الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 108، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة للتشاور في الإمارة بعد وفاة النبي ﷺ، فبرز أدب الحوار وتكلم أبو بكر بحكمة فأقنع الأنصار بأن الإمارة في قريش، ومدحهم وشكرهم، ثم بايعه عمر وأبو عبيدة فبايعه الناس، مما حال دون الفتنة وحقق الوحدة. بايع المهاجرون والأنصار أبا بكر رضي الله عنه فاجتمعت الكلمة عليه بإصلاح الله بينهم، وذُكر موقف سعد بن عبادة في هذا السياق.
اعترض رجل على بيعة أبي بكر ووصفها بالفلتة، فغضب عمر وعزم على خطبة الناس في الموسم لتحذيرهم، فنصحه عبد الرحمن بن عوف بتأخير ذلك إلى المدينة حيث يجتمع أهل الفقه والعلم ليفهموا المقاصد. استدل عبد الرحمن بأثر علي بن أبي طالب وابن مسعود في مخاطبة الناس على قدر عقولهم، فاستجاب عمر لنصيحته وأخر الخطبة.
روى ابن عباس حضوره خطبة الجمعة التي ألقاها عمر بن الخطاب في المدينة، حيث حذر من إنكار آية الرجم المنسوخة ونهى عن الغلو في مدح النبي ﷺ. استعرض عمر أحداث السقيفة مبيناً شرعية بيعة أبي بكر ووجوب المشورة، محذراً من البيعة بغير مشورة المسلمين ومؤكداً على أصول الحكم الشرعي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فما زلنا في ذكر الأحداث التي وقعت في السنة الحادية عشرة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووقفنا عند حديث السقيفة، وهي سقيفة بني ساعدة التي اجتمع فيها الأنصار بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام يتشاورون في أمرهم ويتطلعون للإمارة والحكم. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: وكان من حديث السقيفة أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن محمد بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: أخبرني عبد الرحمن بن عوف قال: قال، وكنت في منزله بميناء أنتظره، وكنت أقرئه القرآن. وعبد الرحمن بن عوف من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فخرج مع أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه إلى الحج، وقال: وكنت في منزله بميناء، أي المكان الذي نزل فيه في ميناء في الأيام التي يبيت الحجاج في ميناء. وقوله: وكنت أقرئه القرآن، هذا فيه تواضع عبد الرحمن بن عوف، فمع سبقه ومع جلالته وكبر سنه ما استنكف أو استكبر، بل جعل ابن عباس يقرئه القرآن، وذلك لأن ابن عباس كان عالماً بالقرآن وكان ترجمان القرآن. قال: وكنت أقرئه القرآن، قال ابن عباس: فقال لي عبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين فقال: هل لك في فلان؟ يقول: والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت. ومعنى فلتة يعني من غير مشاورة ومن غير كذلك تعين من النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما كما سيأتي من كلام عمر لما اجتمعوا فأبو بكر يقول: بايعوا فلاناً وفلاناً، والأنصار يقولون: أمير منا وأمير منكم، فقال عمر لأبي بكر: مد يدك، فمد يده، فبايعه عمر، ثم بايعه بقية الصحابة من الأنصار والمهاجرين، ثم في اليوم الثاني عامة المؤمنين، فهذا معنى فلتة. فهذا الرجل يقول: لو مات عمر أنا سأبايع فلاناً وسيكون هو الخليفة، مثل ما بايع عمر يعني أبا بكر وصار خليفة. قال: فغضب عمر من هذا القول لأنه تدخل في أمور الإمارة، وقال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم، يعني يعينوا من تلقاء أنفسهم دون مشاورة ودون رجوع لأهل الأمر، فيريد عمر أن يقوم في الموسم أمام الناس أمام الحجاج. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، يعني عامة الناس الفقيه والجاهل والعاقل وغير العاقل، فهو يجمع من هب وذب. قال: وإنهم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، يعني هم الذين يكونون قريبين منك، هؤلاء الغوغاء والرعاع هم الذين يكونون قريبين منك، وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ولا يعوها ولا يضعها على مواضعها، فأمهل. وهذا فيه أنه ليس كل كلام يقال في المجالس العامة، ليس كل كلام يقال في مجالس العامة. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ فبعض الكلام لا يعيه عامة الناس وإنما يعيه العلماء والحكماء والعقلاء، فليس كل كلام يقال في المجالس العامة. ومن فقه الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى أنه أورد أثر علي: حدثوا الناس بما تعرفون، تريدون أن يكذب الله ورسوله، في كتاب التوحيد في باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات. ما وجه المناسبة؟ لماذا أورد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي هذا الأثر في باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات؟ من يجيب من درس كتاب التوحيد؟ لماذا أورد هذا الأثر في هذا الباب؟ ما وجه المناسبة؟ ما وجه المناسبة؟ درست كتاب التوحيد، مر بك هذا الباب، كتاب التوحيد مهم عندك يا خاني محمد، لماذا أورد هذا الأثر في هذا الباب؟ آه عندك نعم. مسألة التفاصيل في باب الأسماء والصفات لا تطرح أمام عامة الناس، بل ربما لا يفهمون ولا يعون، وتشتبه عليهم بعض التفاصيل، هذا الباب الدقيق وهو باب الأسماء والصفات، فهذا الباب لا يتوسع فيه أمام عامة الناس، ولذلك أورد بعده أثر ابن عباس أن رجلاً انتفض لما سمع حديثاً في الصفات، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه: انظر إلى هؤلاء يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه، عند متشابهه. فإذا نستفيد من هذا الأثر أنه ليس كل كلام يقال أمام عامة الناس، وليس معنى هذا كما تقول الصوفية هناك علم لدني لا يعني يصل إليه إلا أفراد من هذه الأمة وأشخاص من هذه الأمة، لا، وإنما المراد بالمتشابه الذي لا يعقله إلا العلماء، لا يعقله إلا العلماء. وبهذا المعنى أثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، إلا كان لبعضهم فتنة. ما معنى لا تبلغه عقولهم؟ يعني هو أكبر من عقولهم، ما عندهم علم وما عندهم قواعد وأصول يستطيعون بها فهم هذا الكلام. نعم، فأثر عمر هذا يدل على هذا المعنى، وهذا فيه أن المسائل العظام والكبار والمدلهمات والنوازل لا يتكلم فيها إلا العلماء الراسخون، لا يتكلم فيها أي أحد، ولا يخوض فيها الأغمار والصغار من طلاب العلم، وإنما يتكلم فيها الكبار الراسخون في العلم، فهم الذين يدركون الفتن وهم الذين يعرفونها عند إقبالها، أما الغوغاء والجهال فإنهم لا يعرفون الفتن إلا عند إدبارها، إلا عند إدبارها. فأراد عبد الرحمن بن عوف أن لا يضع عمر بن الخطاب هذه المسألة المصيرية والنازلة، وهي مسألة الإمارة واختيار الأمير ونحو ذلك، لا تطرح أمام عامة الناس، وإنما ماذا قال له؟ قال: فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار السنة وتخلص، أي تنفرد بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت بالمدينة متمكناً. انظر إلى الفقه والعلم، تخلص بأهل الفقه وأشراف الناس من يعقل هذا الكلام ومن يفهم ويعي، فلا يزيد عليه ولا ينقص، هذا الذي حري أن تجلس معهم وأن تضع عليهم هذه المسألة العظيمة. نعم، فهذا الأثر دليل على وجوب الرجوع إلى أهل الرسوخ في العلم عند النوازل والمدلهمات. قال: فتقول ما قلت بالمدينة متمكناً، فيعي أهل الفقه مقالتك ويضعوها على مواضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة، أي استجاب لنصيحة عبد الرحمن بن عوف وأخر ما أراد أن يقوله بعد رجوعه إلى المدينة. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، يعني بعد شهر ذي الحجة، لأن المسافة كانت بعيدة، وما كان عندهم طائرات ولا سيارات، فلربما مكثوا في الطريق الأيام والليالي، وينتهي الحج إذا أتى الحاج مباشرة في الرابع عشر من ذي الحجة، لكن قدموا إلى المدينة بعد انتهاء ذي الحجة. قال: فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح، وهذا من حرصه رضي الله تعالى عنه على العلم، فهو من أشراف الناس بل ومن أهل الفقه والعلم، ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. قال: عجلت الرواح حين زالت الشمس، فأجد سعيد بن زيد، أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر، جالس بجانب المنبر في ركن من أركانه. قال: فجلست حذوه، أي مقابل له، تمس ركبتي ركبته، يعني قريب منه. فلم أنشب أن خرج عمر، يعني لم ألبث أن خرج عمر، فما رأيته مقبلاً، فقلت لسعيد: يعني بمجرد أن رأيته مقبلاً قلت لسعيد، أي بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف، يعني ليقولن عمر كلاماً لم يسمع منه قبله، أول مرة يقول هذا القول، وعرف هذا من عبد الرحمن بن عوف. قال: فأنكر علي سعيد بن زيد ذلك، وقال: وما عسى أن يقول مما لم يقل قبله؟ فجلس عمر على المنبر، وهذا اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، نعم، قال: لأن كان اليوم يوم جمعة، يوم خطبة، يوم خطبة. قال: فلما سكت المؤذن الذي يؤذن بين يدي الخطيب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، أي عمر، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي، يعني لعل أجلي قريب، وأقولها لكم حتى أبرئ ذمتي أمام المسلمين. قال: فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فلا أحل لأحد أن يكذب علي، يعني من فهم فهماً صحيحاً كما أردت فيبلغها ويأخذ بها، ومن خشي أن لا يعيها، ما يفهمها وما يحسن أن يتقنها، فلا أحل لأحد أن يكذب علي، لأنه سيقول كلاماً ليس مراد عمر. وهذا فيه أن كثيراً مما ينسب من كذب إلى بعض العلماء أو الدعاة آفته عدم الفهم من الناقل، مثلاً أنا أقول قول أريد شيئاً، والسامع الذي سمع هذا القول فهم شيئاً آخر غير الفهم الذي أردت، فينقل عني ما فهم هو لا ما قصدت أنا، وهذا يقع كثير، خصوصاً في الفتن، خصوصاً في الفتن، لأن الفتن تدخل فيها الأهواء وأيضاً حظوظ النفوس ونحو ذلك، فتجد النقولات في جهة وكلام المتكلم في جهة أخرى، وهذا هو معنى قول عمر: ومن خشي ألا يعيها فلا أحل لأحد أن يكذب علي، لأن الذي لم يعيها لم، لأن الذي لم يعيها لا ينقلها على حقيقتها وإنما يكذب فيها، يكذب فيها. قال: إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعلمناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، يعني أن رجم المحصن قد جاء في القرآن، ثم نسخت الآية، ثم نسخت الآية: الزاني والزانية فارجموهما البتة، أو بهذا المعنى. ثم نسخت هذه الآية، فخشي عمر أن الناس بعد وفاته لا يرجمون الزاني الذي زنى وهو محصن، فأنبههم على هذا. وقال: فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضل، أو فيضل بترك فريضة قد أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، يعني في أول الأمر، ثم نسخ، من الرجال والنساء إذا قامت البينة، شهود أربعة رأوا الميل في المكحلة، أو كان الحبل، المرأة حامل وهي غير متزوجة، من أين أتت بهذا؟ لا شك أنه من زنى، أو الاعتراف، اعترف أو اعترفت بالزنى، فهذا يعني يوجب قيام الحد عليها أو عليه. قال: ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، أو كفر لكم أن ترغبوا عن آبائكم، يعني هذه أيضاً من الآيات التي نسخت، فلا أحد يرغب عن آبائه ويتخلى عنهم. ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله. هذا أيضاً مما أراد عمر أن يبلغه الأمة، وهو النهي عن الإطراء، وهو المدح الزائد الذي يخرج عن المعتاد. ثم إنه قد بلغني أن فلاناً قال: لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلاناً، فلا يغترن امرؤ يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت. ألا وإنها والله قد كانت كذلك، إلا أن الله وقى شرها، لما وقع من خلاف يسير بين الأنصار والمهاجرين، وليس فيكم من تنقطع دونه الأعناق، تنقطع دونه الأعناق إليه مثل أبي بكر، يعني لمكانته وشرفه، وكذلك لقربه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلقد اختار رسول الله صلى الله عليه وكذلك في هجرته أبا بكر، فكان الصاحب في السفر. قال: فمن بايع رجلاً عن غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له، هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا، وتغره مصدر غررته، يقال كما ذكر المعلق: غرر نفسه تغريراً وتغرة إذا عرضها للهلاك. قال: وفي الكلام محذوف، تقديره: خوف تغرة أن يقتلا، أي خوف وقوعهما في القتل، يعني أنهما إن أبيا إلا ذلك أن يقتلا، أن يقتلا، أن يقتلا. قال: إنه كان من خيرنا، أي أبو بكر، حين توفى الله نبيه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن الأنصار خالفون، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما، يعني انحازوا في بيت علي، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، والأنصار في سقيفة بني ساعدة. فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار، يعني نتفاهم معهم وننظر ما عندهم. انظر كيف وفق الله عز وجل الصحابة إلى هذا الرأي وإلى هذا الأمر الذي جمع به كلمتهم. قال: فانطلقنا نؤمهم، أي نقصدهم، حتى لقينا منهم رجلين صالحين، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، يعني ما اتفق عليه الأنصار، وأنهم يريدون الأمير منهم، فالبلد بلدهم، والأرض أرضهم، ومن بايعوه أو ناصروه قد توفي وهو رسول الله، هذا الذي تمالأ عليه. وقالوا لنا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء الأنصار. فقالا: لا عليكم، ألا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم، يعني قالا: لا تبالوا بهم، فهم قد تمالوا على أن الأمر لهم، فأنتم اقضوا أمركم وعينوا لكم أميراً. قال: قلت: والله لنأتينهم، وإن أرادوا ذلك لنأتينهم. وهذا فيه أنه عند الخلاف، إذا اختلف أخ مع أخيه أو جماعة مع أخرى من أهل الحق والسنة، ألا يتنافروا، بل في أقرب وقت يجتمعوا، في أقرب وقت يجتمعون ويتفاهمون، وكل واحد يضع الذي معه، فالغالب أنهم يوفقون للصلح، وكذلك الحق، ولا ينفر كل واحد في جهة. فانظر كيف أصر عمر إلا أن يجتمع بالأنصار، فقال: والله لنأتينهم. قال: فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، أبو بكر ومعه عمر، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، يعني مغطى. فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة. قلت: ما له؟ قالوا: وجع، يعني مريض. فلما جلسنا تشهد خطيبهم، يعني بدأ في الكلام، وبدأ بالتشهد وابتداء خطبته بذلك، فأثنى على الله عز وجل بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، يعني جماعة منا، وقد دقت، أو وقد دفت، دافة، دافة من قومكم. ومعنى دفت أي سارت، رفقة قليلة من مكة إلينا، أي في الهجرة، في الهجرة، في أول الأمر كان المهاجرون قلة، جاءوا مهاجرين إلى المدينة، فهذا معنى قولهم: وقد دفت دافة من قومكم. قال: وإذا هم يريدون أن يختزلوا من أصلنا، أي يقطعون من أصلنا ويغتصبون الأمر، يعني تكون لهم الإمارة، أي الأنصار، هكذا يقول عمر. قال: فلما سكت، يعني هذا الأنصاري، وهذا فيه أدب من آداب الحوار والكلام، أن المتكلم إذا تكلم لا يقاطع، مع أن هذا الأمر لا يرضاه المهاجرون، فما قاطع الأنصار. ماذا قال عمر؟ قال: فلما سكت، خلاص انتهى ما عنده من كلام. ما هو إذا جلست في مجلس وأخوك يتكلم لا، الأمر ليس كذا، وهذا يرفع صوت، وهذا لا يكون الكلام بأدب، وحتى ينتهي المتكلم الأول يبدأ الثاني بالكلام، وهكذا. انظر إلى أدب الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذا الأمر العظيم. قال: فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني، ومعنى زورت يعني هيأت ورتبت. عمر إنسان أحياناً إذا دخل مكان يريد أن يتكلم يرتب كلام، إيش بقول؟ أنا الآن في المجلس هذا سأقول كذا وكذا وكذا، يرتب له ماذا، بعض العبارات أو بعض الجمل أو بعض كذلك الكلام الذي يريد أن يقوله وأن يوصله إلى المخاطب. فعمر قال: أنا أردت أن أتكلم وقد هيأت كلام، رتبت كلام، ماذا أقول عند الأنصار؟ هذا معنى زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني، يعني قلت: هذه المقالة يعني سيقتنع بها الأنصار، وس، يعني يخضعون لإخوانهم المهاجرين. قال: أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، يعني أريد أن أتكلم أنا قبل أبي بكر، ثم يتكلم أبو بكر رضي الله عنه. قال: وكنت أداري منه بعض الحد، ومعنى أداري منه بعض الحد يعني أدفع منه بعض ما يعتريه من الحدة، يعني يخشى أن أبا بكر يعني يتكلم بكلام يكون فيه شيء من الحدة أو نحو ذلك، فهذا معنى وكنت أداري منه بعض الحد. فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، يعني انتظر، أنا سأتكلم، تمهل يا عمر. قال: فكرهت أن أعصيه، وهذا من أدبه رضي الله عنه، مع أنه مشتاق للكلام، قد رتب وهيئ الكلام، لكن مع هذا لما نهاه أبو بكر عن الكلام قال: فكرهت أن أعصيه. قال: فتكلم، أي أبو بكر. قال: وهو كان أعلم مني وأحكم وأحلم وأوقر. انظروا إلى هذا الثناء الجميل على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أعلم وأحكم وأحلم وأوقر، فهو أفضل الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يعني أبا بكر. قال: فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهيته، يعني الكلام الذي رتبته وأردت أن أقوله قد قاله أبو بكر دون ترتيب، هكذا بديهي، أتى بهذا الكلام، أتى بهذا الكلام الذي أردت أن أقوله. قال: أو أفضل، يعني أتى بما أردت أن أقول، بل أتى بأفضل ما أردت أن أقول. قال: حتى سكت، ما قاطعه أحد، هكذا الأدب. فقال: أما بعد، أي قال أبو بكر: أما بعد، فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، وهذا من حكمته ومن تقديره لإخوانه الأنصار، فمدحهم بهذا المدح العظيم، فأنتم له أهل، من أنكم كما ذكر خطيبهم من أنهم يعني أنصار الله وكتيبة الإسلام، هذا أمر لا ينكره المهاجرون. فقال: فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هذا الأمر يعني الإمارة، الإمارة. بل قد ورد، ورد حديث بهذا المعنى، من يذكره؟ الأئمة من قريش، الأئمة من قريش. وفي بعض الروايات، وفي بعض الروايات أن أبا بكر ذكر الأنصار بهذا الحديث، ذكر الأنصار بهذا الحديث. قال: ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا الآن أيهما شئتم، ولم يحدد نفسه، وهذا من تواضعه رضي الله تعالى عنه، وحتى لا يفهم من كلامه أنه يطمع إلى الإمارة رضي الله عنه، مع أنه أهل لذلك، فلم يحدد نفسه ولم يعين نفسه رضي الله عنه، بل قال لهم: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا الآن أيهما شئتم. فأخذ بيدي، يد عمر، وبيد أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، وهو جالس بيننا مع المهاجرين، وهو من قريش. قال: فلم أكره شيئاً مما قال غيرها، وهذا أيضاً من تواضعه، وأنهم لا يتطلعون إلى الإمارة رضي الله عنهم، لما يعلمون من أنها حسرة وندامة يوم القيامة إلا من قام بحقها، فهذا من ورعهم ومن تقواهم، أنهم كانوا يهربون من الإمارة ولا يحبونها. فقال عمر: فلم أكره شيئاً مما قال غيرها، كلامه كله أعجبني، إلا لما اختارني، هذا الذي ما أعجبني. قال: كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم، يعني أن الإمارة ليست بالأمر الهين، فلو أن تضرب عنقي ولا أدخل في هذا الباب، باب الإمارة. قال: والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. انظر، وكان أمر، وكان أمراً معلوماً عند الصحابة فضيلة أبي بكر، وأنه هو أفضل الصحابة على الإطلاق، ومنهم عمر. قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، بمعنى عند رأي ما ستختلفون فيه، عند رأي صائب ما ستختلفون فيه أبداً، فأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، يعني أنتم تختارون لكم أمير ونحن أمير، والأميران يعني يحكم البلد والمسلمين. قال: فكثر اللغط، يعني الأصوات، وارتفعت الأصوات، حتى خشينا الاختلاف، خشينا أنه سيحصل الاختلاف. فقلت، أي قال عمر: أبسط يدك يا أبا بكر، أبسط يدك يا أبا بكر. فبسطها. قال: فبايعت، فبايعته، أي عمر بايع أبا بكر. ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار. الحمد لله، الله عز وجل أصلح بينهم وجمع كلمتهم على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فالكل بايعه، الكل بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنه. قال: ونزلنا على سعد بن عبادة، يعني نزلنا عليه. فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. قال: قتل الله سعد بن عبادة. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، وعفواً على الإطالة، لأن الحديث متواصل، ويوم غد إن شاء الله نعوضكم بدرس مختصر. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.