الأمثال في القرآن الكريم 11

الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 11، ألقاها

أهمية الوفاء بالعهود وتأصيله في الإيمان

الوفاء بالعهود أمر إلهي ونهى عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وهو من صفات المؤمنين. نقض العهود من صفات المنافقين ويعتبر خللا أخلاقيا جريما.

التحذير من نقض العهد واليمين وأمثلته

الله عز وجل يحذر من نقض العهد واليمين ويضرب الأمثال على ذلك، مثل المرأة التي تغزل ثم تنقض غزلها. استخدام الأيمان كخديعة لتحقيق مصالح شخصية منهي عنه.

خطورة نقض العهود والأيمان وصفات المنافقين

نقض العهود والأيمان خطير ويعتبر من صفات المنافقين. المؤمن يلتزم بالوفاء بعهده سواء مع الله أو مع الخلق، والغدر وعدم الوفاء مذمومان.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء للتوفيق في طاعة الله واتباع أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلة إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربا من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾. ثم ذكر بعد ذلك قوله جل وعلا: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم﴾. أمر الله جل وعلا بالوفاء بالعهد، «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم»، يا أيها الذين آمنوا إذا عاهدتم الله فأوفوا بهذا العهد، ولا تنقضوا هذا العهد وتنكثوا عن فعله؛ لأن الوفاء بالعهود من صفات أهل الإيمان، كما أخبر الله جل وعلا في كتابه في وصفه لأهل الإيمان وأهل الجنة: «أن من صفاتهم الوفاء بالعهد، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون»، يراعون العهود ويحفظونها ويؤدونها. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾، فالمؤمن إذا عاهد وفى بعهده ولم ينقض عهده. نقض العهود من صفات أهل النفاق، كما قال الله جل وعلا: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. فأخبر الله عز وجل أن من أهل النفاق من عاهد الله إن آتاه الله عز وجل من فضله للصدق وأنفق وأعطى وكان من أهل الصلاح، فلما حصل له ذلك وأعطاه الله ومن عليه بخل بما أتاه الله عز وجل ونقض هذا العهد. فأمر الله جل وعلا بالوفاء به، ونهى جل وعلا عن نقض العهود والمواثيق بعد توكيدها بالأيمان والحلف. ثم حذر جل وعلا من أن يكون حال العبد كحال التي تغزل الغزل فإذا انتهت منه عادت فنقضته، تغزل وتتعب نفسها وتغزل وقتها في ذلك، فإذا انتهت من غزلها هذا الغزل قامت بنقضه وإبرامه حبلا حبلا. أو فالله عز وجل يقول: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾. قيل: إنها امرأة في مكة خرقاء تغزل الغزل فإذا انتهت منه عادت فنقضته. وقيل: هو مثل ضربه الله عز وجل فيمن نقض عهده: أن حاله كحال من يغزل الغزل، خاصة يعني من النساء؛ لأن هذا في الغالب عمل النساء، كمن غزلت غزلا ثم عادت فنقضته بعد أن انتهت وأتمته، عادت فنقضته وأفسدته، فلا هي انتفعت من هذا الغزل ولا هي تركته من أول الأمر ولم تفعله. وهكذا من عاهد الله عز وجل ثم عاد فنقض هذا العهد، فلا هو وفى بهذا العهد إذ عاهد، ولا أنه ترك العهد من أوله ولم يعاهد. فحذر الله سبحانه وتعالى أن يكون حال العبد كحال هذه المرأة أو من يغزل الغزل فينقضه. ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾ يعني نقضا. ﴿تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربا من أمة﴾ تتخذون أيمانكم دخلا أي خديعة ومكرا، فيعاهد ويحلف ويؤكد هذا العهد باليمين مكرا وخداعا، إذا كان في ضعف وعدم قوة أظهر العهد واليمين بالوفاء بالعهد، فإذا استقوى نقض هذا العهد. دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربا من أمة، أن تكون أمة أربا يعني أكثر وأزيد، وهذا أصل معنى الربا والزيادة، كما قال الله جل وعلا: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ يعني يزيدها وينميها لأصحابها. ﴿وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله﴾ يعني لا يزيد. فقوله: ﴿أن تكون أمة هي أربا من أمة﴾ يعني أكثر. فكما سمعنا يعاهد بسبب القلة كونهم قليلا وأولئك كثر، فيعاهد ويحلف الأيمان، ثم إن حصل أن زاد عددهم أو زادت قوتهم نقض هذا العهد، فجعل هذا العهد واليمين خديعة ومكرا. ﴿إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾. ونقض العهد هذا من الغدر الذي جاءت الشريعة بالنهي عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر وغيره: «أنه يرفع يوم القيامة لكل غادر لواء عند أسفله، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان، هذه غدرة فلان بن فلان». ومن الغدر أيضا نقض العهد أو البيعة التي ربما يبايع بها الإنسان ولي أمره ثم ينقضها ويخرج عليه، هذا إذن من الغدر الذي جاءت الشريعة بالنهي عنه. ثم ذكر الله جل وعلا مثلا آخر في نقض العهود والأيمان، قال: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها﴾. لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم، أي لا تجعلوا اليمين غدرا ومكرا وخداعا. لا تتخذ أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها، يعني فينقض العهد واليمين وينحرف عنه ويتركه، فيكون حاله كحال من كان مستقيما في حاله وفي مشيه وفي أمره، فتزل به القدم فيهلك، وربما تنكسر قدمه أو يصاب بدنه بشيء من الأذى. وهكذا حال من نقض العهد واليمين واتخذها مكرا وخداعا، فإن ذلك مما يضر به ويبعده عن الصراط المستقيم الذي أمر الله جل وعلا بلزومه والسير عليه. ﴿فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم﴾. فهذا تحذير من الله جل وعلا من نقض العهود والأيمان التي إذا عاهد بها العبد وجب عليه أن يفي بها، وأن لا ينقضها؛ فإن نقض العهود والأيمان من صفات أهل النفاق. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين في ذكر صفات أهل النفاق ومنها: «إذا عاهد غدر»، أي غدر العهد ولم يفي به، هذا من صفات المنافقين. أما المؤمن كما سمعنا، فهو يوفي بعهده الذي عاهد به ربه جل وعلا أو عاهد به أحدا من الخلق، فإنه لا ينقضه. ولا كذلك أيضا يقدر بصاحبه. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويجعلنا سبحانه وتعالى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على