الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة سعد أن الله يأمر المؤمنين بعدم الوهن والحزن بعد معركة أحد، مؤكداً أنهم الأعلون بفضل إيمانهم. ويبين أن الوهن في البدن والحزن في القلب يزيدان المصيبة، بينما يقوي الله عزائمهم ويسليهم.
يوضح المقطع الفرق بين الهم والغم والحزن من حيث الزمن، مستدلاً بالآية الكريمة على أن الحزن والوهن يزيدان المصيبة ويعينان العدو. ويأمر المؤمن بالصبر وتقوية القلب والتمسك بالإيمان ليكون من الأعلين.
يتناول المقطع الحكم والفوائد العظيمة المستفادة من غزوة أحد رغم غلبة المشركين، مستعرضاً فضائل الصبر والشجاعة والثبات كما ورد في زاد المعاد. ويشير إلى تحول قلوب القوم إلى الله وخروجهم نحو العدو دون إدراكهم، مختتماً الحديث بهذا الموقف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾. قال رحمه الله: يقول تعالى مشجعاً لعباده المؤمنين، ومقوياً لعزائمهم، ومنهضاً لهممهم: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾، أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم عندما أصابتكم المصيبة وابتليتم بهذه البلوى. فإن الحزن في القلوب والوهن على الأبدان زيادة مصيبة عليكم. فربنا جل وعلا يسلي أهل الإيمان ويقوي قلوبهم وعزائمهم، فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وهذا بعد أحد. والوهن يكون في البدن، والحزن يكون في القلب. وهذا بعد المصائب: يحزن الإنسان لما أصابه، وأما في حال المصيبة فيكون غماً، وقبلها يكون همّاً، وبعد المصيبة يكون حزناً. الهم يكون قبل، والغم يكون مع المصيبة، والحزن يكون بعدها. وكلها معاني واحدة أصلاً، قد يطلق هذا على هذا ويطلق هذا على هذا، لكن معناها هكذا: فالهم قبل حصول الشيء يصيبه هم لأجل حصوله، والغم عند حصوله، والحزن بعد الحصول. قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. قال: فإن الحزن في القلوب والوهن على الأبدان زيادة مصيبة عليكم، زيادة مصيبة عليكم وعون لعدوكم عليكم. بل شجعوا قلوبكم، صبروها، وادفعوا عنها الحزن، وتصلبوا على قتال عدوكم. ولهذا لما ورد الناس إلى المدينة، النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، خرج بعض أهل... بعض الصحابة أصابهم النشاط وعلت همتهم فخرجوا وراء العدو، كما في سورة الأحزاب. قال رحمه الله: فالمؤمن المبتغي... قال: وذكر تعالى أنه لا ينبغ ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان ورجاء نصر الله وثوابه. قال: فالمؤمن المبتغي ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغ له ذلك. ولهذا قال: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. أي: ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبين الحكم العظيمة المترتبة على ذلك. إنا بعد هذه الآية ذكر ربنا جل وعلا عدة أمور حصلت لأهل الإيمان، وفيها حكم، وفيها فوائد عظيمة. وإن كانت الكفة لأهل الكفر والشرك في غزوة أحد، لكن هذه الغزوة أظهرت أشياء كثيرة من الحكم، وكذلك من المسائل العظيمة، وكذلك من فضائل بعض الصحابة وغيرها مما ذكره العلماء في ما يستفاد من هذه الآيات. قد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله عدة فوائد في كتابه الماتع «زاد المعاد» بعد هذه الغزوة، ذكر فوائد طيبة جداً، بل من أفضل الفوائد، خاصة في صبر المؤمن وقيامه بأمر الله جل وعلا، وإن هزم وإن غلب، وإن كانت الكفة عليه، فهو مقدام وشجاع، لا يرجع إلى الخلف ولا يتقهقر، بل يكون إلى الأمام إذا كان ذلك في رضا الله جل وعلا أو كان في موافقة شرع الله جل وعلا. فلهذا قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ولهذا كان أهل الإيمان كما قلنا على شجاعة عظيمة، وعلى أيضاً كذلك همة عظيمة، مع ما أصابهم من ذلك القرح وتلك الشدة التي أصابتهم. لكنهم صارت قلوبهم لله عز وجل، ونهضوا وخرجوا كما قلنا في اتجاه العدو، لكنهم لم يدركوهم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.