الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث عن مقام الرضا في الإسلام كتلقي أحكام الله بانشراح صدر، ويوضح حسن تعامل المسلم مع الشريعة. يبين أهمية الرضا في حياة المسلم.
يناقش ثلاث منازل للناس إزاء أقدار الله: السخط والصبر والرضا، ويوضح حكم كل منها شرعاً. يبين أن الرضا مستحب ويتسم بانشراح الصدر.
يفسر معنى جنة وأماني في سياق الرضا، ويبين أن الرضا عن الله يؤدي إلى رضاه عن العبد. يستشهد بالأدلة على أهمية الرضا وجزائه.
يختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم. يظهر الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، موضحا بضائعكم الله، منظومة الإمام السعدي رحمه الله، والتي هي منهل السير إلى الله والدار الآخرة، والذي يقيها الناظم رحمه تعالى بأن يعدّد المنازل والمقامات والمقامات التي ينبغي أن يتربى عليها أهل الإسلام. قال رحمه الله تعالى: نزلوا بمنزلة الرضا فهم بها قد أصبحوا في جنة وأمان. في هذا البيت، الناظم رحمه الله تعالى يشير إلى مقام عظيم من مقامات الدين، قال: وهو مقام الرضا. وهذا، رعاكم الله، شأنه عظيم وأمره كبير، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. ومن أعظم ما ينبغي أن نتفقه في هذا البيت أن نعلم أن من عظيم ما يتصف به كل سائر إلى الله ويبتغي الدار الآخرة، ينبغي أن يتحلى بهذا الخلق. قال رحمه الله: نزلوا بمنزلة الرضا فهم بها، أي تخلقوا وتحلوا وتأدبوا بهذا المقام. وهنا، إخواني في الله، تأتي مسائل نشير إليها. من أولى هذه المسائل، ينبغي أن نربط بين الأبيات وبين النظم، فإن هذا البيت والذي فيه الذكر لمنزلة الرضا هو في الحقيقة ذكره الناظم رحمه الله تعالى بعد ذلكم البيت الذي أشار فيه إلى منزلة الصبر، حيث قال رحمه الله تعالى: صبر النفوس على المكاره كلها شوقا إلى ما فيه من إحساني. لما ذكر منزلة الصبر، ذكر الآن منزلة الرضا، وهذا لسبب، وهو عظيم الربط بين مقام الصبر والرضا. وهذا الملحظ، إخواني في الله، مفيد لمن أراد أن يرتب المنظومة فيراعي هذه المراتب، فيسهل عليه الحفظ. بعد منزلة الصبر تأتي منزلة الرضا، وسيأتي معنى وجه الربط بينهما. المسألة الثانية، وهي المهمة في هذا المقام، ما حقيقة هذا المقام؟ ما حقيقة الرضا؟ تنوعت عبارات العلماء رحمهم الله تعالى في تحديد منزلة الرضا. والمؤلف، وهو السعدي رحمه الله، أشار في شرحه إلى حقيقة هذه المنزلة، فقال رحمه الله تعالى: فحقيقة الرضا تلقي أحكام الله الأمرية الدينية وأحكامه الكونية بانشراح صدر وسرور نفس. هكذا قال رحمه الله: تلقي أحكام الله الأمرية الدينية وأحكامه الكونية بانشراح صدر وسرور نفس. ويمكن من باب الاختصار أن نشرح هذا المعنى، وهذا الضابط الذي أورده الناظم رحمه الله تعالى، فنقول: معنى الرضا هو تلقي أحكام الله الشرعية والكونية بانشراح صدر. الرضا هو أن يتلقى أحكام الله الشرعية بانشراح صدر. ما الذي نعنيه بأحكام الله الشرعية؟ أحكام الله الشرعية هي التي شرعها الله لعباده، شرع الطاعات والقربات والواجبات والنوافل والمستحبات، وهكذا ما شرعه من محرمات وتحريمات ومن موبقات. هذه محرمات نلتزم بتركها، كل ذلك تشريع الله. هذه التشريعات، إخواني في الله، كيف نتلقاها بالرضا؟ بمعنى بانشراح صدر، لا تبرم، لا حرج، لا تعنت إزاءها. كيف تضيق، يا عبد الله، من أحكام هي في الحقيقة تعود عليك بالحياة؟ الشريعة حياة، حياة لقلوبنا، حياة لنفوسنا، حياة لأجسادنا وأبداننا. قال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، لما يحييكم. إذن، الذي يأمرنا وشرع الله لنا هو في الحقيقة حياة. فكيف تضيق ذرعا أو أنك، يا عبد الله، تتبرم من أشياء هي تعود عليك بالحياة في الدنيا وفي الآخرة؟ ولهذا، إخواني في الله، الضيق والتبرم والتشكي من أحكام الشريعة ما يصدر من مؤمن. إن تصدر من أهل الناس، ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم. كرهوا ما أنزل الله، يكرهون كل ما يأتي من عند الله. هذا حال المنافق وحال ضعاف الإيمان. فالذي يرضى عن الشرع يظهر ذلك في حسن تعامله. هذا إذن الرضا. الراضي هو أولا يتلقى أحكام الله الشرعية بانشراح صدر. وأيضا الأمر الثاني: يتلقى أحكام الله القدرية بانشراح صدر. وما المقصود بأحكام الله القدرية؟ أحكام الله القدرية هي التي يقدرها الله على العباد من المصائب والمعايب، من الأسقام والأمراض، من الشدائد والأزمات، من الأحزان والضيق، ما يقدره الله على الناس، على مستوى الأفراد والمجتمعات. هذا الذي يقدره الله، كيف يتلقى؟ يتلقى بانشراح صدر. هذا الراضي. ومن هنا، وهذا يجرنا إلى مسألة مهمة، أن نعلم أحوال الناس إزاء أقدار الله، وأنهم على ثلاثة منازل: الساخط، والصابر، والراضي. هم يتفاوتون ويتراوحون بين هذه المنازل الثلاث. المنزلة الأولى، وهي التي تقع في منزلة السخط، وهذه منزلة محرمة. لا يجوز، يا عبد الله، ويا أمّة الله، إذا قدر الله علينا ببلاء أن نتسخط. ويكون هذا التسخط بالجوارح، باللسان، بالسب والشتم والتشكي، وعدم إظهار الرضا بما قدره الله علينا. أو قد يكون في القلب، من سوء الظن بالله جل وعلا، كأن يسيء العبد الظن بربه، ويكأن الله ما أعدل في قسمته، ويكأن الله أحدث جورا في عطائه، أعطى فلانا وحرمني. هذا من سوء الظن بالله، وهذا من التسخط. المنزلة الثانية، منزلة الصابر، وهي المنزلة الواجبة. وما يكون من حبس اللسان عن الشكوى، وحبس النفس عن التسخط بالمقدور. صحيح النفس تنازعه من شدة الألم والوجع والألم، لكنه يلتزم الصمت، تأدبا مع ربه، لا يشتكي الله عند خلقه، وإنما يمضي الأمور على ذلك، مع ما يجده من الشدة. هذا الصابر. وهناك ما هو أعظم من الصابر، وهو الراضي. الراضي هنا تظهر منزلة الربط بين الصبر والرضا. الصابر عنده منازعة، لكن يحبس ويكتم أنفاسه. لكن الراضي ما يجد هذا. تمر عليه المصيبة العظيمة، الجلل الكبير، الخطب العظيم، يأتي عليه الداهية، فإذا به لا يتأثر، لا يحرك ساكنا، لعظيم إيمانه وسنته لقضاء الله. تجد أن هذه المصيبة تمر عليه وهو هادئ النفس، منشرح البال، رابط الجأش. هذا، بل ربما وصل به الأمر إلى التلذذ، كأن مصيبة ما حلت عليه. وهذا قد جاء ذكره في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». نحن نفرح بالرخاء، نفرح إذا أعطينا مالا، وإذا أعطي لنا عطاء ونستبشر. بل يفرحون بالبلاء. سبحان الله! هكذا حدث عنهم نبينا. وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء، يفرح بالمصيبة. ولماذا يفرح بالمصيبة؟ لعظيم ما يرى من الأجر والعطاء الذي سيجعل عنده ربه. هذا الراضي. طبعا، وهذه منزلة مستحبة، ما يصلها إلا الخلص من عباد الله. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم منهم. إذن، حقيقة الرضا هو تلقي أحكام الله الشرعية والكونية بانشراح صدر. هذا ما يتعلق بهذا المقام. وهنا، إخواني في الله، مسألة، وهي في قول الناظم رحمه الله تعالى: نزلوا بمنزلة الرضا فهم بها قد أصبحوا في جنة وأمان. وقفة، وهي في الضبط. هذه الكلمة «جنة وأمان» ضبطت على ضبطين اثنين: «جنة وأماني»، و«جنة وأمان». وكلا المعنين صحيح، لكن باختلاف. نبدأ بأنه في كل معنى جاء في الطبعة. في الطبعة من إحدى الطبعات، قال الناظم: قد أصبحوا في جنة وأماني، «جنة» بالضم، بمعنى وقاية وحماية. أي أن هذا الراضي الذي تربى وربى نفسه على الرضا أصبح في حماية، حماية من ماذا؟ حماية من آفات الدنيا، حماية من الاكتئاب، حماية من الضيق والغم والهموم والكروب. تخيل إذا تأملت، يا عبد الله، إلى حال الراضي كيف هو مع الأزمات؟ وهو بهدوء. أهذا سيسهر الليالي من باب الضيق والحرج؟ أو أن هذا سيهلوس؟ لا والله. هذا ستمر عليه الأزمات تلو الأزمات وهو في راحة ما يعلم بها إلا الله. هذا في جنة، في حماية، لأنه ربى نفسه وعوّدها على التحمل للصدمات وللأزمات، فلا تحدث ولا تغير فيه شيئا. هذا إذا قلنا: في «جنة وأماني»، «جنة» بالضم. وعلى المعنى الثاني: قد أصبحوا في جنة وأماني، «جنة» بالفتح، بمعنى الجنة. وهنا الجنة أيضا تنزل على أحد معنيين: إما المقصود ب«جنة» أي أن هؤلاء الذين تربوا ونزلوا أنفسهم منزلة الرضا، فإن لهم الجنة الأخروية. وهذا أمر لا شك فيه ولا ريب، لأن جزاء الراضي الجنة، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أعد الله لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها. هذا في حق من رضي الله عنهم ورضوا عنه. فحق الراضي، جزاء الراضي، جنات. إذن لا إشكال في معنى «وجنة وأماني»، أي جنة الآخرة. أو المعنى الثاني للجنة: أن المقصود أن لهم جنة الدنيا. والمقصود ب«جنة الدنيا» أي الراحة، لأن هذه الدنيا في جنة، راحة القلب وراحة النفس، ما يكدره شيء. قد وجدنا السلف كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين»، قال: ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين. هكذا ذكر ابن القيم في «مدارج السالكين» عن العارفين، عبروا عن أن منزلة الرضا أنها جنة الدنيا. قول الناظم رحمه الله تعالى: فأصبحوا في جنة وأمان، يحتمل أن المقصود بالجنة أي في جنة الدنيا، بما كان من راحة أنفسهم. فعلى كلا الروايتين، وعلى كلا الضبطين، إما أصبحوا في جنة وأمان، فالمعنى مستقيم، أو في جنة وأمان، فالمعنى صحيح، كنا جنة الآخرة، أو في جنة الدنيا. نختم هذا المبحث، إخواني في الله، بأمر مهم يتعلق بمنزلة الرضا، ألا وهو أن في هذا الباب، وقد سمعتم أن هذا الباب من الأبواب العظيمة، والذي ما يتلقاها إلا الخلص من عباد الله، بأنه يرضى أحكام الله الشرعية، فلا ضيق ولا تبرم، ويرضى عن أحكام الله القدرية، فلا يتسخط. ولا يصل إلى هذا المقام إلا من عظم الله جزاءه. وأعظم جزاء، إخواني في الله، أذكره في هذا المقام، أن في هذا المقام تتحلى أو يتحقق قاعدة: الجزاء من جنس العمل. قاعدة الجزاء من جنس العمل دلت عليها الأدلة العامة، وهذا الباب. وجاءت الأدلة على أنه من رضي عن الله، من رضي عن أحكامه وعن شرائعه وعن قضائه وقدره، فالله جل وعلا يرضى عنه. الجزاء من جنس العمل. وأكتفي بهذا المقام بما صح عن نبيّنا، أو بما جاء في السنن عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من قال حين يصبح وحين يمسي: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، كان حقا على الله أن يرضيه». أن يرضيه لما رضي، لما رضي عن الله وعن رسوله وعن الإسلام، رضي الله تعالى عنه، فالله يرضى عنك ويرضيك، يا عبد الله. وأيضا ما جاء في السنن، عند الترمذي وغيره، من حيث قال عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا». هذا الشاهد: الجزاء من جنس العمل، فمن رضي فله الرضا. كنت راضيا عن أحكام الله وعن تشريعه وعن قضائه وقدره، ومن الذي يفعله فيك، يا عبد الله؟ كنت راضيا، فاعلم أن المولى بالمثل، فالله عز وجل يرضى عنك. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا المقام من المقامات العظيمة من مقامات الدين، والذي ينبغي على جميع السائرين والسالكين، لمن أراد من رب العالمين أن يتحلى بهذا الخلق العظيم، ألا وهو خلق الرضا. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.