شرح مختصر سيرة الرسول 107

شرح مختصر سيرة الرسول 107

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 107، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

رد فعل الصحابة وخطبة أبي بكر عند وفاة النبي ﷺ

عند وفاة النبي ﷺ صُدم عمر فأنكر موته، بينما دخل أبو بكر بهدوء وكشف وجه النبي وقبله، ثم خطب في الناس مؤكداً موته وأن الله حي لا يموت. تلا أبو بكر آية ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ فثبتت قلوب الصحابة وذهبت حيرتهم، مبيناً أن العبادة لله لا تنقطع بموت بشر.

أحداث السقيفة ومفاوضات أبي بكر وعمر مع الأنصار

تجمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتشاور حول الخلافة، بينما توجه أبو بكر وعمر للتفاوض معهم لتوحيد الكلمة قبل دفن النبي ﷺ. يبرز المقطع الفرق بين مجرد تلاوة القرآن والاستدلال به، مستشهداً بقدرة العلماء على الاستدلال بالآيات في المواقف العصيبة.

إرجاء تفصيل حديث السقيفة للدرس القادم

أشار المؤلف إلى حديث السقيفة وما دار بين أبي بكر وعمر والأنصار، وقرر تأجيل تفصيله للدرس القادم لطوله. يبقى التفصيل موصولاً في الجلسة التالية لاستكمال السياق التاريخي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي شيئاً من أحداث ومواقف موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الإمام الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: قال ابن إسحاق، قال الزهري، وسيأتي معنا من تعليق المعلق أن هذا الحديث في صحيح البخاري. قال: حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قام عمر، فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات. وعمر رضي الله تعالى عنه لشدة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، لما أخبر بموت النبي صلى الله عليه وسلم صدم صدمة شديدة فذهل رضي الله تعالى عنه حتى قال هذا القول، وما ذاك إلا لشدة المصاب، وما ذاك إلا لشدة المصاب. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل مات، والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حين كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات. وكما تقدم، إنما قال ذلك رضي الله تعالى عنه لشدة المصاب ولذهوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيء، أي لم يكلم أحداً ولم يوقف أحداً ولم يقل قولاً ولم يفعل فعلاً إلا هذا الفعل. فماذا فعل؟ قال: فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى، أي مغطى في ناحية البيت. وفي هذا: إذا مات الميت، السنة أن يغطى ويسجى، فمن أراد أن يدخل عليه وأن يراه لا بأس أن يكشف وجهه، كما سيأتي من فعل أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت عليه بردة حبرة، وهي نوع من ثياب اليمن، يعني كساء يقال له حبرة، وهو خاص بثياب اليمن. قال: قال فأقبل حتى كشف عن وجهه، يعني عن وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل عليه فقبله. وفي هذا جواز تقبيل الميت، لا شيء فيه إذا كان عزيزاً على من دخل عليه، فلا بأس أن يقبله، كأن يكون أخاً أو ابناً أو عمّاً أو أي قريب أو أي عزيز كصديق عزيز ونحو ذلك، فلا بأس لفعل أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، وهو موت الدنيا، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً. ثم رد البردة على وجهه وخرج، وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، يعني على مهلك، أنصت، يعني اسكت، وأنا سأتكلم، وأنصت إلي. فأبى إلا أن يتكلم، أي عمر لم يستجب ولم يسكت، وكما ذكرنا ما ذاك إلا لشدة المصاب. قال: فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، أي تنحى ناحية، وبدأ أبو بكر يتكلم. قال: فلما سمع الناس كلام أبي بكر أقبلوا عليه، يعني اجتمع الناس حول أبي بكر رضي الله تعالى عنه وتركوا عمر. فحمد الله تعالى، أي أبو بكر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾. فهذه الآية وكأنها نزلت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل عليم حكيم، فهو يعلم أن رسوله سيموت، كما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾. وفي هذه الآية قال ربنا عز وجل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾، يعني قد جاءت قبله الرسل، ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾، إذا مات رجعتم عن دينكم وعن الحق الذي كان عليه عليه الصلاة والسلام، ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾، لأن دين الله باق لا ينتهي بموت أحد، ولا كذلك يترك بموت أحد، ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾، فالله غني عن طاعة الطائعين، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. نعم، ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾. وفي هذا من فقه أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ومن علو منزلته وكبير علمه، إذ ذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الآية العظيمة في هذا الموقف العصيب. في هذا الموقف العصيب أظلمت المدينة بخبر وفاته عليه الصلاة والسلام، وبلغ الحزن مبلغه في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومع هذا ثبت الله عز وجل أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فخطب هذه الخطبة القصيرة، لكنها موعظة بليغة وموعظة في محلها، وفيها من كذلك معنى الثبات على الدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، وإلا فالمسلم لا يعبد محمداً، إنما يعبد رب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورب محمد حي لا يموت، الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نعم، وتوكل على الحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى، فالله عز وجل حي قيوم لا يموت، فيعبد في كل زمان سبحانه وتعالى، فلا تنقطع عبادته بموت أحد، ولا كذلك بحياة أحد. قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت، سبحان الله، ما ذكرها أحد وما استدل بها أحد، وألهم الله عز وجل أبا بكر بذكرها وألهمه بها، فلما سمعوا هذه الآية اطمأنت قلوبهم، والقرآن موعظة وذكرى. وفي هذا أن عند المصائب، خصوصاً المصائب العظيمة المهولة، ينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يذكر المصابين بها بآيات من كتاب الله كي يهوّن عليهم، كي يهوّن عليهم. فمن مثلاً أصيب بفقد حبيب يذكره بقول الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾، فالله عز وجل هو الذي رزقك هذا الولد وهو الذي أخذه، فإن لله ما أخذ وله ما أعطى سبحانه وتعالى. تذكره بآيات من كتاب الله وبأحاديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها تنزل على قلبه كنزول الماء البارد على القلب وعلى البطن. فلذلك ينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يهوّن المصائب على أصحابها بذكر آيات من كتاب الله، هذا كمثال، وأيضاً في غيرها من المصائب ومن كذلك الأقدار المؤلمة، فإن الداعي إلى الله عز وجل يأتي دوره، وكذلك يستغل ذلك في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فالناس لما سمعوا هذه الآية قالوا: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ. قال: وأخذها الناس عن أبي بكر، بدأوا يرددون هذه الآية، فإنما هي في أفواههم، يعني الكل بدأ يردد هذه الآية، مع أنهم كانوا يقرؤونها، هي من القرآن، من سورة آل عمران. نعم، كانوا يقرؤونها من قبل، وفي هذا أن الاستدلال غير التلاوة والقراءة، وهذا أمر يوفق الله عز وجل إليه من شاء من خلقه. فلربما تجد أحدهم يحفظ القرآن ويقرأ القرآن، لكن عندما يطلب منه الاستدلال بالقرآن لربما شق عليه ذلك وصعب عليه أن يستدل بالآيات في موضعها وفي مكانها الذي يستحق ذكر هذه الآية. وبعضهم ربما لا يحفظ القرآن ويحفظ شيئاً منه، لكن عنده استحضار عجيب عند الاستدلال، عند الاستدلال. ومما عرف بذلك شيخنا الوادعي رحمه الله، وكما يحكي عن نفسه أنه لا يحفظ القرآن ولا كذلك يتقن ذلك، لكن لما تأتي في باب الاستدلال تتعجب، تقول: هذا ليس يعني بمعقول أنه لا يحفظ القرآن، أنه لا يحفظ القرآن، تجده يتكلم فإذا يستدل بالآيات في مواطنها وفي موقعها التي يريد أن يستدل به عليه، وهذا أمر قل ما يوفق إليه من العلماء أو من طلاب العلم. فأبو بكر رضي الله تعالى عنه وفقه الله لاستحضار هذه الآية والتذكير بها، فلما سمعها الصحابة أخذها عنه والناس، فإنما هي في أفواههم يكررونها، وتنزل على قلوبهم. قال أبو بكر: فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعثرت حتى وقعت على الأرض، سقط، سقط على الأرض، نعم سقط على الأرض، لما علم من هذه الآية وأيقن بموت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ما تحمل نير جلايا، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد مات، قد مات. قال: حديث السقيفة، وحديث السقيفة كما سيأتي هو مطول، نسبة إلى سقيفة بني ساعدة، وهو موضع اجتمع فيه الأنصار رضي الله تعالى عنهم بعد موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتشاورون في الأمر، نعم، فسميت هذه السقيفة بسقيفة بني ساعدة لأنها من أملاكهم. قال: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز مع أبي بكر أسيد بن حضير وهو من الأنصار، لم ينحز إلى عشيرته وإنما انحاز إلى أبي بكر، وانحاز معه أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل. أي هذه الآن أربع يعني أماكن انحاز إليها الصحابة: الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وبعض الصحابة كعلي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، والمهاجرون مع أبي بكر، وانحاز معهم بعض الأنصار. قال: قال فأتى آتٍ إلى أبي بكر وعمر، فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس من حاجة، يعني إن كنتم تريدون إمارة على الناس، أي أن تكونوا أمراء عليهم، فأدركوا، فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، يعني اسعوا إلى هذا الأمر، إلى توحيد الكلمة، وإلى جعل أمير واحد للمسلمين جميعاً. نعم، فإن كان لكم بأمر الناس من حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، يعني يصير هناك خلاف وفتن ونحو ذلك. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره، لا يزال النبي صلى الله عليه وسلم مسجى في بيت عائشة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قد أغلق دونه الباب أهله، يعني أغلقوا الباب، والناس ما يدرون كيف يجتمع أمرهم، فكل طائفة تشاور الأخرى في هذا الأمر. فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه، وإنما اختار الذهاب إلى الأنصار مع أن هناك من انحاز إلى غيرهم لكثرتهم ولأن المدينة بلدهم، فعمر طلب من أبي بكر أن يذهب إلى الأنصار كي يتشاوروا معهم في هذا الأمر قبل دفن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ذكر المؤلف حديث السقيفة وما وقع بين أبي بكر وعمر وبين الأنصار، ولأن الحديث طويل فنؤجله إن شاء الله إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.