الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 105، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أمر النبي ﷺ أسامة بن زيد بقيادة جيش لغزو الروم، وتأخر الناس في الخروج فخطب النبي وهو مريض دافعاً عن إمارة أسامة ورداً على طعن المنافقين في صغر سنه. أكد النبي أهليته ومحبته له ولأبيه زيد بن حارثة.
أسرع الناس في التجهيز لجيش أسامة، لكن شدة مرض النبي حالت دون سير الجيش فعسكر أسامة بالجرف منتظراً قضاء الله. زار النبي البقيع ليلاً يستغفر لأهله وأخبر أبا مُويهبة أنه خُيّر بين مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه.
يشرح المقطع حديث تخيير الله نبيه بين مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وبين لقاء ربه والجنة، فاختار النبي لقاء ربه. تفطن أبو بكر أن المخير هو النبي فبكى حزناً على فراقه، كما يبين عدل النبي في استئذان أزواجه للمرض في بيت عائشة رغم شدة مرضه.
ذكر النبي أن أبا بكر هو أمن الناس عليه في صحبته وماله، وأنه من أفضل الصحابة وأحبهم إليه. أعلن المحاضر الاكتفاء بهذا القدر على أن يُكمل في دروس قادمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، فقد انتهينا في آخر درس لنا من دروس مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع. ثم قال العلامة المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "بعثوا أسامة بن زيد إلى البلقاء"، والبلقاء هي بلد من بلاد أرض فلسطين كما سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله تعالى. قال: "ولما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة" - وهي السنة التي توفي فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - "فكانت هذه الحادثة عقد لواء أسامة في صفر، وموت النبي صلى الله عليه وسلم كان في ربيع الأول". قال: "ولما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم"، يعني حث الناس على التجهز، والتهيؤ يعني التجهز. "فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد وأمره أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة"، وهذا في غزوة ماذا؟ في أي غزوة استشهد زيد بن حارثة؟ في غزوة مؤتة كما مر معنا. قال: "وأمره أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة، وأن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين". فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون والأنصار، بمعنى أن جنده كانوا من المهاجرين والأنصار. قال: "ثم استبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في بعث أسامة وهو في وجعه"، يعني شعر النبي صلى الله عليه وسلم بتأخر الناس في الخروج مع أسامة، وقد بدأ به مرض الموت، مرض موته عليه الصلاة والسلام الذي ابتدأ بوجع في رأسه. قال: "فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر"، وكان المنافقون قد قالوا في إمارة أسامة: "أمر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار"، وهكذا أهل النفاق يصطادون في الماء العكر. وكان أسامة بن زيد شاباً صغيراً، ولكنه ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو أهل لهذه المهمة، ولي كذلك القيام بالإمارة، ولكن المنافقين هذا ديدنهم وهذه فتنتهم، إذا رأوا شيئاً مما يستطيعون النيل به من الإسلام والمسلمين ذكروه وشنعوا به وأشاعوه. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم غضب، ومعنى قولهم "على جلة المهاجرين والأنصار" يعني على كبار، وعلى كذلك يعني عظماً وقدماً المهاجرين والأنصار. قال: "فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، وخرج عاصباً رأسه، وكان قد بدأ به الوجع"، أي الألم، "فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس". وفي هذا أمر قد يغفل عنه الدعاة إلى الله عز وجل، وهو أن المنبر ليس خاصاً بخطبة الجمعة فقط، فيجوز كذلك أن يصعد عليه في غير الجمعة، وقد وردت أحاديث كثيرة جمعها بعض أهل العلم في صعود النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر في غير الجمعة، ووعظ الصحابة وهو على المنبر، ومن تلك المواضع هذا الموضع، ومن تلك المواضع هذا الموضع. قال: "ثم قال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة"، يعني قوموا بهذا البعث واخرجوا معه. "قال: فلئن طعنتم في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وأيم الله"، وهذا قسم منه عليه الصلاة والسلام، "وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة"، يعني أهلاً، "وإن كان أبوه لمن أحب الناس إلي، وإن هذا"، يعني أسامة، "لمن أحب الناس إلي من بعده". ثم نزل. وهذا الحديث في البخاري ومسلم كما ذكر ذلك المعلق عندكم في الحاشية. قال: "وانكمش الناس في جهازهم"، علق هنا المعلق في الحاشية فقال: "كما شاء"، أي أسرع، يعني أسرع الناس في جهازهم، والجهاز هو ما يحتاجه الغازي من إعداد الإبل أو الخيل أو السلاح أو العدة أو الطعام أو الراحلة أو نحو ذلك، هذا كله من الجهاز. قال: "وانكمش الناس"، أي أسرعوا في جهازهم، "فاشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، وخرج أسامة بجيشه فعسكر بالجرف، وتتام إليه الناس"، يعني قصده الناس والتفوا حوله، "والجرف هو موضع خارج المدينة، فأقاموا لينظروا ما الله تبارك وتعالى قاضٍ في رسوله صلى الله عليه وسلم"، يعني تجهزوا وخرجوا لكن ما أبعدوا وما جدوا في السير لما يرون من مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدة وجعه. وهذا فيه أن المسلم، أن المسلم إذا رأى من قريب له عزيز كأب أو أم أو أخ أو زوجة أو ابن أو نحو ذلك قد ألم به مرض، وأراد أن يسافر أو أن يذهب، هذا الشخص أن يتأنى لعل قضاء الله ينزل بهذا القريب أو بذاك العزيز فيشهد جنازته، وكذلك يحضر عزاءه فيكون فيه مواساة لأهله وقرابته، أو خدمة ذلك المريض أو نحو ذلك. فانظر إلى أسامة رضي الله تعالى عنه ما أبعد، لما علم بشدة وجع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن إسحاق: حدث عن أسامة"، وهذا منقطع، فابن إسحاق لم يسمع من أسامة، بينه وبين أسامة طبقات. قال: "حدث عن أسامة قال: لما ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم هبط، وهبط الناس معي إلى المدينة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت فلا يتكلم"، فقوله "لا يتكلم" تفسير لقوله "أصمت"، يعني امتنع عن الكلام. قال: "وَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَيَّ، أَعْرِفُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي"، يعني يرفع يده ثم يضعها على أسامة، فرفعه ليده هذا حال الدعاء، حال الدعاء، ووضع يده على أسامة فيه إشارة إلى أن هذا الدعاء كان متجهاً إلى أسامة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال ابن إسحاق: "وَحُدِّثْتُ"، هذا أيضاً كسابقه فيه انقطاع لأن ابن إسحاق لم يسمع من أبي مويهبة، مويهبة مولى رسول الله. قال: "وَحُدِّثْتُ عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل"، أي في وقت مرضه، "فقال: يا أبا مويهبة، قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع"، يعني الموتى الذين دفنوا في البقيع، "فانطلق معي"، أي قم معي إليهم حتى أستغفر لهم. قال: "فانطلقت معه، فلما وقف عليهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنى لكم، ليهنى لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه"، يعني أنتم قد انقطعتم عن الدنيا وفتن الدنيا ومشاق الدنيا وعناء الدنيا، وأما من يعيش عليها فهو في عناء وهو في بلاء ونحو ذلك، فهذا معنى قوله: "ليهنى لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه". قال: "وسيفسر هذا الأمر فيما سيأتي". قال: "أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، والآخرة شر من الأولى". ثم أقبل علي، فقال: أي على مويهبة، أو على أبي مويهبة. قال: "ثم أقبل علي فقال: إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة". فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، يعني اجمع بين الكل، لمحبتهم لبقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. ومعنى التخيير يعني إما هذا وإما هذا، ولا يجوز الجمع، فهذا هو التخيير، لكن أبا مويهبة أراد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين هذا كله. فقال له: "فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا والله يا أبا مويهبة، قد اخترت لقاء ربي والجنة". ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف. وهذا الحديث أخرجه أحمد، وكما رأيت أن ابن إسحاق رواه منقطعاً، وبعض ألفاظه دلت عليه بعض الأحاديث الصحيحة كحديث أبي هريرة عند مسلم: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل". وهكذا قوله: "إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا"، سيأتي معنا أيضاً من حديث أبي بكر أن رجلاً خير بين ما عند الله وبين الدنيا فاختار ما عند الله، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف ذلك أبو بكر، فبعض ألفاظ هذا الحديث دلت عليه بعض الأحاديث الصحيحة. قال: "فبدأ به وجعه"، يعني اشتد، "فلما استعز به"، يعني اشتد به، "دعا نساءه فاستأذنهن"، وهذا من عدله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكما هو معلوم أنه عليه الصلاة والسلام كان يعدل في المبيت عند نسائه، فيبيت كل ليلة عند إحداهن، فلما مرض أحب أن يمرض في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فجمع نساءه يستأذنهن في ذلك حتى لا يكون عليه شيء من الظلم، مع أن الحالة التي هو فيها لا تعني تسمح له بالتنقل من بيت إلى آخر لمرضه، ولكن مع هذا حتى يعلم الأمة هذا الدرس العظيم، ألا وهو العدل بين الزوجات، جمع نساءه واستأذنهن. قال: "دعا نساءه واستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذن له". وهذا الحديث في صحيح الإمام البخاري كما ذكر ذلك المعلق. وهذه كلها مما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه. قالوا: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده"، أي في الآخرة في الجنة، هل تحب أن تبقى في الدنيا أو تنتقل إلى الآخرة فتتنعم بما أعد الله عز وجل لك فيها؟ فهذا معنى قوله: "إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده". قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فاختار ذلك العبد ما عند الله". فبكى أبو بكر، تفطن لذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، مع أن الكلام كلام ما فيه تعيين لأحد. قال: قال: "إن الله خير عبداً"، من هو هذا العبد؟ مطلق. لكن فطن أبو بكر لذلك، فعلم أن هذا المخير هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبكى حزناً على فراق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "فتعجبن لبكائه"، تعجب الصحابة لبكاء أبي بكر في أمر ما يستدعي البكاء في نظرهم، في نظرهم هذا الكلام ما يستدعي البكاء، فكيف يبكي أبو بكر؟ قال: "فتعجبن لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير"، فكان رسول الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، يعني تفطن وعلم بهذا المخير وهو رسول الله، وهذا فيه منقبة لأبي بكر، وأنه كان يتفطن لما يقصده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون غيره من الصحابة. قال: "فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، وأنه من أفضل الصحابة، وأنه من أحب الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". طيب، نكتفي إن شاء الله بهذا، ونكمل ما بقي في دروس قادمة. إلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر