تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 8

الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطورة الاغترار بالدنيا وفضل الآخرة

الدنيا زائلة ولا تبقى إلا الآخرة، يجب على المؤمن ألا يغتر بالدنيا وزخرفها. الآخرة هي دار القرار والنعيم الحقيقي.

تحذير من الدنيا وبيان حقيقتها وخطورتها على المسلم

الدنيا متاع قليل زائل يلهي عن طاعة الله، فيجب على المؤمن أن لا يغتر بها ويعمل لنصرة دين الله. المال والأولاد قد يكونان عدوًا إذا صرفا عن ذكر الله.

قضاء الله وقدره في حياة الإنسان وتوجيه المؤمن

ما يصل للإنسان من الدنيا هو ما كتبه الله له، ويجب على المؤمن الاكتفاء بما قسم الله له. هناك موضوعات متعلقة يمكن التوسع فيها لكن تم الاكتفاء بهذا القدر.

التفريغ النصي الكامل

أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الدنيا سجن المؤمن جنة الكافر». وأيضا أوضح من هذا أراد ربنا جل وعلا أن توضح هذه الفكرة لأهل الإيمان، فضرب مثلا لهذه الحياة، فقال جل وعلا: ﴿وَمَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ فَانْظُرُوا إِلَى آيَاتِنَا كَيْفَ نُصَرِّفُهَا﴾. فهذه الدنيا مثل الماء الذي أنزله الله عز وجل من السماء، فأنبت النبات. تعرفون أن النبات الذي ينبت من ماء المطر غالبا يبقى أياما ثم يذهب ويطمحل، فمثل هذا النبات، فهذه الدنيا مثله. مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت هذه الأرض زخرفها واززينت، وظن أهلها، ظن صاحبها، أنه قادر عليها، وأنه ملك أشياء من هذه الدنيا، وعنده كذا وكذا من المال. قال الله عز وجل: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾، جاءتها الآفة وأذهبت بثمارها، أو جاءتها آفة عظيمة، جاءها السيل فاجتاحها. فهكذا الدنيا، مهما عمر فيها الإنسان، ومهما جمع، فهي متاع زائل لا يبقى. فيأتي عليه اليوم الذي يذهب، إما أن الله عز وجل يسلب عليه ما كان معه من المال، أو أنه يأتيه الموت فيترك ذلك المال الذي قد جمعه تلك السنوات، والتي أيضا قد أطغاه عما هو واجب عليه تجاه دينه. وأيضا كذلك جعله في غفلة عن هذا الدين العظيم، وهذه الصلاة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقال هنا أيضا: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ لَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾. فالدنيا متاع قليل زائل يذهب ويطمحل. ولهذا قال عتب بن غزوان: «إن هذه الدنيا ولت حذاء، وإن الآخرة مقبلة». وقال أيضا علي: «فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن في الدنيا عمل وليس فيها جزاء، وفي الآخرة جزاء وليس فيها عمل». فلهذا العاقل الذي لا يقدم الفاني على الباقي، يقدم الفاني الذي يذهب على الباقي. ولهذا تجد أيضا أن الله عز وجل دائما يذكر أهل الإيمان، وكذلك أيضا تهديد للكفار، أن هذه الدنيا متاع قليل زائل، سيذهب عما قريب. لكن جزاءهم قال: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. فهذا الذي يخوف، أنه يبقى الإنسان في عذاب لا يفتر عنه هذا العذاب، ولا أيضا يخفف عنه هذا العذاب، ولا أيضا يسمع لكلامه واستعتابه. بل أنه يترك في هذا العذاب السرمدي الدائم، نسأل الله عز وجل أن يسلمنا منه. في هذا العذاب يترك، لا يستجيب له أحد، ينادون ربهم جل وعلا، ينادون الملائكة، ينادون من يظنون أنهم ينقذهم من هذا العذاب، لكن لا يجدون أحدا، ولا يجدون ناصرا. فلهذا ذكرهم الله عز وجل في أكثر من آية أنهم لا تغرنهم هذه الدنيا، ولا يغرنهم زخرفها، فإنها عما قريب ستذهب، ويذهب ما كان فيها من نعيم ومن غيره. وإنما البقاء لتلك الدار، والنعيم الحقيقي هو في دار الآخرة، في الجنة. وأما هذا النعيم في الدنيا فهو ذاهب، وإنما هو متاع يتمتع به الإنسان قليلا، ثم يأتي إلى ما يكون له في تلك الدار. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وفيه أن العاقل لا ينبغي له أن يغتر بالدنيا، ويغتر بزخرفها، ويغتر بما عند الكفار من هذه الزخارف، ومن كما يسمونه التطور وغيره. فإنما هم باقون في هذه الدنيا قليلا، ثم بعد ذلك يذهبون. فهذا الذي يجده عند الكفار من النعيم وغيره ذاهب وزائل، إن لم يكن في هذه الحياة، فهو سيذهب بذهاب هذه الدنيا. وإن كان كما ذكرنا بالأمس أن الله عز وجل قد وعد أهل الإيمان إنهم أقاموا دينهم، فإنه يمكنهم في هذه الأرض، وينصرهم على عدوهم، وتكون لهم الغلبة. وكذلك أيضا نبينا عليه الصلاة والسلام قد بشر هذه الأمة أنها ستظهر على عدوها، ويكون لها الغلبة، ويكونون هؤلاء الكفار تحت حكم أهل الإسلام وتحت سيطرتهم. فلهذا فإن المؤمن يوقن بهذا، وكذلك يستبشر ويعمل لنصرة دين الله عز وجل ما استطاع. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. فلهذا فهذه الدنيا متاع قليل زائل، فضرب الله عز وجل لها ذلك المثل. حتى لو أن كان الإنسان يعمل الصالحات، فلا يجعل أيضا كذلك هذه الدنيا تغر وتذهب ما عنده من الأعمال الصالحة. فإن الشيطان ينصب هذه الدنيا كالفخ للإنسان. كم من إنسان كان مستقيما على طاعة الله جل وعلا، طالب علم، فجاءت هذه الدنيا وصرفته عن الخير. والمراد بالدنيا أو المذموم في الدنيا ليس الدنيا لذاتها، وليس المال لذاته، وإنما المراد بالدنيا هو ما يكون من زينتها وزخرفها وأغراضها التي تلهي الإنسان عما أوجب الله عز وجل عليه. لأن بعض الناس لما تذكر الدنيا، وأيضا تذكر مثلا تحذير الله عز وجل من الدنيا، يقول: أين هذه الدنيا؟ أنا ينظر إلى نفسه يقول: أنا ما عندي شيء من هذه الدنيا، ما عندي طعام، إلا أجد طعامي وشرابي، وشراب أولادي وطعامهم. فيظن أن الدنيا المراد بها الأموال الكثيرة. لا، قد تكون حتى الدنيا أشياء يسيرة، قد يكون هذه الدنيا كد في عمل يلهيك عن دار الآخرة. أنت بعض الناس مثلا ينهمك في الأعمال، فإذا اشتغل وسعى، مع أن هذا السعي الجهاد في سبيل الله، يسعى على نفسه وعلى أولاده، لكن يطغيه ذلك السعي، ويظن أنه بهذا العمل يقدم شيئا أعظم مما أوجب الله عز وجل عليه. فلهذا تجده يتهاون في الصلاة، إن صلى صلى في آخر الوقت، وكذلك يتهاون فيما أوجب الله عليه من الأمور الأخرى. فيظن أنه ما خلق إلا ليسعى. فتجد ليله ونهاره في الكد على مثلا هذا العمل، يقول: هذا العمل عبادة، ويترك العبادة الصحيحة بسبب مثل هذه المقالات. فليس كما قلنا الدنيا هو جمع الأموال الكثيرة، لا، الدنيا حتى فقط أنك تسعى إلى العمل وتترك وتتلهى بهذا العمل عما أوجب الله عز وجل عليه. فلهذا كما قلنا لا ينبغي الإنسان مثلا لما يسمع الآيات التي تذم الدنيا، ولا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام قد حذر من الدنيا شد التحذير، وما كان عند النبي عليه الصلاة والسلام شيء من الدنيا. فلهذا قال: «إنما أنا مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب استظل تحت شجرة، ثم تركها وذهب». معناه هذه الدنيا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فقط يستضل الإنسان فيها، لأنه مسافر، لأنه مسافر إلى دار الآخرة. فلهذا يستضل فيها شيئا يسيرا، ثم يذهب ويترك هذا الظل. معناه هذا المتاع الذي يتمتع فيه في الدنيا يعلم أنه سيذهب ويتركه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر قال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». كيف يكون الغريب أو العابر السبيل في منطقة يريد حاجته من هذه المنطقة ويخرج؟ فكذلك أيضا المؤمن في هذه الحياة مثل الغريب، مثل عابر السبيل، يأخذ ما حاجته منها ثم يذهب، ولا يظن أنه جالس فيها، ولا يظن أيضا أنه مثلا سيجلس فيها لأجل أنه يتمتع فيها، لا، بل هو يأخذ حاجته ويمر هكذا. فهي الدنيا، فلهذا كما قلنا إذا سمع الآيات، لحديث الدنيا، ليس المراد الأموال فقط، بل المال الصالح كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». نعم المال الصالح للرجل الصالح. لكن أيضا كما جاء في حديث أبي هريرة لما جاء فقراء المهاجرين إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، إن إخواننا الأغنياء يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، عندهم أموال يتصدقون، ونحن ما نتصدق. فحثهم النبي صلى الله عليه وسلم على الذكر بعد الصلوات، وأنه لا يأتي أحد مثلهم إلا رجل فعل مثل ما فعلوا. فلما سمع الأغنياء، أغنياء المسلمين هذا الأمر، فعلوا مثل ما فعل الفقراء، سبحوا الله. فقالوا: أي فقراء المهاجرين، النبي عليه الصلاة والسلام سمع إخواننا ففعلوا مثل ما فعلنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فلهذا فصاحب المال إذا كان حريصا على الخير، فإن أجره عظيم. الصحابة رضي الله عنهم، هذا الصديق والزبير بن عوام وعبد الرحمن بن عوف، وهم المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين، كانت عندهم تجارات، وعندهم أموال، لكنها لم تصرفهم عن الخير، ولم أيضا تلهيهم عن دار الآخرة. فلهذا فليس المقصود ذنب المال، وإنما المقصود هو ما يلهي في هذه الحياة. المقصود ما يلهي في هذه الحياة. ولهذا قد يكون هذا الملهي امرأة، قد يكون هذا الملهي حيوان، مثلا مثل الخيل والمركوبات، قد يكون هذا الملهي سيارة. فقال الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾. حتى الأنعام قد يلتهي الإنسان بها، والحرث أيضا الماشية. لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم المجل الذي يحش به في المزارع، قال: «ما دخل هذا على قوم إلا دلوا». يريد أن هذا مما يصرف، أو مما يصرف الرجل عن طاعة الله جل وعلا. ولهذا جاء كما ذكرنا في الحديث الذي ذكرناه بالأمس: «إذا ظن الناس بالدرهم والدينار، وتبايعوا بالعينة، وأخذوا أذناب البقر، وأخذوا بالزرع»، يعني أنهم همكوا في الزراعة، وتركوا الجهاد في سبيل الله. سلط الله عز وجل عليهم ذلا لا ينزعهم حتى يراجعوا دينهم. لا ينزعهم حتى يراجعوا دينهم. فالمراد أنهم ينهمكون في الأعمال، ويتركون ما أوجب الله عز وجل عليهم. فهذه هي الدنيا أن الإنسان يتلحى بشيء من أغراضها وأعراضها، فيترك، حتى لو كان كما قلنا ولدا. معنى إنسان ينشغل بأولاده عن طاعة الله جل وعلا. لهذا كما قلنا جاء في الآيات التحذير من الأموال والأولاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. عدوا لكم، هل هم أعداء معنى يعادونك؟ لا، وإنما يلهونك عما أوجب الله عز وجل عليك. هم أعداء، ليس أعداء أنهم يريدون عداوتك، أو يحاربونك، أو كذا، لا، وإنما يصرفونك عن طاعة الله، يصرفونك عما أوجب الله عز وجل عليك، يصرفونك عما ينفعك. وهذه العداوة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. فهذا كما قلنا المراد بهذه الدنيا التي هي متاع زائل. وكما قلنا أنه من استغل بشيء منها، ومن أمورها، وترك ما أوجب الله عز وجل عليه، فقد أخذ بهذه الدنيا اللاهية، وتمتع بها، ونسى ما كان في الآخرة، وما كان أعده الله عز وجل في تلك الدار. ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، ونختم بهذا الحديث، حديث زيد بن ثابت، وجاء أيضا عن غيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». ومن كانت الدنيا همه، «فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، وجعل غناه وجعل فقره بين عينيه، حتى ما أعطي من الدنيا، لكن الفقر لا زال بين عينيه، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له». ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له. وهذا الباب باب طويل، لكن إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.