجل يعطي من هذه الدنيا من يحب ومن لا يحب، يعطيه من النعم ويعطيه من الغلبة، لكن العاقبة للمتقين، والعاقبة لها للإخلاص والصدق. وأيضا كذلك من الحكم أن الله عز وجل يعلم المؤمن من غيره، فيبتلي الله عز وجل عباده حتى يعلم المؤمن من المنافق. وكذلك أيضا يتخذ منكم شهداء. وكذلك أيضا ربنا جل وعلا يبين أنه لا يحب الظالمين، ولا يحب أيضا مشاركتهم في الخير؛ لأنهم ما يشاركون إلا لأجل مصالح دنيوية، أو لأجل تثبيط أهل الخير وأهل الإقدام. وأيضا كذلك من يسعى في الخير يندسون لأجل خذلانه، كما ذكر ربنا جل وعلا عن المنافقين في سورة التوبة، وتقدم هذا. ثم ذكر أيضا هنا فائدة أخرى، وهي مسألة التمحيص. فالتمحيص: يمحص الله عز وجل عباده أهل الإيمان ليزيد في درجاتهم، وكذلك أيضا ليمتحن إيمانهم. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. فهذا التمحيص الذي يجعله الله عز وجل على العباد يرى إيمانهم، وأيضا كذلك يزيد إيمانهم ويرفعهم الدرجات. فإن العبد إذا ابتلي وصبر رفعه الله عز وجل درجات التي قد لا يستطيع أن ينالها بعمل، كما جاء ذلك عند أحمد عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الله يرفع العبد درجات بالابتلاء لم يكن يبلغ هذه الدرجات بعمله. أنا لو كان يعمل ما سيبلغ هذه الدرجات، لكن يبتليه الله عز وجل لأجل أن يمحص إيمانه. ولهذا الله عز وجل جعل الابتلاء تمحيصا للإيمان، وخذلانا. وكذلك أيضا يظهر الله عز وجل كفر الكافر ونفاق المنافق، ويظهر كذلك أيضا من في قلبه شيء. وأيضا يظهر الله عز وجل من تخونه ذنوبه حيث يحتاج إلى أن يكون في ذلك الموقف من المشرفين، أو من المشرفين أن يكون مثلا أنه فاز في هذا الباب أو نجى من هذه الفتنة، فلكن ذنوبه تخذله، تخذله في مثل هذه المواقف، والعياذ بالله، عافانا الله عز وجل. فلهذا فالابتلاء أمره عظيم عند الله جل وعلا، ولهذا كان أشد الناس ابتلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل بقدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه. إن كان صلبا في دينه متمسكا بدينه زيد في بلائه، وهذا البلاء يزيده صلابة، ويزيده أيضا كذلك إقداما. ولهذا كان أشد الناس بلاء للأنبياء، فيتحملون من البلاء العظيم، لكنهم يستمرون ويواصلون الطريق، ولا يرجعون أبدا، ولا يلتفتون إلى من يخذلهم من الداخل، ولا أيضا يلتفت إلى أعدائه. فلهذا الداعي إلى الله يقدم في دعوته، ولا يرجع، ولا يتقهقر، ولا يتلفت. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة مثلا للداعي إلى الله عز وجل، ومن يتربص به من أعدائه، فضرب مثلا بالغزالة أو بالضبي الذي يجري خلفه السبع كالأسد وغيره. فالغزال هذا سريع جدا، لكن ما الذي يجعل مثلا هذا السبع يدركه؟ هو الالتفات. كلما مشى التفت يمينا ويسارا يرى هل لا زال يجري خلفه، فيدركه بهذا الالتفات. فكذلك الداعية إذا التفت إلى مثل هؤلاء الأعداء، وخذل، أو رأى أن كلامهم يؤثر فيه ويؤثر في دعوته، فإنه يتأخر ويتقهقر. لكن إذا لم يلتفت إليهم، ويعلم أن ما عنده حق، وما عنده هو الذي يرضي الله عز وجل، فلا يبال بهم، بل يقدم، وأيضا يكون على طريقه، الطريق المستقيم، ولا يلتفت إلى جنبات الطريق. بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عندما خط خطا، فقال: هذا صراط الله. خط خطا طويلا، قال: هذا صراط الله. وخط بجانبيه خطوطا صغيرة، وقال: هذه السبل، وعلى كل سبيل شيطان. فقال النبي، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. إذا التفت الإنسان إلى هذه السبل، ونهشته هذه السبل، وهذه السبل سبل الشهوات والشبهات، فإذا لم يلتفت إليها فإنه يسير في هذا الطريق، ولا يتقهقر، ولا أيضا يرجع، بل يقدم، ويزداد أيضا ثقة بالله جل وعلا، ويزداد توكلا على الله. فلهذا فالتمحيص من أعظم الأمور التي يبلو الله بها عز وجل عباده أهل الإيمان. قال: يدل ذلك على أن الشهادة والقتال في سبيل الله تكفر الذنوب وتزيل العيوب. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ﴾ أيضا المؤمنين من غيرهم من المنافقين، فيتخلصون منهم، ويعرفون المؤمن من المنافق. وهذا حال الابتلاء كما ذكر الله عز وجل، فقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. وفي الآية الأخرى قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلِيَعْلَمَ الْمُنَافِقِينَ﴾. فيميز الله عز وجل بابتلائه أهل الإيمان من أهل النفاق، فيمحق الله عز وجل ما كان من عمل المنافقين ومن عمل الكافرين، وأما أهل الإيمان فيزيدهم إيمانا، ويزيدهم كذلك أجرا وثوابا عنده سبحانه وتعالى. قال: ومن الحكم، أي من الحكم التي أخذت من هذه الغزوة، ومن الحكم أيضا أنه يقدر ذلك ليمحق الكافرين، أي ليكون سببا لمحقهم واستئصالهم بالعقوبة. فإنهم إذا انتصروا فغوا وازدادوا طغيانا إلى طغيانهم، استحقوا به المعاجلة بالعقوبة، رحمة بعباده المؤمنين. معناها: إذا أعطاهم الغلبة تفاخروا، وظنوا أنهم قد ملكوا، أو قد زادوا على هؤلاء أهل الإيمان، لكن تأتي بعد ذلك العقوبة من الله عليهم. فلهذا بعد أحد جاءت غزوة الخندق، وفخروا بأنفسهم، وظنوا أنهم يستطيعون أن يستأصلوا أهل الإيمان. فتجمع الكفار من كفار قريش ومن غطفان وغيرها من القبائل، وجاءوا وحاصروا مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يستطيعوا أن يدخلوا لأجل الخندق، ودخل بعضهم لكن هزموا، وخرجوا، لم يستطيعوا أن يستمروا في القتال. وأرسل الله عز وجل بعد ذلك جنوده، وأرسل تلك الريح، ريح الصبا، التي أرسلها الله عز وجل على الأحزاب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور». أي ريح الصبا، وهي التي تأتي من الشرق، شرق الأرض. هذه الريح التي نصر بها النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه في الأحزاب، فجاءت وغطت عيونهم، ما استطاعوا أن يروا شيئا، وكان في شدة برد، فهزمهم الله عز وجل، ورجعوا مغلوبين، وكذلك رجعوا أيضا كذلك مدحورين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، بعد غزوة الخندق: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». قال: «الآن نغزوهم»، أي بعد هذا نحن الذين سنغزوهم، وأما هم فما يستطيعون أن يغزونا. وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن ذلك وحي من الله. فلم يستطع بعد ذلك الكفار أن تقوم لهم قائمة، فجاء صلح الحديبية، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى قرب مكة، ولم يستطع أحد أن يصده، إلا ما كان من الاتفاق الذي اتفق به مع أولئك. وإلا قد جاء أناس من السفهاء أرادوا أن يردوا النبي عليه الصلاة والسلام عن مكة، لكن لم يستطيعوا، بل كانوا في أسره، أسرهم النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، ثم أطلقهم النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كفا أيديكم، أو وهو الذي كفا أيديكم عنهم ببطن مكة، من بعد أن أظفركم عليهم. فالله عز وجل يذكر هذه النعمة، أنه جعل أناسا من الكفار أرادوا أن يصدوا النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يستطيعوا، بل أسروا من المسلمين، لكن كفا أيديه، وأطلق سراحهم بعد أن أسرهم. ولهذا بعد ذلك عقد النبي صلى الله عليه وسلم الصلح، وبعد ذلك صار الفتح العظيم، وهو فتح مكة، بعد سنتين من ذلك الصلح. ولما رجعوا في الصلح، أو أقصد لما لم يلتزموا بهذا الصلح وهذا العهد، بل نقضوه، أي قريش، فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك غزاهم إلى مكة. ولما قتلوا ذلك الخزاعي، قتلوه أو قتلوهم في مكة، انتصر لهم النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم نقضوا العهد. حاولوا أن يثنوا النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا ويصرفوه، لكن نبي الله صلى الله عليه الصلاة والسلام أصر على أنه يأتي إلى مكة، وجاء، وفتح الله عز وجل عليه مكة. وهذا كما قلنا مما ذكره شيخنا رحمه الله، أن الله عز وجل قد يعطي الكفار شيئا من الغلبة حتى يتفاقر بذلك، حتى يتفاقروا بذلك، فتأتي بعد ذلك العقوبة عليهم، تأتي بعد ذلك العقوبة عليهم. ولهذا من نظر إلى تاريخ المسلمين وقتالهم مع الكفار يجد أن بعض الكروب ينتصر فيها الكفار، لكن بعد ذلك تكون العاقبة للمسلمين. بعد أن ينتصر الكفار في شيء من الغزوات، تجد أن أهل الإسلام تأخذهم شيء من العزة للإسلام، وكذلك أيضا الشجاعة والحمية للإسلام، فبعد ذلك ينصرهم الله عز وجل. وهذا من تأمل التاريخ يجد هذا عيانا، وخاصة في المعارك الكبرى التي خاضها أهل الإسلام. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي من هذا، والله تعالى أعلم.