الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي رحمه الله تعالى آية آل عمران 199، ويوضح أن الإيمان النافع لأهل الكتاب هو الإيمان بالله وبما أنزل إليهم وبما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. يشير إلى أن الآية نزلت في طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالله وبكتابهم وبنبيهم.
يتناول المقطع إيمان بعض أهل الكتاب وجزاءهم، حيث يُشرح أن من آمن بنبيه وآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم يُؤتى أجره مرتين. بينما كفر الله عز وجل من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوضح أن بعض أهل الكتاب كانوا يكتمون إيمانهم خوفًا من قومهم.
يصف الله عز وجل المؤمنين من أهل الكتاب بثلاث صفات عظيمة: الإيمان برسول الله، الخشوع لله، وعدم شراء آيات الله بثمن قليل. هؤلاء لهم أجرهم عند ربهم والله سريع الحساب.
من أظهر الإسلام يعتبر مسلماً مؤمناً، ولا يوصف بأنه من أهل الكتاب. الآية تشير إلى أن إظهار الإسلام يغير التصنيف الديني للشخص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يقول رحمه الله: أي وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير، يؤمنون بالله ويؤمنون بما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وهذا هو الإيمان النافع، لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب ويكفر ببعض. فهذا الإيمان الذي أراده الله عز وجل من أهل الكتاب: أنهم يؤمنون به جل وعلا، ويؤمنون بأنبيائهم وما أنزل عليهم، وكذلك يؤمنون بما أنزل على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وهذا الذي هم أنكروه، وهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فهم مؤمنون بالله، وكذلك مؤمنون بما أنزل إليهم، لكن منهم من حرف في كتابه، ومنهم من بقي لكنه لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكر رسالته. كما حصل من اليهود لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فإنهم أنكروا، فقد جاء في الحديث الصحيح عند أحمد وغيره: لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، قال عبد الله بن سلام: «فجئت فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام، فرأيت وجهًا ليس بوجه كاذب ولا كذاب»، قال: «ثم جئت إليه وسألته»، وهذا أيضًا في صحيح مسلم: «أن عبد الله بن سلام جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله عدة أسئلة في الولد ومن أين يأتي»، وعلى أن هذه المعلومات لا يعلمها -كما قال عبد الله بن سلام- إلا نبي أو رجل أو رجلان. وكان عبد الله بن سلام من أحبار يهود، من علمائهم، فآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «اجمع اليهود وسلهم عني»، فلما جمعهم، فقال: «ماذا تقولون في عبد الله بن سلام؟» قالوا: «خيرنا وابن خيرنا». قال: «فإنه أسلم». قالوا: «نعوذ بالله من ذلك». فخرج عليهم عبد الله بن سلام وتشهد بالشهادتين، فقالوا: «شرنا وابن شرنا». فاليهود -كما قال عبد الله بن سلام- «قوم بهد يفترون وينكرون في وقتهم». وهذه الصفة كانت دائمة وملازمة لهم، إلا يؤمن هذا، فلهذا لم يؤمنوا، بل أنكروا نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنه -كما وصفهم الله عز وجل- يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام كما يعرف أحدهم ابنه، من كثرة وصف الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم، إلا أنهم أنكروا ذلك. ولهذا علق الله عز وجل إيمانهم بإيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجد في القرآن أن الله عز وجل خاطبهم بأهل الكتاب في آيات كثيرة، وخاصة في سورة آل عمران؛ لأن هذه السورة أكثرها ردًا على النصارى وكذلك على اليهود، أن آيات كثيرة في آل عمران يرد فيها ربنا جل وعلا على شبه اليهود والنصارى. وقيل: إنها رد على نصارى نجران لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في السنة التاسعة. فالمهم أن هذه السورة وصفهم الله عز وجل بأهل الكتاب، وهنا في هذه الآية قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ فمن العلماء من قال: إن المراد من هذه الآية من أسلم منهم، آمن بكتابه وما أنزل إليهم وأسلم أيضًا بعد ذلك، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وغيرهم ممن أسلم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أو من بعده. وهذا قاله طائفة من المفسرين، وجاء عن أكثر السلف، جاء عن جابر وعن ابن عباس، بل جاء موصولًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. إلا أن أكثرهم رووه عن ثابت عن الحسن البصري: «أن هذه الآية نزلت في أصحمة النجاشي ومن كان مثله». أصحمة النجاشي كان مؤمنًا بالله، لكنه كان في قوم النصارى، فأخفى دينه وأخفى إيمانه. فهذه الآية قال أكثر السلف: إنها نزلت في النجاشي ومن كان مثله. وهذا الذي رجحه أكثر المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم، وابن كثير وغيرهم من محقق أهل العلم؛ لأن الله عز وجل هنا وصفهم بأهل الكتاب. وأما من أسلم منهم وأظهر إسلامه، فلم يأت في القرآن أن سماه الله عز وجل أنه من أهل الكتاب. وإنما يسمي الله عز وجل أهل الكتاب من كان من لم يؤمن، أو أنه آمن لكنه لم يقم بشرائع الإسلام الظاهرة. فلهذا سماهم أهل الكتاب. وهنا قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ وقال أيضًا: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. وقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يؤمنون بالله ورسوله. فهؤلاء من أهل الكتاب، لكنهم لم يظهروا إيمانهم أمام قومهم، كما قلنا مثل النجاشي. فالنجاشي أسلم وآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو أيضًا مؤمن بما أنزل الله عز وجل على نبيهم عيسى، فلهذا طبقت عليه هذه الآية، وسماهم الله عز وجل أهل الكتاب. ولهذا جاء في الحديث في الصحيحين حديث أبي هريرة: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ثلاث يؤتون أجرهم مرتين»، وذكر منهم: «رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، آمن بنبيه وكان مؤمنًا مطبقًا لشريعته، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام». وأما من كان من أهل الكتاب مؤمنًا بما كان عليه نبيه، ثم لم يؤمن بنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء كفرهم الله عز وجل في القرآن: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقال أيضًا جل وعلا في أهل الكتاب في اليهود والنصارى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أو قال: «الفاسقين». وهنا الفسق المراد به: فسق الخروج، وهو الكفر. فهذه الآيات التي جاءت في القرآن كفر الله عز وجل من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وإنما ذكر إيمان من آمن بما هم عليه من مما جاءهم به من أنبيائهم، ثم آمن برسول الله. ولهذا قال هنا: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ فلهذا هذه الآية نزلت في النجاشي ومن كان مثله ممن يخفي إسلامه، مثل امرأة فرعون، كما ذكر الله عز وجل نسبها إلى فرعون، لكنها مؤمنة. وكذلك مؤمن آل فرعون، نسبه إلى قوم فرعون، وقال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فكان من آل فرعون، أي من قبيلتهم ومن جنسهم، لكنه كان يكتم إيمانه. وتجد أيضًا كثيرًا من هؤلاء -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- وهو الواقع أيضًا من يؤمن بدين الإسلام، لكنه لا يستطيع أن يظهر؛ لأن قومه قد يقتلونه، من اليهود أو من النصارى أو من غيرهم من المشركين، فلهذا ما يستطيع أن يظهر دينه أمامه، لكن يحاول أن يؤدي مثلًا الصلاة وغيرها بالخفية. فهذا عذرهم الله عز وجل، وجعلهم ممن يؤتى أجرهم مرتين. وكما قال في هذه الآية: ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ لأنهم لا يعلموا؛ لأنهم آمنوا، لكن خافوا على دينهم. حتى النجاشي مع أنه ملك الحبشة، إلا أنه خاف على نفسه أنه يؤمن، فيقوم هؤلاء ويقتلوه -أي النصارى- فلهذا لم يكن أحد يعلم بإسلامه. ولما مات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ملكًا أو أن أخًا لكم قد مات بالحبشة، فقوموا فصلوا عليه». فجاء في حديث أنس في المسند: «أن بعض المنافقين قالوا: كيف يصلي على علج مات؟!» فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وقال الله عز وجل أيضًا في مثل هذا النوع: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمَعِ﴾ وهذه أيضًا نزلت في النجاشي رضي الله عنه. فقال المؤلف رحمه الله: وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ومن تمام خشيتهم لله: أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنًا قليلا. الله عز وجل في هذه الآية ذكر أهم الصفات التي اتصف بها هؤلاء، ولم يتصاف بها اليهود ولا النصارى، مع أنهم أخلوا بها أعظم الأشياء التي أخلوا بها. أولًا: عدم الإيمان بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا عدم خوفهم من الله، عدم خوفهم وخشوعهم من الله. والأمر الثالث: أنهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا. والمراد: يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، أن يحرفون الكتاب ويبدلون الأحكام؛ لأجل أن يأخذوا أموالًا من الناس. يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فهم يأكلون أموال الناس بالباطل؛ لأجل أكلهم السحت، ولأجل أيضًا تغييرهم لدين الله. فمن جاء إليهم يريد حكمًا أعطوه ما أرداو أعطوه ما أراد؛ حتى يحصلوا على شيء من الدراهم. ولهذا ذكر الله عز وجل هذه الصفة الخبيثة في أهل الكتاب: أنهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، أي: أنهم يبدلون الأحكام ويقولون: هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. فهذه كانت أكثر الصفة في اليهود؛ لأنهم يدعون العلم، فلهذا فهم يأخذون أموال الناس وأموال من كان على دينهم؛ حتى يسهلوا لهم في الأمر، حتى يسهلوا لهم في هذا الأمر. فلهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله عليه: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى». فلهذا العلماء أو من العالم الذي يكون من المسلمين يتبع الدنيا ويأكل أموال الناس بالباطل، فهو شبه باليهود. شبه باليهود معنى: استعمل علمه واستعمل دينه في أكل أموال الناس بالباطل وأخذ الأموال بالباطل. فهذا شبه اليهود الذين وصفهم الله عز وجل بهذه الأوصاف. فلهذا نزه الله عز وجل هؤلاء فقال: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فلهذا -كما قلنا- وصفهم بهذه الأوصاف العظيمة، وهي ثلاث أوصاف، هذه لم توجد في اليهود والنصارى، أو أكثر ما ذمهم الله عز وجل في القرآن بسببها. أولًا الصفة الأولى: أنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وصفة ثانية: أنهم ليسوا أهل دين، ليسوا أهل دين، معنى: ما يخافون الله ولا يخشعون لله عز وجل. والخشوع هنا: خشوع القلب وخشوع الجوارح، أي: أن خشوع القلب: أن يخاف القلب ويخضع لله جل وعلا. وخشوع الجوارح المراد به: أن تعمل هذه الجوارح بما أنزل الله عز وجل. والمراد بالخشوع أيضًا: الخوف، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فلهذا عندهم خوف وخشية، وأيضًا كذلك خشوع وخضوع لله جل وعلا. فقال: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ هذه الصفة الثانية. والصفة الثالثة: أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا. فهذه الصفات لا توجد في أهل الكتاب، لكن من وجدت فيه فهو يدخل في أهل الإيمان، من وجدت فيه فهو داخل في أهل الإيمان ولو لم يظهر دينه، ولو لم يظهر دينه، لكنه آمن بهذه الأشياء الثلاثة، أو عمل بها: آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأيضًا كذلك خشع لله وخضع لله عز وجل بما أنزل الله عز وجل على نبيهم وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا لا يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا، بل يعظم كتاب الله ويعظم أيضًا ما أنزل الله عز وجل من الحلال والحرام. فهؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بهذه الصفة. وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ومن تمام خشيتهم لله: أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا. قال: وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران الرضا بالدون عن الدين، من رضوا بهذه الدنيا يأخذون أموالًا من الناس ويضيعون دينهم، فرضوا بهذا الدون عن الدين. قال: والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية، وترك الحق الذي هو أكبر حظ وفوز، ومن الدنيا والآخرة فآثروا الحق وبينوه ودعوا إليه، فأثابهم الله على ذلك؛ لأن وعدهم الأجر الجزيل والثواب الجميل، وأخبرهم بقربه وأنه سريع الحساب، فلا يستبطئ ما وعدهم الله؛ لأن ما هو آت محقق حصوله، فهو قريب. فوعدهم الله عز وجل بهذا الأجر العظيم: ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ونتكفل الله عز وجل بأجرهم. وكما قلنا: جاء في الحديث: «أنه يؤتون أجرهم مرتين». قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: أنه يجازي المحسن بإحسانه، ويجازي بإساءته، وهو ربنا جل وعلا سريع الحساب، أي: أن الحساب محقق. وما دام أن الأمر قريب فهو قريب، كما قال الله عز وجل في وصف الساعة: ﴿سَاعَةُ الْقِيَامَةِ أَدْنَىٰ﴾ ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وسيحاسبكم الله عز وجل، فمن كان محسنا فهو في خير، ومن كان مسيئًا فلا يلومن إلا نفسه. فخلاصة ما يذكر في هذه الآية: أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يخفون إيمانهم بالله جل وعلا، وبما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم. وكان بعضهم في المدينة أيضًا، كذلك كان بعضهم في المدينة من اليهود، لا يستطيع أن يظهر إيمانه؛ حتى لا يقتله قومه، لكن بعد ذلك لما أظهر الله عز وجل الدين، دخل كثير من اليهود في دين الله جل وعلا. وكذلك جاء نصارى نجران إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأسلموا. فخلاص ما يذكر -كما قلنا- أن الله عز وجل أثنى عليهم بهذه الصفات الثلاث العظيمة، وسماهم أهل الكتاب؛ لأنهم لم يظهروا دين الإسلام. وأما من أظهر دين الإسلام فهو مسلم مؤمن، ولم يصفه الله عز وجل بأنه من أهل الكتاب. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.