شرح أعلام السنة المنشورة  135

شرح أعلام السنة المنشورة 135

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 135، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قدرة العباد ومشيئتهم على أفعالهم

يُناقش قدرة العباد ومشيئتهم على أفعالهم وتابعيتها لقدرة الله ومشيئته. يُبين أن الله لم يكلف العباد إلا ما يستطيعون.

التمييز بين الفعل والانفعال في أفعال العباد

يشرح أن أفعال العباد مخلوقة لله وأن العبد يقوم بها بإرادة الله. يُوضح الفرق بين الفعل والانفعال في أفعال العباد.

نسبة الأفعال إلى الله والعبد

يشرح الفرق بين الجبرية والقدرية في نسبة الأفعال ويُبين أن الأفعال تنسب إلى الله خلقا وإلى العبد كسبا. يُوضح أن العبد فاعل حقيقة لما يصدر عنه.

فهم مراد المؤلف وتطبيق المسألة

يشرح مراد المؤلف من المسألة ويُبين أن الله هو المتحكم في الحياة والموت والإهتداء. يطلب من الله النفع بما قيل والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف كتابنا -رحمه الله تعالى-: هل للعباد قدرة ومشيئة على أفعالهم المضافة إليهم؟ هذه أيضا من الأمور المهمة التي يعتني العلماء بذكرها في مسائل الإيمان بالقضاء والقدر. وهل للعباد قدرة ومشيئة على أفعالهم المضافة إليهم؟ إذ أن العباد يقومون بأعمال لا عد لها ولا حساب، فهل أعمالهم وأفعالهم هذه لهم فيها قدرة، أم أنهم مجبورون عليها، ملزمون بها؟ سأتي الإجابة من خلال طرح المؤلف -رحمه الله تعالى-. قال: نعم، للعباد قدرة على أعمالهم ولهم مشيئة وإرادة، وأفعالهم تضاف إليهم حقيقة، وبحسبها كلفوا، وعليها يثابون ويعاقبون، ولم يكلفهم الله إلا وسعهم، وهذا واضح. العباد لهم قدرة على أفعالهم ولهم مشيئة في أدائها وفي فعلها، ولهذا يترتب على ذلك ماذا؟ الحساب والعقاب، يحاسبهم الله على أعمالهم خيرا فخير، وشرا فشر، فربنا ما ظلمهم، وإنما هي أعمالهم قد اكتسبوها عندما عملوها، فليس أن الله -سبحانه وتعالى- أجبرهم على فعل أمر ما ثم يعاقبهم عليه، لا، الله ما أجبرهم على هذا، ولهذا ليس من العدل أن الله يجبرهم على فعل ثم يعاقبهم عليه، هذا ليس من عدل ربنا، نزه نفسه عن الظلم، لا تظالموا يا عباد، إني حرمت الظلم على نفسي. وقد قال ربنا -جل في علاه-: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، وهذا من كمال عدله -سبحانه وتعالى-. قال: تضاف إليهم حقيقة، وبحسبها كلفوا، وعليها يثابون ويعاقبون، ولم يكلفهم الله إلا وسعهم. الله ما كلفهم إلا بما يستطيعون عليه. وأذكر أن من الفقهاء من يعترض على كلمة «المكلف»، ما يرتضيها، يقول: لأن وراءها أن هذه العبادات التي أمر بها المسلم فيها تكليف فوق طاقته، أي كلف بها، فبعض الفقهاء ما يرى هذا اللقب، لقب التكليف، أو فلان مكلف، أو الأحكام التكليفية، وينسب هذا إلى ابن القيم، وإن كان استخدم هذه المصطلحات، إلا أن العلماء يستخدمونها، لكن أرادوا من المكلف والبالغ العاقل أكثر، العلماء يستخدمون لفظة التكليف، يطلقون المكلف على البالغ العاقل، هذا مرادهم كمصطلح، وليس المعنى الحرفي لها بأن هذه الأعمال عبارة عن تكليف، فالأصل أن الله ما كلف العباد إلا بما يطيقون، وبما يستطيعون عليه. قال: ولم يكلفهم الله إلا وسعهم، وقد أثبت لهم ذلك في الكتاب والسنة، ووصفهم به، أي وصفهم الله بأعمالهم. وصف الله العباد بأعمالهم، فهناك المؤمن، وهناك المحسن، وهناك الصائم، العابد، هذا أسماء فاعل، أي أن العابد هو الذي اتصف بها، هو الذي اتصف بها، عابد، أي قام بالعبادة، صائم قام بالصوم، مصلي هو الذي صلى، وهو المسيء، وهو التقي، وهو الظالم، وهو الجائر، فهذه الأسماء أوصاف، أوصف الله بها العباد، بمعنى أنها أوصاف قائمة بهم، فهم الذين أدوا، إذن الأعمال توضاف إليهم حقيقة. قال -رحمه الله تعالى-: ووصفهم به، ولكنهم لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، ولا يشاءون إلا أن يشاء الله، ولا يفعلون إلا بجعله إياهم فاعلين، كما تقدم في نصوص المشيئة والإرادة والخلق. فكما لم يوجدوا أنفسهم لم يوجد أفعالهم، هذا قد مر معنا في دروس الماضية، تكلمنا عن مرتبة المشيئة، وعن مرتبة الخلق، وأعلمنا أن الله -عز وجل- نعم، أعطى للعباد مشيئة، لكن مشيئة العباد تبعا لمشيئة الله، «وما تشاءون إلا أن يشاء الله»، تشاءون هنا إثبات المشيئة للعباد، شاء فعل، والفاعل فاعل، فوصف ربنا الفاعل بأنه قد شاء، إذن هذه إثبات المشيئة للعبد، فالعبد يشاء، وما تشاءون، لكن مشيئة العباد تبع لمشيئة الله، وهكذا للعباد قدرة، لكن قدرتهم تابعة لقدرة الله، لهم إرادة، إرادتهم تابعة لإرادة الله -سبحانه وتعالى-، كما قال مؤلفنا: فهم لم يجدوا أنفسهم، كذلك لم يجدوا أفعالهم، إذا كان أصل الإنسان مخلوق، أصله مخلوق، فما تفرع عنه مخلوق، وهي أفعاله. ولهذا قال ربنا: «والله خلقكم وما تعملون»، فربنا خلق الخلق وخلق أعمالهم، وقد مر ذلك معنا في دروسنا، ومرتبة الخلق. قال -رحمه الله تعالى-: فكما لم يجدوا أنفسهم لم يجدوا أفعالهم، فقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأفعالهم تابعة لقدرته ومشيئته وإرادته وفعله، إذن ينبغي إخواني في الله أن نفهم هذه القواعد المتينة التي بها يزول الإشكال، وأن نعلم أن الله أعطى للعباد أعمالا يقومون بها، فلهم إرادة، لهم مشيئة، لهم قدرة، لكن كل ذلك تبع لمشيئة الله وإرادة الله وقدرة الله -سبحانه وتعالى-. قال: فقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأفعالهم تابعة لقدرته ومشيئته وإرادته وفعله، إذ هو خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم وأفعالهم. وليس مشيئتهم وإرادتهم وقدرتهم وأفعالهم هي عين مشيئة الله وإرادته وقدرته وأفعاله، كما ليسوا إياه -تعالى الله عن ذلك-. مر معنا إخواني في الله من باب إعادة المعلومة حتى نفهم هذه المسألة، أن الإنسان بجملته خلقه الله، فالعبد جسمه وروحه وأفعاله هي مخلوقة لله -سبحانه وتعالى-، خلقه الله -سبحانه وتعالى-، خلقه الله -سبحانه وتعالى-. ومن خلق الله أن الله خلق في العبد إرادة وقدرة، وقد مر ذلك، معنى أن العبد ما يمكنه أن يؤدي فعل من الأفعال إلا بأمرين اثنين: قدرة وإرادة، قدرة وإرادة، قدرة متعلقة من حيث القدرة الجسمانية، وإرادة من حيث القلبية، فلابد من إرادة وقدرة تتوفر فيك حتى تؤدي فعل من الأفعال، وهذا لا بد منه. فمن الذي أوجد القدرة فيك؟ الله. من الذي أوجد الإرادة؟ الله. فالإرادة والقدرة من عند الله -جل وعلا-. فأنت ما تؤدي فعل من أفعال إلا من الله -سبحانه وتعالى-، هو الذي أعانك عليه، بأن الله أعطاك إرادة وأعطاك قدرة، فلولا الإرادة لما استطعت أن تفعل فعلا، ولولا القدرة لما فعلت فعلا، فمن هنا إرادة العباد وقدرة العباد هي مخلوق لله -جل وعلا-، وأفعالهم مخلوق لله -سبحانه وتعالى-. وإنما العبد هو الذي باشر، باشر أداء الفعل، وسيأتي هذا معنى، وهذه مسألة مهمة، بها تنفك الإشكالات. قال -رحمه الله تعالى-: وليس مشيئتهم وإرادتهم وقدرتهم وأفعالهم هي عين مشيئة الله وإرادته وقدرته وأفعاله، كما ليسوا إياه -تعالى الله عن ذلك-. بل أفعالهم المخلوقة لله قائمة بهم، لائقة بهم، مضافة إليهم حقيقة. فالله فاعل حقيقة، والعبد منفعل حقيقة. العبد قام بالفعل، بأن الله هو الذي أفعله، فالعبد يفعل الفعل بأن الله أفعله، العبد بأن أعانه العبد على أن يفعل هذا الفعل، فلولا أن الله -جل وعلا- أعانك وهيّأ وأعطاك إرادة وأعطاك قدرة لما فعلت، لما فعلت. فالله فاعل حقيقة، من حيث هذا التصور، بأن الله -جل وعلا- هيّأ لك الأسباب، أعطاك القدرة، أعطاك الإرادة، هيّأ لك الظروف لأن تؤدي هذا الفعل، فالله فاعل حقيقة، لأن لولا هذه الأمور فيك لما فعلت الفعل، لما فعلت الفعل، الصلاة أنت تصلي، فلولا أن الله أعانك للصلاة، أعطاك إرادة، أعطاك قدرة، هيّأ لك الأسباب، هيّأ لك الأمور، لولا أن الله أعانك بمثل هذه الأمور لما فعلت، فالله هو الفاعل حقيقة من هذه الحيثية، والعبد منفعل، أي أن الله -جل وعلا- هو الذي أعانه، أعانه على فعل هذه الأمور. قال -رحمه الله تعالى-: فالله فاعل حقيقة، والعبد منفعل حقيقة، أي أن الله -جل وعلا- هو الذي جعل العبد هو الذي يقوم بنفسه بأداء هذا الفعل. قال: والله هاد حقيقة، والعبد مهتد حقيقة. ولهذا أضاف كل من الفعلين إلى من قام به، فقال تعالى: «من يهدي، فهو المهتد»، تأمل في هذه الآية، أضاف ربنا الفعلين، فعل الهداية إليه، وإلى عبده. فقال المؤلف -رحمه الله تعالى-: فإضافة الهداية إلى الله حقيقة، الهداية من أين؟ من عند الله -جل وعلا-. والله لولا الله ما اهتدينا، فالله الذي هداك، أعانك، أعطاك إرادة لها، أعطاك قدرة لأن تنضم وتنتمي لها، هيّأ لك الظروف لأن تكون من عباد الله المهتدين، فالله الهداية من الله، فهو الفاعل للهداية -سبحانه وتعالى-. لكن من هو المهتدي؟ العبد هو الذي فعل الهداية، أي تلبس بها، تلبس بها حقيقة. قال -رحمه الله تعالى-: فإضافة الهداية إلى الله حقيقة، وإضافة الاهتداء إلى العبد حقيقة. فكما ليس الهادي هو عين المهتدي، فكذلك ليس الهداية هي عين الاهتداء. وكذلك: «يضل الله من يشاء حقيقة»، وذلك العبد يكون ضالا حقيقة. إذن إخواني في الله ينبغي أن نفرق بين الأمرين، بين الخالق والمخلوق، فربنا -سبحانه وتعالى- يعين العبد على فعل الأشياء، والعبد يفعل هذا الشيء بنفسه. مثل ابن القيم -رحمه الله تعالى-، ومن من أثار ونبه على هذه المسألة الدقيقة، ابن القيم -رحمه الله تعالى-، بل عنون لها عنوانا، وفي مقدمة بحثه بيّن أن هذه مسألة مهمة جدا ودقيقة، وأن القدرية والجبرية أفاتهم التأمل في هذه المسألة، وهو التفريق ما يكون في حق الله، وما يكون في حق العبد. فالعبد فاعل حقيقة، والعبد منفعل بفعل الله إياه، فربنا الفاعل لأنه هيّأ وخلق فيك الإرادة، وخلق فيك القدرة، وهيّأ لك الأمور، فهو الفاعل حقيقة، والعبد كذلك فعل حقيقة، لأنه المتلبس المتلبس بهذا الفعل الذي فعله. مثل ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأمثلة منها مسألة النطق، النطق والإنطاق، من الذي أنطق البشرية؟ من الذي أنطقك يا عبد الله؟ الذي أنطقك هو الله -سبحانه وتعالى-. والذي أنطق الخلق جميعا، «قالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله أنطقنا الله»، كيف أنطقنا الله؟ أي أعطانا القدرة، أعطانا الإرادة، هيّأ لنا الأمور في مسألة النطق، فلولا الله ما نطق منا أحد. قالوا: «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء». ومن الذي قام بالنطق؟ العبد، العبد هو الذي قام بعملية النطق، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون تنطقون، فالفعل نسب إلى فاعله لأنه القائم به، فالعبد هو الذي نطق، فربنا هو الذي أنطق، والعبد هو الذي نطق، وهكذا في قضية الإضحاك والإبكاء، «وهو الذي أضحك وأبكى»، من الذي أضحك؟ هو الله -جل وعلا-. ومن الذي أبكى؟ هو الله -سبحانه وتعالى-. ومن هو الضاحك الباكي؟ أنت وأنا، أنت وأنا. «فليبحكوا قليلا وليبكوا كثيرا»، فربنا هو الذي أضحك وأبكى، بمعنى أن الله هو الذي خلق فينا إرادة الضحك، إرادة البكاء، وقدرنا على هذين الفعلين، وهيّأ لنا الأسباب في هذه العملية، فوالله هو الفاعل الحقيقة، لكن من الذي نطق؟ من الذي ضحك؟ من الذي بكى؟ نحن، نحن الذي بكينا، نحن الذي أضحكنا، فربنا هو الذي أضحك وأبكى، فلولا أن الله أضحك وأبكى، فوالله ما ضحك منا أحد، ولا بكى منا أحد، فينبغي أن نفرق إخواني في الله بين هذين الأمرين الذي نبه عليه العبد، بين الفعل والانفعال. قال -رحمه الله تعالى-: «وكذلك يضل الله من يشاء حقيقة»، وذلك العبد يكون ضالا حقيقة. وهكذا عبد الله، كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: فالحق أن الله -سبحانه وتعالى- أفعله هذا معنى الانفعال، قال: أفعله، أفعل العبد، والعبد فعل، أي أن الله أفعلك، أي هيّأ لك الفعل، ومن الذي أقام بالفعل؟ أنت. قال -رحمه الله تعالى-: والحق أن الله -سبحانه وتعالى- أفعل العبد، والعبد فعل، فهو الذي أقام العبد، وأضله، وأماته، والعبد هو الذي قام، وضل، ومات، تأمل في هذه العبارة البديعة، هذا هو الفرق بين الفعل والانفعال، بين الفعل والانفعال، ربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي أفعله العبد، هيّأ لك الأمور والأسباب من الخلق والقدر والإرادة، وأنت الذي قمت بذلك. فربنا هو الذي أمات، ومن الذي مات؟ أنت. ربنا هو الذي أنطق، من الذي نطق؟ أنت. ربنا هو الذي هدى، من الذي اهتدى؟ أنت. قال -رحمه الله تعالى-: وهكذا جميع تصرف الله في عباده، فمن أضاف الفعل والانفعال إلى العبد كفر، ومن أضاف إلى الله كفر. وهذا إشارة إلى ما عليه المبتدعة، قوله -رحمه الله تعالى-: فمن أضاف الفعل والانفعال إلى العبد كفر، وأراد بذلك القدرية، وقوله: ومن أضاف إلى الله كفر، وأراد بذلك الجبرية. وجه ذلك ملخص يسير: الجبرية فرقة من الفرق الضالة، نظرت إلى أفعال العباد، نظرت إلى أفعال العباد، فقالت: بأن العبد مجبور على فعله، وأن الأفعال والأعمال إنما تنسب إليه مجازا، تنسب إليه مجازا كما تنسب أعمال وأفعال الجمادات، مثاله: قالوا: نحن إذا قلنا: قرأ فلان، كتب فلان، صام فلان، عندما ننسب الأفعال إلى الخلق، هي في الحقيقة كما ننسب الأفعال إلى الجمادات، تقول: ماج البحر، هاجة الريح، اضطرب الجبل، أثمرت الشجرة. قالوا: هل هذه الجمادات لها إرادة وقدرة؟ ما لها إرادة ولا قدرة، فكيف ننسب هذه الأشياء؟ هل الشجرة تثمر بنفسها؟ لا، ما عندها قدرة، هاجة البحر، البحر ما يهيج، ما عنده، إنما الذي هاجه الله. قالوا: إذن عندما نتكلم بإضافة الأفعال إلى المخلوقات، إلى الجمادات، إلى الحيوانات، إنما يمجازي، هاجة البحر، ماج الهواء، طربت الجبال، انكسفت، أثمرت الأشجار، قال: وهذا بالمثل ما نعبر به عن حياة الإنسان، فلان قام، فلان جلس، فلان ما جلس، ولا قام، وإنما الذي أقامه الله، وأجلسه الله، فالعبد مجبور، العبد مجبور، ربنا هو الذي يحرك من فوق سبع سماواته، فالعبد ليس له فعل، فهذا ماذا؟ نظره، نظر إلى قضية الانفعال، أن العبد مفعل، من الذي أفعلك يا عبد الله؟ قال: الله، هو الذي أفعله، قال: إذن الله هو الفاعل فقط، ما في الكون إلا الله هو الفاعل، نظر إلى قضية الانفعال، بأن العبد إنما يتحرك بفعل الله. انتبه: القضية هذا الذي أراده المؤلف، نظر إلى قضية الانفعال، الجبرية، فقال: إذن ما هناك فاعل إلا الله، وهذا مذهب خطير جدا، لأن على كلامهم إذن ما في فائدة من الحسنات، ولا هناك فائدة من السيئات، وليس هناك فائدة من إرسال الرسل، ولا من إنزال الكتب، لأن ما أفعله شيء إلا بفعل، لإرادة الله، فلا ما يصلي، ليش ما تصلي؟ الله أرادني أن ما أكون أصلي، صحيح، صدقت، الله ما أرادك أن تصلي، يلا، عبر اللي بذى، بعده كافر، أسلم، يقول: الله، الله أجعلني كافر، ما أحتاج أن يسلم، الله ما أراد للإسلام، فصحيح، الله ما أرادك، فإذن كل ما يفعله العباد هو فعل الله، إذن لا تغير الساكن، لا تحرق شيئا، لأن هذه إرادة وجدت في الكون، والعبد ما يفعل، فعل هؤلاء نظر إلى قضية الانفعال، أي أن الفعل الذي يفعله العبد إنه من فعل الله فقط، وهو للجبرية، خالفا في ذلك القدرية. عكسوا القدرية، نظروا إلى أحوال العباد، قالوا: رأينا أن الناس يقومون بأفعالهم بأنفسهم، بكل أريحية، أتحرك يمنى، أتحرك يسرى، إن شئت خرجت من المسجد، فذهبت إلى مكان عبادة، وإن شئت ذهبت إلى خمارة من الخمارات، بإرادتي، بمحض إرادتي، ما أرى هناك شيء، أنا عنه منفعل، ما أرى أن الله أفعله بشيء، إنما أنا محض إرادتي، محض إرادتي. ونظروا كذلك كما يقول العلماء إلى حركات، إلى حركة اليد مثلا، اليد العادية تتحرك الآن، أريد فوق، أسفل، يمنى، حركة بنفسي. ونظر إلى اليد المرتعشة، ترتعش يد مرتعشة، تكون ارتعاش من مرض أو من اضطراب، ترتعش، سأمسكها، ما أستطيع، تتحرك، ما أستطيع، وجهها. قالوا: هذه يد، وهذه يد، ونحن كيف؟ هل نحن مثل هذا، ولا مثل هذه؟ قالوا: نحن مثل هذه، هل نحن إذا الطبيعيين؟ هل نحن تتحرك بأنفسنا؟ ما عندي أحد يصلط عليه، فهذا ماذا؟ نظره، نظر إلى أن العبد هو الفاعل، وانقطعوا عن انفعال الله، قالوا: العبد، الله ما له علاقة بالعبد، أبعدوا الله عن عباده، فالعبد هو الفاعل حقيقة لأفعاله، هو الذي فعل بمحض إرادته، ما هنالك الله، فجعلوا العبد هو الذي يخلق أعماله بنفسه، خيرا أو شرا، هؤلاء نظر إلى فعل العبد، والأول نظر أن الله هو الفاعل، وهؤلاء يضلوا، وذلك ضل عن سواء السبيل. والحقيقة قال المؤلف -رحمه الله تعالى- هنا، قال: فمن أضاف الفعل والانفعال إلى العبد كفر، ومن أضاف إلى الله كفر، ومن أضاف الفعل إلى الخالق، والانفعال إلى المخلوق، إلاهما حقيقة، فهو المؤمن حقيقة، هذا الصحيح. فالفعل كان من عند الله حقيقة، والفعل من العبد حقيقة، من فعل الله، أي أن الله -جل وعلا- هو الذي أفعله العبد، بمعنى أعانه على الفعل، خلق إرادة، خلق له قدرة، هيّأ له الأسباب، والعبد فاعل حقيقة لفعله، لأنه ماذا؟ هو الذي قام بنفسه. خلاصة الموضوع: الأفعال تنسب إلى الله خلقا، وتنسب إلى العبد كسبا. الله أراد لك أن تصلي، فمن ذا الذي صلى؟ الله استغفر الله، أم أنت؟ أنت الذي صليت، فالفعل يضاف إلى العبد كسبا، فعلا، والفعل يضاف إلى الله حقيقة، بأنه ماذا؟ أوجد -سبحانه وتعالى-. فاحفظ هذه القاعدة عبد الله، التي تزول بها الإشكالات، وهذا قد سطرها العلماء في كتبهم، بأن الأفعال تنسب إلى الله -جل وعلا- خلقا وإيجادا، وتنسب إلى العبد فعلا واكتسابا، وبهذا تثبت لكل شيء فعله، فلا نقول: أنه ما في الوجود إلا فعل الله، كما قال الجبرية، وهو قول ضال، ولا تقول: أن في الوجود فقط وفعل العبد، فتخرج العبد عن خلق الله، وإنما قل: الأفعال تنسب إلى الله، وتنسب إلى العباد، وذلك باعتبارات، فباعتبار الله -جل وعلا- خلقا وإيجادا، وباعتبار العبد كسبا وفعلا. فربنا -عز وجل- هو الذي أمات، هو الذي أحيا، وهو الذي أهدى، والعبد هو الذي مات، وهو الذي حيي، وهو الذي اهتدى، وبهذا إخواني في الله نفهم ما أراده المؤلف -ورحمه الله تعالى- من هذه المسألة. فأسأل المولى -جل وعلا- أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.