الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التفكر في خلق الله وآياته يقود إلى الإيمان وتعظيم الله، بينما يحذر من إثبات نظريات الكفار بالآيات. التفكر الحقيقي يميز بين المؤمن والكافر في التعامل مع آيات الله.
التفكر في خلق الله يقود المؤمن إلى عبادته وذكره ودعائه، والله يستجيب لدعاء المؤمنين. المؤمن يجتهد في الذكر والدعاء ولا ينبغي له التخلي عن ذلك.
يجب على المسلم المحافظة على أعماله الصالحة وعدم تضييعها، والاستمرار في الطاعة وتقوى الله هو سبيل الفلاح. الله لا يضيع أعمال عباده الصالحة.
يختتم التفسير بالدعاء إلى الله أن ينفع بما سمع ويغفر الذنوب، ويشكر الله على نعمه. يطلب الرحمة والمغفرة والمنفعة من العلم من الله عز وجل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا فيما سبق أننا قد ختمنا تفسير الآيات العشر، لكن في هذا المقام نذكر بعض الفوائد المرتبطة بهذه الآيات، وارتباط بعضها ببعض. فهذه الآيات، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عائشة، لمن قرأها ولم يتدبرها. فهذه الآيات العظيمة بدأت بالتفكر في خلق الله، وفي هذه المخلوقات العظيمة التي خلقها الله عز وجل لأجل التفكر. فربنا جل وعلا بين أن هذه المخلوقات العظيمة التي خلقها ينبغي للمؤمن أن يتفكر فيها. وبين ربنا جل وعلا في القرآن أن هناك فرقًا بين المؤمن وبين الكافر، فالكافر لا ينتفع بهذه الآيات ولا يتفكر فيها لأجل عظمة الله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل عن الكفار: «وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون». وقال الله عز وجل: «قل انظروا ماذا في السماوات وما في الأرض»، «وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون». هذه الآيات ما تغنيهم، هذه الآيات العظيمة التي جعلها الله عز وجل لأجل أن الإنسان يرجع إليه سبحانه وتعالى ويعظمه ويوحده، فهم لا يستفيدون منها. ولهذا فإن المؤمن تنفعه هذه الآيات والتفكر فيها. قال الله عز وجل: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب». وانظر إلى أولئك الذين يبحثون في الفلك والفضاء وغيرها من هذه الأمور، فتجد أن الكفار يأتون بعبارات تحدي، كأنهم فعلوا شيئًا خارقًا. فتجد مثلًا يقولون: «غزو الفضاء»، «غزو الفضاء»، «وحرب النجوم» وغيرها من هذه الأمور. ويأتون أيضًا أنهم طلعوا القمر أو ذهبوا إلى المريخ أو ذهبوا إلى كذا وكذا. فهذه الأشياء ليس المراد بآيات الله عز وجل أنهم يطلعون إلى مكان كذا وإلى كذا، وإنما المراد به التفكر. فلهذا تجد أن من كان من أهل الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان، أو حتى من أهل الكفر، لكن لما دخل العظم في قلبه يقوده ذلك إلى الإيمان. فلهذا ليس كما قال بعض العلماء، الشيخ المعتمين وغيره، ليس في الآيات ما يدل على ما يذكرونه من طلوع القمر أو من نزوله أو من غيره. فليس هناك ما يدل على المنع، ولا ما يدل على الجواز، أو أنه قد يفعل. سمعنا في قراءة صلاة الفجر قول الله عز وجل: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾. فربنا جل وعلا هنا يبين أنه ما يستطيعون أن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض. فهذا البيان من الله عز وجل يبين أنه ما يستطيعون يخترقون السماوات أبدًا. ما يستطيعون يخترقون السماوات. لكن هل يدخل في هذا القمر؟ هل يدخل في هذا مثلًا السحب؟ هل يدخل في هذا الفضاء؟ فهذا لم يذكره الله عز وجل لم يذكره الله عز وجل في الآيات، وإنما ذكر أقطار السماوات. فهذا الذي قال لا يستطيعون أن ينفذوا في هذا أو في قطر السماوات. ودخول السماوات ما يستطيعون. والسماء مبنية، كما ذكر الله عز وجل: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾. وقال الله عز وجل: ﴿والسماء ذات الحبك﴾، معنى محبوكة، خلقها الله عز وجل ليس فيها شيء من الانفطار أو التشقق، بل محبوكة جدًا. لا يستطيع أحد أن يخترقها، حتى الذي يدخل يدخل باستئذان، فيفتح له. فلهذا فهذه الآيات وما جاء في كتاب الله جل وعلا ليس فيه ما يدل على أنهم أو يمنع من دخولهم أو من صعودهم القمر، ولا أيضًا كذلك ما يدل على ما أن هذا ممكن أو أنه موجود في الآيات كما يدعيه بعض من يرى لعجاز العلم. وأيضًا أمر آخر، أن التفكر في آيات الله جل وعلا ليس المراد أن الإنسان يظهر أن الله عز وجل خالق ويذهب ويأتي بالنظريات التي عند الكفار ويقول هذه موجودة في القرآن، ويفسر الآيات على غير تفسيرها. فإن تجد كثيرًا من من إنهمك في هذا الباب العجاز العلمي كما يسمونه، وعجاز القرآن. وإن كان هناك بعض الأشياء صحيحة، لكن كثيرًا منها ليس صحيح، متكلف، متكلف. فإذا سمعوا بنظرية، نظريات الكفار، قالوا هذا موجود في القرآن. بل حتى حدهم قال في الذبذب هذه التي في الأبواب، قال هذا موجود في القرآن. حتى إذا ما جاءوها فتحت أبوابها، أي النار، يعني النار فيها ذبذبات. وأيضًا كذلك بعضهم قال في مسألة جريان هذه الأرض وأنها تجري وتدور حول الشمس وأن الشمس ثابتة، فاستدل بقول الله عز وجل: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾. قال هذا يدل على الدوران. فانظر إلى هذا الجهل. فهم يريدون أن يواكبوا الكفار، وأن معنى يعرضوا القرآن على أنه موجود فيه هذه الأشياء التي لم يذكرها الله عز وجل، وأعرض عنها لأنها لا فائدة فيها. لكن هؤلاء يريدون أن يكون موجود فيها. هذه الآية إنما جاءت في يوم القيامة، كما ذكر ابن عباس وغيره. هذه الجبال التي تجري وتمر كمر السحاب إنما يوم القيامة، عندما تدق هذه الجبال وتأتي الريح وتسفها. فلهذا فالمؤمن يعتبر بهذا التفكر، يعتبر بهذا التفكر، ويعظم الله عز وجل ويوحده. وأيضًا كذلك يقوده ذلك التفكر إلى أمر عظيم، وهو عبادة الله جل وعلا. قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فاعبدوا ربكم لأنه خلقكم سبحانه وتعالى، وخلق لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه. فلهذا فالمسلم يتفكر في آيات الله جل وعلا، فيقوده ذلك إلى عبادة الله. ولهذا في الآيات بعد التفكر، قال: «الذين يذكرون الله»، بعد التفكر يقولون: «سبحانك ما خلقت هذا باطلًا»، أو يقول: «ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار». ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار﴾. قادهم هذا التفكر إلى عبادة الله جل وعلا، إلى ذكر الله سبحانه وتعالى. فذكر ربنا جل وعلا أعظم عبادة، وهي الذكر. فصارت ألسنتهم تلهج بذكر الله جل وعلا. وكذلك أيضًا انتفعوا بنفع عظيم، أنهم سألوا الله عز وجل ودعوه أن يجنبهم النار، وهي عذابه سبحانه وتعالى. فلماذا ذكروا فقط أن يقيهم الله عز وجل عذاب النار؟ لماذا لم يسألوا الجنة؟ فالمفهوم معروف أن من وقاه الله عز وجل النار فهو لا شك يدخل الجنة. فمن زحزح عن النار ودخل الجنة فقد فاز. لكن أيضًا المؤمن أيضًا كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام يطلب الأعلى، يطلب الأعلى، ليس أنه يطلب الأدنى. لكن هنا قال بعض العلماء أنهم اكتفوا بأن الله عز وجل ينجيهم من النار، فهذا أول الفوز وأول النجاح. فهم أرادوا فقط النجاح من عذاب الله جل وعلا، لما رأوا من عظمته سبحانه وتعالى، وقادهم ذلك إلى عبادته جل وعلا. فالمؤمن أول ما يعبد الله عز وجل، أو عبادته لله عز وجل تكون نيته أن يقيه الله عز وجل عذابه، ويعطيه ثوابه. أن يرجو أيضًا الثواب من عند الله، كما سيأتي في الآيات الأخرى. فلهذا يحرص المؤمن في نيته على أن هذه العبادات تكون معنى يفعلها المؤمن خوفًا من عذاب الله جل وعلا، ورجاءً وطمعًا في ثوابه، ومحبة لله سبحانه وتعالى. فلهذا ما تصلح العبادة حتى يقترنها الخوف والرجاء والمحبة، الدل والطمع والمحبة والتعظيم، هذه العبادة الحقيقية. فلهذا غلط بعض غلات الصوفية وغيرهم يقولون أننا لا نعبد الله طمعًا في جنته، ولا خوفًا من ناره، وإنما نعبد الله خبًا فيه، هذا كلام غير صحيح وباطل، وأيضًا مخالف لما ذكره الله عز وجل عن أهل الصلاح من عباده، كما في هذه الآية، وفي قوله جل وعلا: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾. فكذلك أيضًا قادهم هذا إلى ما هو أعظم من هذا، وهو الطمع في بقاء أعمالهم، وثواب الأعمال التي عملوها. فأولًا قالوا: «فقنا عذاب النار»، «إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار». «ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا»، «ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار»، حتى تقينا من عذاب الله، من عذابك يا رب. «فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا»، فدعوا الله عز وجل بعد أن دعوه أنه يبعدهم عن النار، دعوا أنهم يأتون يوم القيامة وليس عليهم ذنوب، وليس عليهم ذنوب وذنوبهم قد غفرت. وهذا يدل على أن العبد يجتهد في الذكر والدعاء، يجتهد في الذكر والدعاء، لا ينبغي له أن يتخلى عن ذلك. فالدعاء يكون ملازمًا للعبد المؤمن. فلهذا جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي، وإن كان فيه ضعف، لكن معناه صحيح، أن الله يحب الملحين في الدعاء، يحب الملحين في الدعاء. وكان في الصحيحين: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعا دعا ثلاثًا». فالعبد يلح في دعائه، ويكثر لهذا. لما جاء في حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والنسائي وأبي داود، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة إلا كان له إحدى ثلاث: إما أن يعجل الله له في الإجابة، وإما أن يدخرها له يوم القيامة، وإما أن يصرف عنه من البلاء ما كان مثله». فقالوا: «يا رسول الله إذا نكثر؟ إذا نكثر؟» أي نكثر في الدعاء. فقال: «الله أكثر»، «أنا الله عطاؤه أكثر»، حتى لو أكثرتم في الدعاء، فالله عز وجل عطاؤه أكثر. ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون الله عز وجل حتى شُغلنا عليهم. بل جاء في حديث عائشة: «حتى الملِح»، معنى قلوبهم مرتبطة بالله. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿يدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾، أي أنهم دائمًا في دعائهم لله، وارتباطهم بالله. فلهذا إذا جمع العبد إذا جمع العبد هذه العبادات العظيمة، وهي التفكر، والعبادة بالذكر والصلاة، وكذلك أمر ثالث، وهو الدعاء، لا شك أن الله عز وجل يستجيب له. لا شك أن الله عز وجل يستجيب لدعائه. فاستجاب لهم ربهم: ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾، لا فرق بين الذكر والأنثى. فعملك أيها العبد لا يضيع عند الله جل وعلا، بل ربنا جل وعلا يعطيك أفضل من هذا، يعطيك ثوابه، «وثواب الجنة»، «والله عنده حسن الثواب»، أو قال: «ثواب من عند الله»، «والله عنده حسن الثواب». وأيضًا بعد ذلك ذكر ربنا جل وعلا أن المسلم في هذه الحياة لا ينبغي له أن تذهب عينه إلى الكفار الذين أعرضوا عن آيات الله، وعرضوا عن ذكر الله، وعن كتاب الله. لا يغره ما كان معهم من الأموال وغيره. لأن المسلم إذا عبد الله هناك عوارض تعترضه، ومن أعظم العوارض الدنيا. ومن أعرض العوارض الدنيا التي تشغله عن طاعة الله جل وعلا. فلهذا ربنا جل وعلا ذكر في هذه الآيات بعد ما بين أنه لا يضيع عمل عامل من أهل الإيمان، بل يعطيهم أجورهم، وأيضًا كذلك يثيبهم أكثر مما عمل. لكن نبههم الله عز وجل أنهم لا يغتروا بهذه الحياة، لا يغتروا بالدنيا، ولا يغتروا بما عند الكفار منها. لأنها زائلة. قال الله عز وجل: ﴿ولا تلهكم الحياة الدنيا﴾، «أنك تقلب الذين كفروا في البلاد»، «متاع قليل»، «ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد». ثم رجع ربنا جل وعلا يذكر أهل الإيمان أن ثوابهم عظيم عند الله، كيف ينظرون إلى الدنيا؟ والله عز وجل سيعطيهم ما هو أعظم وأعظم وأعظم. فقال: «لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار نزلا من عند الله»، «والله وما عند الله خير للأبرار»، «وما عند الله خير للأبرار». فربنا جل وعلا عنده خير عظيم، يعطيه الله عز وجل لمن ثابر وداوم على طاعته، لا يضيع أعماله، بل كلها محسوبة. حتى الشيء الصغير. قال الله عز وجل: ﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾، لا شيء يضيع عند الله عز وجل من أعماله، فهي محفوظة عند الله سبحانه وتعالى. لكن لا ينبغي المسلم أن يجعل ما يصرفه عن هذه الأعمال، أو يضيع ويحبط هذه الأعمال عليه، فيأتي يوم القيامة مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرًا﴾، «وما لم يكونوا يحتسبون»، ما لم يكونوا يحتسبون، كانوا يحتسبون أن عندهم أعمال، لكن أضاعوها، أضاعوا هذه الأعمال. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿يحب أحدكم أن تكون له شجرة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات﴾، عنده من كل الثمرات، في هذه المزرعة، وهذا البستان، له فيها من كل الثمرات. وأصابه الكبر، أصابه الكبر، كبر سنًا، وله ذرية ضعفاء. فأصابها عاصف فيه نار فاحترقت. معنا عنده بستان، وفيه من أنواع الثمار، من أنواع الأعمال الصالحة. معنا هذا مثال ذكره الله عز وجل في العمل الصالح الذي يذهب، صاحبه الذي يذهب. فهذا كما جاء عن عمر رضي الله عنه، و ابن عباس في تفسير هذه الآية، كما في البخاري. فربنا جل وعلا ذكر مثلًا مثل الرجل الذي يكون عنده مزرعة، يعمل فيها سنوات كثيرة، حتى يكبر سنًا، وهو يعمل في هذا، وتكون هذه المزرعة فيها من الثمار أنواع الثمار. لكن بعد ذلك يصيبه الكبر، ويجد على ذلك أنها تأتي ريح عاصف، فيه نار، تحرق هذه المزرعة كلها. كيف يستطيع أن يقيم هذه المزرعة بعد أن احترقت؟ أولًا كبر سنًا، وليس معه من يقوم بدله، وله ذرية ضعفاء، ما عنده ذرية تقوم بدله بهذه المزرعة. فلا شك أنه إذا كان كذلك ما يستطيع أن يعيد هذه المزرعة. فلهذا هذا مثال ضربه الله عز وجل في الرجل الذي يعمل الصالحات، ثم يأتيه الشيطان، كما قال عمر رضي الله عنه. فيأتيه الشيطان فيعرضه عنها، ويحبط الله عز وجل أعمالًا. يأتيه الشيطان فيريه فيزين له الدنيا، فيعرض عن هذه الأعمال. وإلا هذه الأعمال لا تضيع، لكن إذا ضيعها العبد نفسه بما يكون من محبطات الأعمال، كالردة، وكذلك بعض المعاصي العظيمة الكبائر تحبط ما يكون مثلها. مثل ما جاء مثلًا في حديث أبي هريرة، وابن عمر، وبريدة، وغيرهم من الصحابة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ترك صلاة العصر متعمدًا حتى خرج وقتها فقد حبط عمله». فلهذا يحرص المسلم على أعماله، لا يضيعها، لا يضيعها بهذه المحبطات التي تحبط الأعمال. فلهذا قال الله عز وجل: «نزلًا من عند الله»، «وما عند الله خير للأبرار». ثم ذكر ربنا جل وعلا أن هناك من أهل الكتاب إن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله، وما أنزل إليهم، وما أنزل إليكم، خاشعين لله، لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا. يريد ربنا جل وعلا أن يبين أنه أيضًا حتى من أهل الكتاب أيضًا أناس من أهل الإيمان، من من تقدمكم، بقوا على إيمانهم. ولما جاء النبي عليه الصلاة والسلام تابعوه، فبقوا على إيمانهم برسلهم. إذا كان من اليهود كان آمنوا بموسى، وإذا كان من النصارى آمنوا بعيسى، ثم لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام آمنوا به. ﴿يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل إليكم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا﴾، أولئك لهم، معنى جعل الله عز وجل لهم الثواب العظيم، وأن الله عز وجل يجازيهم على هذه الأعمال الصالحة التي عملوها. فبعد هذه الجولة التي ذكرها ربنا جل وعلا من العبادات العظيمة، والدعاء، والاستجابة، وعدم تضييع العبد أعماله الصالحة. إذا كان الله عز وجل لا يضيع عنده العمل، لكن قد يضيعها نفسه العبد بالذنوب والمعاصي، أو بالكبائر، أو بما هو أعظم من هذا، كالردة، وغيره. فلكن عمله محفوظ. وينبغي أيضًا أن يتفكر فيمن كان قبله من أهل الإيمان، ممن استمر في الإيمان. ثم آخر ما ختم الله عز وجل به هذه الآيات التي ينبغي المسلم أنه إن أراد ما تقدم من استجابة الله عز وجل لدعائه، وكذلك أيضًا حفظ الأعمال، وعدم ضياعها، فإنه يتق الله عز وجل، ويصبر، ويصابر، ويرابط، أي يستمر في الطاعة، وفي الصبر على الطاعة، ويتق الله. فإنه إذا استمر على ذلك كان من أهل الفلاح. قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾، «لعلكم تفلحون»، أي أنتم من المفلحين. لأن أفعال الترجي «لعل» في القرآن والسنة المراد بها الجزم، المراد بها الجزم. «لعلكم تفلحون»، أي أنتم مفلحون إذا فعلتم هذه الأشياء. فإذا صبرتم على طاعة الله عز وجل، وداومتم عليها، وعلى هذه الأعمال الصالحة، فأنتم أهل الفلاح الذين اختارهم الله عز وجل. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، وخلاصة ترابط هذه الآيات بعضها ببعض، وأيضًا النتيجة في هذا الأمر. فهي كما ذكرنا أن الله عز وجل أراد من العبد أن يحافظ إن عمل الصالحات أن يحافظ على هذه الأعمال الصالحة بالاستمرار فيها، وبتقوى الله جل وعلا. فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا. وهذا إن شاء الله تعالى ختام ما يذكر في تفسير هذه الآيات. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا. والحمد لله رب العالمين. شكرًا لكم.