الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 106، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
في آخر خطبة له على المنبر، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار خيراً واصفاً إياهم بكرشه وعيبته، مؤكداً أنهم قضوا حق النصرة والدفاع. وجب على الأمة قبول محسنهم وتجاوز مسيئهم تقديراً لمكانتهم.
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بإمامة الناس في الصلاة خلال مرضه الأخير، ورأى العلماء في ذلك إشارة إلى خلافته من بعده. اعترضت عائشة لشدة بكاء أبي بكر واقترحت عمر، فأصر النبي على أبي بكر وشبه اتفاق نساءه بصواحب يوسف.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى باب حجرة عائشة أثناء صلاة الفجر فكاد الصحابة يتركون صلاتهم فرحاً، فأشار إليهم بالاستمرار وتبسم لهيئتهم. رجع النبي وانصرف الناس يظنون شفاءه، وتوفي في ضحى يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ.
انتهى وقت الدرس الحالي على أن يتم استكمال الحديث عن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في الدرس القادم. شكر المحاضر المشاهدين على متابعتهم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ذكر أحداث السنة الحادية عشرة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي السنة التي توفي فيها عليه الصلاة والسلام. والمؤلف رحمه الله ذكر الأحداث التي وقعت قبل موته بأيام ولحظات، فوقفنا عند مرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال رحمه الله: والمراد بالصحيح البخاري ومسلم كما ذكر ذلك المعلق. قال: وفي الصحيح أن ابن عباس وأبا بكر مرا بمجلس للأنصار وهم يبكون، فقالا: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منا. سبحان الله! كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بينهم، وكان أحب شيء إليهم تلك المجالس التي يشتاقون إليها، ولربما جلس أحدهم في بيته فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصبر حتى يأتي ليجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم. ولما مرض النبي صلى الله عليه وسلم أقعده هذا المرض في البيت، فلم يدخل عليه إلا الخواص من أهله وأصحابه، فحق لهم أن يبكوا، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. كيف لا يبكون وقد فقدوا أحلى وأغلى ما كانوا يتمتعون به في حياتهم، وهو الجلوس مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال: فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، أي: دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما عليه الأنصار من الاشتياق إليه، ومن كذلك محبة الجلوس بين يديه. قال: فخرج، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عصب على رأسه بحاشية برد، أي: نوع من أنواع الثياب. قال: فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم، يعني: آخر صعود له عليه الصلاة والسلام في حياته على المنبر. هذا الصعود الذي خرج من أجل أن يراه الأنصار خاصة، وأن يثني عليهم. وعصبه لرأسه هذا دليل على شدة الألم الذي كان يعانيه عليه الصلاة والسلام في مرضه. قال: فحمد الله وأثنى عليه. وقلنا في هذا: إن الصعود على المنبر للواعظ وللمتكلم لا يختص الصعود عليه يوم الجمعة فحسب، بل قد وردت أحاديث كثيرة فيها صعود النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على المنبر من غير خطبة جمعة، ومن تلك المواضع هذا الموضع. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أوصيكم بالأنصار خيراً». وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام، فلما اشتاقوا إليه وحزنوا لمفارقته، أساهم بهذه الكلمات التي فيها من الثناء الجميل على الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فأوصى بهم خيراً. قال: «أوصيكم بالأنصار خيراً، فإنهم كرشي وعيبتي». ومعنى «كرشي وعيبتي» كما ذكر المعلق في حاشيته: قال العلماء: معناه جماعتي وخاصتي الذين أثق بهم وأعتمدهم في أموري. كيف لا وهم الذين نصروه، وهم الذين أيدوه، وهم الذين حموه بما يحمون به أنفسهم وأهاليهم وأموالهم؟ فلذلك قال عليه الصلاة والسلام في الأنصار مادحاً لهم: «فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم» أي: من النصرة، ومن كذلك الدفاع والجهاد، وما كانوا عليه من محبة لهذا الدين ونصر له ونحو ذلك، فقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم. «فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم». وهذا فيه أن صاحب الفضل وصاحب كذلك الشرف والنصرة لا يعامل كمعاملة غيره من المسلمين، لما قدم لهذا الدين فيعامل معاملة حسنة، فيقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. قال: وفي الصحيح، والمراد الصحيح هنا أيضاً البخاري ومسلم كما ذكر ذلك المعلق، والشيخ الإمام المجدد محمد عبدالوهاب رحمه الله، إذا قال: في الصحيح، فقد يراد به البخاري ومسلم جميعاً، وقد يراد به البخاري وحده، وقد يراد به مسلم وحده، فينظر في أي كتاب من الصحيحين. قال: وفي الصحيح: أبو موسى الأشعري، قال: «اشتد مرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس». أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخلف بعده في الصلاة أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قد ذكر العلماء أن في هذا إشارة إلى أن أبا بكر هو خليفته من بعده، فيه إشارة وليس تصريح، وإنما إشارة. فكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعين أبا بكر لأن يكون نائباً عنه في الصلاة، فهذا في إشارة إلى أن يكون نائباً عنه في الإمامة، نعم، أقصد الإمامة الكبرى للمسلمين، لأن ولي الأمر هو الذي يأم الناس. وهناك أحاديث كثيرة فيها هذا المعنى، ألا وهو إشارة من النبي عليه الصلاة إلى أن أبا بكر هو الخليفة من بعده. قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». قالت عائشة: يا رسول الله، إنه رجل رقيق، وفي رواية: أسيف. ومعناه كما فسرته: إذا قام مقامك لا يسمع الناس، أي: من شدة البكاء. فلما يقرأ رضي الله تعالى عنه لا يتمالك نفسه، لا يتمالك نفسه فيبكي رضي الله تعالى عنه، فلربما لشدة بكائه لا يميز السامع الآية التي يقرأها. وهذا أمر معلوم لمن قرأ وبكى، ربما تتداخل الكلمات والحروف فلا يسمع من وراءه أو من يستمع إليه. فقالت: يا رسول الله، إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. وهذا فيه أيضاً إشارة إلى أن المتقرر عند الصحابة أن بعد أبي بكر في الفضل هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقالت: فلو أمرت عمر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يبالي بهذا، ولم يعده سبباً لأن يصلي غير أبي بكر بالناس، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». فعادت، أي: كررت عائشة مقالتها الأولى، فقالت: يا رسول الله، إنه رجل رقيق، إلى ما إلى آخر ما ذكرت. فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف». بمعنى أن في بعض الروايات جاءت، والمؤلف هنا اختصر الحديث، أن عائشة كذلك كلمت حفصة حتى تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن على هذا الرأي أن يكون الإمام هو عمر وليس أبو بكر. فلما رأى اتفاقهن واجتماعهن قال عليه الصلاة والسلام: «فإنكن صواحب يوسف»، أي: النساء التي مكرن بيوسف. فأتاه الرسول فصلى بالناس، يعني: جاء رسول رسول الله إلى أبي بكر يخبره بأن النبي صلى الله عليه وسلم يكلفه بالإمامة. قال: فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ما زال النبي صلى الله عليه وسلم حياً. نعم. قالت: والله ما أقول إلا أني أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلاً قام مقامه أبداً، يعني: لما كان عليه من شدة البكاء وعدم سماع من خلفه، وكان الناس لا يحبون ذلك لأنهم لا يسمعون بعض ما يقرأ عند بكائه. قالوا: إن الناس يتشاؤمون به في كل حدث كان، فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر رضي الله تعالى عنها. اجتهدت في ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد أن يصلي بالناس إلا أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وفي هذا ما تقدم من فضيلة واضحة وظاهرة لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: موت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمؤلف كما تقدم، كتابه اسمه «مختصر سيرة الرسول»، فهو يختصر الحوادث. وإن هناك حوادث كثيرة وقعت قبل موته عليه الصلاة والسلام، منها ما حذر منه، من ماذا؟ من بناء القبور على المساجد، أو بناء المساجد على القبور. فكان إذا غشي عليه الخميصة كشفها، ويقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا. وكذلك حوادث كثيرة جمعها بعض أهل السير، وكذلك حصرها في مؤلف. فالقصد مما ذكره المؤلف هنا هو الاختصار، لأن اسمه «مختصر سيرة الرسول»، فهو يذكر ما يتيسر مما جاء من سيرته عليه الصلاة والسلام، ونحن نلتزم بما أراده المؤلف، وتطلب المطولات في السيرة وكذلك التفاصيل في الكتب الأخرى. قال: موت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الزهري: حدثني أنس، قال: «كان يوم الاثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح، أي: الفجر، طلوع الفجر. فرفع الستر وفتح الباب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت حجرات، أي: حجرات أزواجه، في ناحية من المسجد، لا يفصلها عن المسجد إلا الفاصل الذي بينها وبين المسجد. فرفع الستر في غرفة عائشة، وقد مرض عليه الصلاة والسلام، كما تقدم في حجرة عائشة رضي الله عنها وأرضاها. وفتح باب الغرفة المطلة على المسجد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام على باب عائشة، يعني: جعل أو كان قائماً على باب عائشة. فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم فرحاً به حين رأوه، يفتتنون يعني: يخرجون من صلاتهم. نعم، لما رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم واقفاً وهو على هذه الحال وهم يصلون، فكادوا أن يخرجوا من الصلاة ويحتفوا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من شدة الفرح، من شدة الفرح. وهذا فيه عظم محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم فرحاً به حين رأوه، وتفرجوا عنه، فأشار إليهم أن يثبتوا على صلاتكم. لما رأى أبصارهم ترمقه وأحوالهم تتعجب من وقوفه، أشار إليهم بيده: أن أثبتوا في صلاتكم، استمروا في صلاتكم. قال: وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سروراً لما رأى من هيئتهم في صلاتهم، فلم يتغير شيء، يصلون كأن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بهم، صفوفاً مرتبة ومستقيمة كالملكية عندما تصف، فهم في صفوف مرتبة، وأيضاً لا فيها انعطاف ولا اعوجاج ولا شيء من ذلك، فسره ذلك عليه الصلاة والسلام وتبسم. قال: وما رؤيا أحسن من هيئة تلك الساعة، وكانت هذه الهيئة وهذه الحال أحسن وأفضل حال رؤي عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ثم رجع، وانصرف الناس، أي: بعد قضاء الصلاة، وهم يرون أنه قد أبرأ من وجعه، يعني: يرون أنه قد شفي وتعافى من مرضه. وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح، والسنح إحدى المحال في المدينة، يعني: إحدى الأماكن التي يسكن فيها بعض أهل المدينة. قال: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم، يعني: في آخر وقت الضحى، في آخر وقت الضحى من هذا اليوم، وهو يوم الاثنين في شهر ربيع الأول لعام إحدى عشرة من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انتهى الوقت، إن شاء الله نكمل بقية ما جاء في موته صلى الله عليه وسلم في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة.