الخطبة بعنوان الحث على تدبر القرآن، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 22 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 18 نوفمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الخطيب على أهمية تدبر القرآن لتحقيق خشوع القلب وربطه بالله، مستشهدا بآيات القرآن وأقوال العلماء. يشير إلى أن التدبر واجب كما أمر الله به في كتابه.
يُشدد على أهمية تدبر القرآن في حياة المسلم، حيث يساعد على خشوع القلوب وعلاج الغفلة. يُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف كانوا يقومون بتدبر الآيات ويكررونها ليلًا.
يؤكد الخطيب على وجوب تدبر القرآن ويحذر من هجره وعدم فهم معانيه، مستشهدا بالآيات والأحاديث التي تدل على وجوب التدبر وعواقب إهماله. يشير إلى أن عدم التدبر يؤدي إلى قسوة القلب.
يؤكد المقطع على أن من لم يتعظ بالكتاب والسنة لن يتأثر بأي موعظة أخرى، ويدعو الله أن يغفر ويرحم ويجعلنا من المتدبرين لكتابه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، فإن المتأمل في حال الناس يرى أنهم في غفلة عن دينهم إلا من رحم الله جل وعلا. هذه القلوب تغفل، والعبد ينبغي عليه أن يحافظ على قلبه، وأن يلزم قلبه ما يكون فيه ارتباط بالله جل وعلا ورجوع إلى الله سبحانه وتعالى. ألا عباد الله، إن من أعظم ما ينبغي للعبد أن يتمسك به لأجل خشوع قلبه كتاب الله جل وعلا وتدبره. فإن تدبر كتاب الله من أعظم الأشياء ومن أنفع الأشياء للقلوب، كما قال الإمام ابن القيم: "ليس هناك شيء أنفع للقلوب من تدبر كتاب الله جل وعلا وتفهم معانيه". ولهذا عباد الله، فإن التدبر كتاب الله جل وعلا أمر الله عز وجل به وحث عليه سبحانه وتعالى، لأنه أمر عظيم يرجع هذه القلوب التي ليس لها مرجع إلا إلى خالقها وبارئها سبحانه وتعالى. ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبر آياته وليتذكر أولو الألباب﴾، فهذه الآية عباد الله يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "إن هذه الآية أمر الله عز وجل فيها بالتدبر لكتاب الله جل وعلا، والأمر للوجوب". فالتدبر عباد الله واجب، حث عليه ربنا جل وعلا. ولهذا من حث الله سبحانه وتعالى في كتاب الله جل وعلا أنه دائما يذكرنا في آخر الآيات فيقول: "لعلهم يتذكرون، لعلهم يتفكرون"، ويقول جل وعلا: "أفلا تتذكرون، أفلا تتفكرون، أفلا تعقلون"، وغيرها من الآيات التي حث فيها ربنا جل وعلا على التدبر والتفكر. وأعظم ما يتذكر به وأعظم ما يتدبر به كتاب الله جل وعلا. ولهذا كان نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام من أكثر الناس تدبرا لكتاب الله جل وعلا. جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: "اقرأ علي"، قال: "أقرأ عليك وعليك أنزل؟" قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري". قال عبد الله بن مسعود: "فقلت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت قول الله جل وعلا: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾، فقال: "حسبك". فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا عيناه تدرفان عليه الصلاة والسلام". وكذلك جاء عند ابن ماجة بإسناد صحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت: "أبطأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جئت، فقال: "أين كنت؟" قالت: "يا رسول الله، إني سمعت رجلا يقرأ في المسجد ما سمعت قراءة مثلها قط". قال: "فقام عليه الصلاة والسلام وقمت معه فكان يسمع". قال: "فهذا سالم مولى أبي حذيفة". ثم قال عليه الصلاة والسلام: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من مثله". وكان أيضا صلى الله عليه وسلم سمع رجلا كما في البخاري عن عائشة، قال: "سمع رجلا يقرأ، فقال: "يا عائشة، أهذا عبد الله بن بشر؟" قالت: "نعم، يا رسول الله". قال: "رحم الله عبد الله بن بشر". فلهذا عباد الله، فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يحب أن يسمع القراءة من غيره لأجل أن يتدبرها ويرى ما فيها عليه الصلاة والسلام. وقد كان من تدبره صلى الله عليه وسلم أنه كان أحيانا يقوم بالآية الواحدة قيام ليله عليه الصلاة والسلام، كما أخرج ذلك الإمام الترمذي عن أبي ذر بإسناد يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله عليه أن النبي عليه الصلاة والسلام قام ليلة بقول الله جل وعلا: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾. وقد كان سلف الأمة رحمهم الله من الصحابة ومن التابعين يفعلون ذلك، يقومون بآية. فعل ذلك عثمان، وفعل ذلك علي، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومن التابعين الحسن، وكذلك ابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وغيرهم من التابعين، ومن أتباعهم رضي الله عنهم أجمعين. فلهذا عباد الله، حتى قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "هذه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف، أي أن الرجل يكرر الآية يقوم ليله كله بهذه الآية لأجل أن يتدبرها ويتأمل ما فيها، وكذلك يتعظ بها". فلهذا عباد الله، فإن تدبر كتاب الله جل وعلا معين على خشوع القلوب، ومعين كذلك على رجوع هذه القلوب، وكذلك يقظتها من هذه الغفلة. فليس هناك شيء أنفع لهذه القلوب من تدبر كتاب الله جل وعلا، فهو الذي يعالجها. فإن القلوب فيها وحشة كما قال الإمام ابن القيم: "إن القلوب فيها وحشة لا يزيلها إلا الأنس بكتاب الله جل وعلا وتفهم معانيه وتدبره". لا يزيل هذه الوحشة التي في قلوب العباد إلا تدبر كتاب الله جل وعلا وتفهم معانيه. فإن التدبر عباد الله المراد به هو تفهم معاني هذا الكتاب العظيم، وكذلك الاتعاظ بما يخبر الله عز وجل به من الأوامر والنواهي، ومن الوعد والوعيد، وغيرها مما يكون في كتاب الله جل وعلا. فهذا هو التدبر عباد الله. ولهذا ينبغي للمسلم أن يتخذ الوسائل التي تعينه على هذا التدبر. ومن ذلك عباد الله تفهم كتاب الله جل وعلا، وقراءة تفسيره، أو سماع تفسيره من أهل العلم. فإن هذا أيضا مما يعين على التدبر عباد الله. ومن ذلك أيضا اللجوء إلى الله ودعائه سبحانه وتعالى أن يجعل كتاب الله عز وجل لك قائدا، وأن يجعلك تتدبر هذا القرآن العظيم. ولهذا جاء في الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "واجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء همي وحزني". فهذا عباد الله من هذا الباب، أي من باب أن العبد يدعو الله عز وجل أن يجعله يتدبر كتاب الله جل وعلا، وأن يجعله يحب هذا الكتاب العظيم. كذلك هذا أيضا من المسائل المعينة للعبد أن يحب كتاب الله جل وعلا، ويحب قراءته. فإن هذا يدعوه إلى التأمل والتدبر في كتاب الله جل وعلا. فلهذا عباد الله، ينبغي علينا أن نتدبر كتاب الله جل وعلا، ونتفهم ما فيه. فإن هذا هو الذي يربطنا بالله جل وعلا، ويقودنا إليه سبحانه وتعالى. ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾، فنسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يجعلنا من عباده الخاشعين المتدبرين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائد الغر الميامين عليه الصلاة والسلام. عباد الله، فإن قد سمعنا شيئا مما جاء في كتاب الله، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في تدبر كتاب الله جل وعلا. اعلموا عباد الله أن الله عز وجل حذرنا من عدم التدبر لكتاب الله جل وعلا وهجره. بل حثنا ربنا جل وعلا وعظنا أننا ينبغي علينا أو على قلوبنا أن تتدبر هذا القرآن العظيم. كما قال ربنا جل وعلا في سورة الحديد: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾. فإننا إذا لم نتدبر كتاب الله، فإن هذه القلوب تقسو، وأيضا تبتعد عن الله جل وعلا، كما ابتعدت قلوب أهل الكتاب الذين لم يتدبروا كتابهم، بل حرفوه، وكذلك أيضا حرفوا معانيه. فلهذا عباد الله، يقول محمد بن كعب القرظي كما ذكر ذلك الإمام الطبري عند هذه الآية: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة على خير وعلى تقشف وعلى أيضا عبادة لله جل وعلا". قال: "فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة، قال: ففتروا عما كانوا فيه". قال: "فوعظهم الله عز وجل بهذه الآية: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾". قال رحمه الله: "فاقت قلوبهم، ورجعت مثل ما كانت وأحسن". أي وعظهم الله عز وجل بهذه الآية العظيمة، فتذكروا ورجعوا إلى الله جل وعلا، ونفعتهم هذه الآية أيما انتفاع. وهذا هو التدبر عباد الله. وكذلك عباد الله، مما يدل على وجوب تدبر كتاب الله جل وعلا أن الله عز وجل ذم من لم يتدبر كتاب الله سبحانه وتعالى. فقال جل وعلا في سورة النساء: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾، وقال جل وعلا: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾. ففي هذه الآية، ففي هاتين الآيتين ذكر ربنا جل وعلا أن من لم يتدبر القرآن فإن قلبه غافل، قلبه مقفول، وقلبه كذلك مغلق عليه، ولا أيضا يخشع، ولا أيضا يرتبط بالله جل وعلا. فهذه الآية تدل على أن التدبر من أعظم الأشياء التي يفك بها القلوب، والتي تفتح بها القلوب، وتستيقظ بها هذه القلوب لعلام الغيوب جل وعلا. وكذلك عباد الله، الله عز وجل يقول في ذم من لم يتدبر القرآن، فذكره عن المنافقين: ﴿أفلم يتدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون﴾. فربنا جل وعلا ينكر على هؤلاء لماذا لم يتدبروا هذا الكتاب العظيم؟ لماذا لم يتدبروا كلام الله جل وعلا الذي أنزله الله عز وجل عليهم؟ فلهذا عباد الله، أيضا ربنا جل وعلا يقول عن نبيه الكريم سبحانه وتعالى: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾. ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وغيرهم من أهل العلم أن من أعظم الهجر للقرآن هجر عدم التدبر للقرآن. إن من أعظم الهجر للقرآن عدم تدبره وفهم معانيه. كما ذكر ذلك الإمام أو هؤلاء الأئمة رحمة الله عليهم. فإن من هجران القرآن عدم تدبر معانيه عباد الله، وهذا شيء عظيم. وكذلك عباد الله، ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام لما ذكر الخوارج قال: "يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم". قال الإمام الزركشي رحمه الله: "إنما كان لا يجاوز حناجرهم لأنهم لا يتفهمون معانيه". فلهذا أخذوا ظاهر القرآن، ولم يتفهموا ولم يتدبروا كتاب الله، فقادهم إلى الخروج على أمة الإسلام، وقتلوا أهل الإسلام، وتركوا أهل الأوثان كما أخبر بذلك نبي الكريم سبحانه عليه الصلاة والسلام. فلهذا عباد الله، الواجب علينا أن نتدبر هذا الكتاب العظيم، ونتفهم معانيه، وكذلك نتعظ بمواعظه. فإن من لم تكفيه موعظة الكتاب والسنة، فلا موعظة له كما قال الإمام البرزنجي رضي الله عنه. فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يجعلنا ممن يتدبر كتاب الله. والحمد لله رب العالمين.