شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 11

شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 11

الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام الشكر وأهميته

يتناول المؤلف أهمية مقام الشكر في الإسلام، ويشرح ركائزه الثلاث. يشير إلى أن الشكر خلق عظيم وأدب رفيع.

شكر الله وتصريف النعم في طاعته

يتحدث النص عن شكر الله على النعم وتصريفها في طاعته، ويبين أن الشكر يكون أيضًا على المصائب والبلايا. يشير إلى ركائز الشكر الثلاث.

كيف يشكر الإنسان ربه على المصيبة

يشرح الإمام القاسمي كيف يمكن للمصاب أن يشكر الله على البلاء من خلال خمسة أمور، مثل مقارنة المصيبة بما هو أعظم منها والتأمل في أنها لم تكن في الدين.

ختام الحديث والصلاة على النبي

المقطع ينهي الحديث بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر احترام وتقدير لهم. يؤكد على العلم الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لا زلنا إخواني في الله في هذه المنظومة والموسومة بمنظومة السير إلى الله وإلى الدار الآخرة للإمام السعدي رحمه الله تعالى. يقول الناظم رحمه الله: شكر الذي أولى الخلائق فضله بالقول والأقوال والأركان في هذا البيت يشير الناظم رحمه الله تعالى إلى مقام جديد من مقامات الدين، ألا وهو مقام الشكر. وهو جليل وخلق عظيم وأدب رفيع. وفيه نهى عن ضد الشكر، جل في عُلاه. كم الآيات الكثيرة التي يأمر فيها ربنا جل وعلا بمقام الشكر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. وآيات كثيرة جدًا فيها الحث والترغيب والتحضيض لجميع العبيد بأن يكونوا من الشاكرين لله جل في علاه. ليست الدلالة الشرعية فقط، بل حتى الدلالة العقلية تستوجب منك يا عبد الله أن تقوم بمقام الشكر. إن الواحد منا، إخواني في الله، لو أدى له معروف وقد أعطى من أحساننا من كان، تجد أنه من اللزوم أنك ترد هذا الصنيع ترده بالثناء والشكر، بأنك تثني خيرًا على هذا المتصدق أو الباذل أو المعطي الذي أعطاك والذي حباك. تجد أنك أقل ما ينبغي أن يبذل لهذا المتصدق الكريم ما يكون من الثناء. إذا كان هذا في حق آدمي، وما عسى الآدمي أن يعطيك؟ فما ظنك برب الأرض والسماء الذي أعطاك كل شيء؟ ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة؟ الواحد منا يتقلب في نعم الله ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً. كل هذه النعم من من؟ من ربك جل وعلا. هل أدينا شكر هذه النعم؟ للأسف إخواني في الله، القليل من تفطن إلى مقام الشكر، فالقليل من كان من الحامدين من الشاكرين لله جل وعلا على نعمه. كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. هذا الواقع، أكثر الناس ربك جل في علاه فضله عظيم على العباد والخلائق، على جميع الخلق، على الكافرين وعلى المسلمين، وعلى المسلم أعظم بمنة الإسلام. ومع ذلك، لكن أكثر الناس كافر جاحد لنعمة الله سبحانه وتعالى عليه. فإذن إخواني في الله، في هذا المقام المؤلف رحمه الله تعالى يتحدث عن مقام عظيم، ألا وهو مقام الشكر. وهنا تأتي مسائل، أعظم هذه المسائل ما هو الضابط؟ مقام الشكر كيف تعرف من نفسك أو تعرف عن غيرك أنه من الشاكرين لنعمة الله وأنه من الشاكرين لآلاء الله؟ العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا ووضعوا ضوابط وركائز، وهي عبارة عن ثلاثة ركائز، من تخلق بها فليعلم أنه من الشاكرين، ومن حرمها فإنه من الجاحدين. وما هذه الركائز الثلاث؟ هي اختصارًا كما قال العلماء: شكر النعمة يكون بالاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها في حق موليها ومعطيها، وهو ربنا سبحانه وتعالى. هذه الركائز الثلاث أشير إلى شيء من الإشارات عنها. الركائز الثلاث التي بها تكون يا عبد الله من الشاكرين لنعم الله: الاعتراف بها باطنًا، أنك تعتقد أنك تعترف أنك تذعن في قرارة قلبك ونفسك وصدرك أن ما تجد من نعم ومن أرزاق تغدق عليك من هنا ومن هنا تعلم أنها من عند الله جل في علاه، لا منعم سواه، لقوله جل في علاه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. أي نعمة؟ أي نعمة تجدها يا عبد الله عز وجل هو الذي حباك إياها، لخصها لك سبحانه وتعالى من دون سائر الناس. ولهذا في الحديث الصحيح عن ابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك». فالله عز وجل هو الذي قدر لك ذلك، وهو الذي أراد ذلك لك، وهو الذي كتب، وهو الذي أتى بالنعمة لك. لكن هؤلاء الناس مثال الأعمال والوظائف والرزق، هذه أسباب، هذه أسباب. الله عز وجل جعلها سببا لكي يصلك هذا الخير وهذه النعمة، وإنما المنعم على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى. فربنا عز وجل، إن ربنا كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾، يؤتي فضله من يشاء، يؤتي فضله من يشاء. فربنا والفضل بيده، فيؤتي الفضل من يشاء جل فعلًا. ومن الخطأ في هذا المقام وفي هذه الحيثية، والتي من أوكار الشكر أن تعترف بها باطنًا، خرج بذلك أناس ممن ظنوا أن هناك منعم يزاحم الله في إنعامه. وهذا يقع كحال بعض الناس أن هذه الأرزاق إنما جاءته بكده وبعرق جبينه، وآخر يرى أن هذه الأرزاق إنما جاءته من منصبه أو من حسبه ونسبه، وآخر يعتقد أن هذه الأرزاق إنما جاءته ونالته لماذا؟ بهذه الحروز والتلاصم الذي على يده وعلى عضده أو التي في سيارته. وآخر لربما يعتقد أن هذه الأرزاق إنما كانت من هذا الساحر ومن هذا المشعوذ، أو لربما أناس يرون أن هذا الإنعام وهذه الأرزاق والأموال لربما كانت من الولي الميت المقبور الذي به جاءنا هذا الخير، سلمنا من تلكم الحادثة أو من تلكم الفاجعة، لولا أن تدخل إنعام يعود إلى هذا الولي. وهلم جرًا، تجد أن الناس لربما في مكامن أنفسهم في داخل قلوبهم يقدون أن الرازق ليس الله، وليس المنعم هو الله عز وجل. لا يا عبد الله، هذا من أعظم الجحود لنعمة الله عليه. أول مرتبة من مرتبة شكر النعمة أن تعترف أن ما من نعمة تتقلب بها هي من الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: التحدث بها ظاهرا، أن تتحدث بها، أي أنك تنسبها إلى الله عز وجل، لا تنسبها إلى غيره. حتى جعل العلماء من الآداب المخلة ما يجري على ألسنة الناس: «لولا الربان الفلاني لهلكنا»، «لولا القائد الفلاني في المعركة لهزمنا»، «لولا»، تحيل النعم إلى القائد أو إلى الربان أو إلى إنسان، وأين الله عز وجل من هذا الإنعام؟ هذا ما ينبغي، ما ينبغي يا عبد الله. إنما ينبغي أن تضيف النعمة إلى الله: «لولا الله في علاه»، ثم تأتي من تأتي لمن كان سببًا في هذا الخير. وأيضًا يتحدث بنعمة الله ظاهرا، أن تتحدث بها على وجه الحمد والشكر، لا على وجه الفخر والخيلاء. إن ناسًا من الناس لربما أنعم الله عليهم، لكن بليتهم في جحود اللسان. إذا سئل: كيف حالك يا فلان؟ لربما لك بقائمة الشكوى: «والله تعبنا، والله مصاريف، والله الخرج كثير، والله يعين، الأوضاع...». طيب يا ما أحسن لك يا عبد الله عن شكوى؟ كيف حالك؟ كيف أنت؟ كان ينبغي أن تبادر إلى ماذا؟ قل: «الحمد لله، نحن بعافية»، تحمد ربك عز وجل. إن الله أنعم عليك بشيء الكثير، صحيح لربما أخذ منك القليل، لكن بالمقابل أعطاك الله الشيء الكثير. ولهذا قال ربنا جل في علم مبين: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. عبد الله بنعت الله عليه. إن كيف أنت؟ قلت: «الحمد لله، بخير وعافية». بخير وعافية. فإذا أراد الإنسان أن يتقصى منك فلا بأس، لكن مباشرة يأتي بالجحود والنكران. كان الله أنعم عليك بشيء، وأن الله قد عذب الدنيا بهذا العذاب الهون، لا يعبد الله، واشكر الله عز وجل على ما أنعم عليك سبحانه وتعالى. ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك». الإنسان يتقرب إلى الله بشكر هذه قربة إلى العز وجل. ولهذا جعله من أعظم الأذكار والأوراد الذي يتقرب بها العبد إلى الله: «الحمد لله»، اجعلها وردك، «الحمد لله» بركة، اجعلها ورد لك في نهالك، في صباحك، في مدخلك، في مخرجك، كما جاء به السنة. كل مدى الله أعطاك، لأن هذا دليل على عظيم شكرك لله سبحانه وتعالعة. وخلا من هذا الذي دائمًا يتبرم، ما إن جلس في مكان عام أو مجلس الرجال أو جلس في المقاهي أو في كلام له شكاوى. لا يا عبد الله، حد عظيم ما أنعم الله عليك، واحمد الله على ما آتاك الله. ثالثًا من ركائز الشكر: وتصريفها في حق موليها ومعطيها، تصريفها في حق موليها، وهو الله عز وجل، هو الذي أولاك، وهو الذي أعطاك. إذن هذه النعمة من شكر النعمة عليك أنك تسخرها لطاعة الله، تسخرها لطاعة الله. الله الذي أنعم عليك بهذه النعمة في هذه الدنيا لماذا؟ لكي تستمر في العبادة والطاعة. إذن سخر هذه النعمة في طاعتك لربك عز وجل. كما قال سبحانه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فإن من صور الشكر العبادة، من صور الشكر العبادة. لما كان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، تتشقق من طول القيام، يذكر بعظيم إنعام الله عليه، وقد غفر الله له ما مضى من ذنبه وما تأخر. قال عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». السؤال: بماذا شكر ربه؟ بالعبادة، شكر ربه بالعبادة. فدل ذلكم على أن النعم يا عبد الله الذي يعطيها الله لك، أعطاك مالًا، سخرها لطاعة الله. أعطاك صحة، سخرها في طاعة الله. ولهذا في حديث الثلاثة الذي يذكرهم الله بنعمته عليهم: قارئ القرآن، والجواد، والثالث. فيقال لهم: ماذا عملت بها؟ أي ماذا عملت بهذه النعم؟ فدل على أن هذه النعم ينبغي أن تسخر. ولهذا جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». هذه النعم تغتنم بماذا؟ تغتنم في طاعة الله. اجعل الشباب في طاعة الله، الغنى في طاعة الله، اجعل الفراغ في طاعة الله. وهل مجرد هذه الركائز الثلاث من حققها كان من عباد الله الشاكرين؟ في باب النعم: الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرا، وتصريفها في حق موليها ومعطيها. الناظم رحمه الله تعالى أشار إلى هذه المراتب الثلاث في هذا البيت، فقال رحمه الله تعالى: شكر الذي أولى الخلائق فضله بالقلب والأقوال والأركان أي أن هؤلاء من يسير إلى الله، وكلنا سائرون إلى الله، ينبغي نتخلق بمقام الشكر. لماذا؟ لأن الله هو الذي أولى الخلائق، أولاء أعطاهم. طب نشكره بماذا؟ أشار الناظم رحمه الله إلى هذه الركائز الثلاثة، قال: «شكر الذي أولى الخلائق فضله بالقلب والأقوال والأركان». إذن الاعتراف بها باطنًا بالقلب، والتحدث بها ظاهرا بالأقوال، وتصريفها في حق موليها يكون بالأركان. هنا مسألة أختم بها المجلس، إخواني في الله، ألا وهي: الشكر الذي سمعتموه، وشكر الله على نعمائه وعلى نعمه. بقي: هل يشكر الله عز وجل على المصائب والبلايا؟ الجواب: نعم، من مجالات الشكر أنك تشكر الله على المصيبة. تذكرون في درس أمس عندما تحدثنا عن مقام الرضا، أشرنا إلى أحوال الناس عند المصيبة، وأنهم على ثلاثة مراتب. المرتبة الأولى: الصاخط، وهي محرمة، وهو الذي عنده الجزع وعدم الرضا. المقام الثاني: الصابر، وهي مرتبة واجبة، وهو يحبس نفسه على مرارة الألم. المرتبة الثالثة: الراضي، وهو الذي يلاقي هذه المصيبة بانشراح صدر، بانشراح صدر. هناك مرتبة رابعة وهي مقام الشكر، وهو أن تشكر الله على المصيبة، وهي أعلى المقامات. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بهذا المقام: «الصبر واجب باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله، وهو مستحب على الصحيح، وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة، أن يشكر الله على المصيبة». فإذا فهمنا ذلك، سنأتي إلى فائدة الأبيات. ولهذا تجد أن المؤلف رحمه الله تعالى أن يرتب لنا هذه المقامات في ظل هذه الأبيات، على هذا بدأ بمقام الصبر، ثم بدأ بمقام الرضا، وهاهو الآن بدأ في مقام أو دخل في مقام الشكر. ويكأنه رحمه الله تعالى يشير إلى هذه المسألة، إلى أحوال الناس عند البلايا، أنه إما أن يصبر وجوبًا، وإما أن يرضى، وهذا أعلى وأرفع، وإما أن يشكر الله على البلا، وهذا القواص، والقلة من يوفق إليه. وهي تأتي المسألة: وكيف للإنسان أن يشكر ربه على المصيبة؟ نعم، تكلم العلماء على هذه المسألة، وأرفعها، واختتم بفائدة، واختتم بفائدة، ذكره الإمام القاسمي رحمه الله. ذكر رحمه الله تعالى خمسة أمور، إذا رعاها وتأملها كل مصاب ببلية، فإن هذه البلية ستنقلب عنده نعمة، فيشكر الله على هذا البلاء وعلى هذه البلوى. فذكر رحمه الله تعالى، واذكر ذلك اختصارًا، ذكر الأمر الأول، وهو: أن تعلم يا عبد الله أن هذه المصيبة التي أنت ابتليت بها، قارنها بما هو أعظم منها. حينها ستحمد ربك. انظر المصيبة، وكل ينظر إلى مصائبه، سواء كان فقر أو كان مرض أو كان فقد عزيز أو فقد عضو من الأعضاء أو أي مصيبة، قارنها بمن هو أشد منك بؤسًا ومرضًا وعزًا. حينها ستهون مصيبتك، وستحمد الله. والحمد لله الذي فضلني على غيره. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». ستكون نعمة، هذه تنظر إلى الأسفل، إلى الدون، إلى من هو شقي أو شديد عليه في مصيبته، ستهون مصيبته. حينها ستنقلب مصيبتك إلى نعمة، فأحمد الله. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: ذكر رحمه الله تعالى أنك تتأمل في هذه المصيبة وتعلم أنها دنيا، ولم تكن في دينك. لأن مصابًا أشد وأخطر: فتنقلب مصيبته عنده أن المصيبة، أن المصيبة كانت في مال، في فراغ، في فقد عزيز، في ذهاب عضو، سهل، سهل تهون، ويعوض الله. لكن تخيل أن المصيبة في دينك، في دينك، انحرفت عن الجادة، انحرفت عن الصراط المستقيم، أصبحت يهوديًا، خرجت من الدين والملة، هذه أعظم. لأن بها خسارة الدنيا والآخرة. ولذا كان دعاؤه في دعاء نبينا: «وإن مصبتك في دنياك، احمد الله». هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث: رحمه الله تعالى أن تتأمل البلاء، وكأن هذا البلاء توقع عنه عقوبة من الله، وأن هذه العقوبة كانت يمكن أن تكون في الآخرة، إلا أن الله عز وجل جعلها لك في الدنيا. فإذا تفكرت في هذا المقام، حين ستحمد الله. لماذا؟ لأن هذه العقوبة لو أخرت لك في الآخرة، فما ظنك يا عبد الله بعقوبة الآخرة؟ أشد وأنكى وأعظم وأبقى. لكن عقوبة الدنيا أهون وأسهل تتحملها. فإن عقوبة أهل الإسلام تكون التي عجلت لهم في دنياهم، كما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «أمتي، أمتي، أمة مرحومة، ليس عذابها في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن، والزلازل، والقتل، والبلايا». بلايا ما تبتلى به يا عبد الله هو عبارة عن عقوبة الآخرة، قدمت لك. إذا تفطنت لهذا، ما الذي سيحدث لك؟ ذلك نعمة، نعمة أن الله قدم لك عقوبة الآخرة في الدنيا، وكانت هذه. فحين تعلم عظيم أنعام الله عليك، فلا زلت حامدًا شاكرًا للعقوبة. إذا تفطنت لهذا الأمر. رابعًا مما ذكر رحمه الله تعالى: أن تعلم أن هذه العقوبة هي أو هذا البلاء هو مما كتب عليك في اللوح المحفوظ، وقد قدره الله عليك، وها هو قد وقع وانتهى. تقول: احمد الله، انتهينا. هذا أمر قدره الله عليك قبل أن يخلقك، وقبل أن يخلق السماوات والأرض. أن الله سيبتليك بمرض، بفقد عزيز، بكارثة، بمصيبة، هي موجودة مكتوبة. الله أعلم متى ستأتي، الآن قد وقعت فيك. حين تحمد الله على أن حطت الآن، ولعلها آخر مصيبة قد كتبها الله عليك. قال: هذا مما يحمد عليه الرب. وأخيرًا إخواني في الله، مما ذكر القاسمي من الأمور التي بها تكون البلية تكون نعمة: أن تستذكر عظيم الفضائل في البلايا والابتلاءات والمصائب. فإذا الإنسان أعمل فكره واستذكر ما جاء في الكتاب والسنة من عظيم الأجر في البلاء. تخيل يا عبد الله ما جاء في الصحيحين: «ما يصاب ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا كرب ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها، إلا كتب له بها أجر». شوكة. ما ظنك يا عبد الله بشوكة تنام من ورائها على حسنات؟ فما ظنك بما هو أعظم من شوكة؟ الأبر الذي يبتلى بامراض، من الحمى والمغذي والعيادات والأدوية التي تناولها، أو طريح الفراش، أو ذاك الذي ابتلي بالفقر في يومه وليلته لمدى سنوات، ولا يتمتع بماذا؟ وطاب من الطعام والشراب. فلا زال نفسه تتوق لأن يتنعم بشيء، وما استطاع. لكن اصبر. كل هذه يا عبد الله ستنقلب إليك أجورًا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وأهله حتى يلقى الله، ما عليه خطيئة». تأتي عند الله وأنت صفر السيئات. أليست هذه محمودة؟ أليست هذه نعمة؟ بل والله ولهذا يشكر ربنا عليها. ولهذا إخواني، سنعلم حينها أن مقام الشكر يكون للنعم، لنعمة الله علينا، وأيضًا عند خواص خلق الله يكون كذلك الشكر عند البلوى وعند الابتلاءات وعند المصائب. وهذا الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الصحيح: أن النبي صلوات ربي وسلامه عليه إذا رأى ما يسر قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا رأى ما يسوءه قال: «الحمد لله على كل حال». شاكر هنا، وشاكر هنا، حامد هنا، وحامد هنا، عليه الصلاة والسلام. وهذا طبعًا لمن استطاع أن يصل لهذا المقام. فالشاهد إخواني في الله، في هذا المقام أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى مقام الشكر، وعلمنا ما يتعلق بحقيقته، وهو القيام بالأركان الثلاث: الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرا، وتصريفها في حق موليها ومعطيها. وعلمنا أيضًا أن الشكر يكون كذلك معدولًا، وذكرنا المعطيات الخمس التي ذكرها جماعة من أهل العلم، وذلك في حق من تأمل بها وجعلها دائمًا في عينه، في عالم المصائب والابتلاءات، ستلقى بعناية الله نعمة ومحمدة، سيحمد الله عز وجل عليها. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.