شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 8

شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 8

الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية فعل الفرائض والنوافل

النص يشير إلى أهمية فعل الفرائض والنوافل للسائرين إلى الله، حيث أن الفرائض هي الأعمال الأساسية التي أوجبها الله وتترتب عليها عقوبات على تركها، بينما النوافل تكمل النقص في الفرائض. السائرون إلى الله يجمعون بين الفرائض والنوافل للتقرب إلى الله.

الفرائض والنوافل والولاية

الحديث القدسي يدلل على أهمية الفرائض والنوافل في الوصول إلى الولاية، حيث يجب الالتزام بالفرائض أولًا ثم التقرب إلى الله بالنوافل. الله جعل لكل فريضة نوافل ملحقة بها، مثل الصلوات الخمس والسنن، والصيام وقيام الليل.

نوافل الصالحين وخوفهم من الله

يؤكد النص على أهمية فعل النوافل بجانب الفرائض، ويبين أن الصالحين يجتهدون في أداء النوافل مع إدراكهم لتقصيرهم في حق الله. الجمع بين الفرائض والنوافل مع الخوف من عدم القبول هو سمة أهل الولاية والصلاح.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

أعرب الشيخ عن أهمية فعل الفرائض والنوافل مع الإقرار بالتقصير، ثم ختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. طلب من الله أن ينفع بما قيل وأن يهديهم لاتباع أحسن الأقوال.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: فعل الفرائض والنوافل دأبهم مع رؤية التقصير والنقصان. الناظم رحمه الله تعالى في درسه أمس، كما مضى معنا حين ذكر أحوال السائرين إلى الله جل في علاه، ذكر أنهم يتقربون إلى الله بفعل طاعاته، يتقربون إلى المليك بفعل طاعاته. وهنا في هذا البيت أشار رحمه الله تعالى إلى الطاعات التي ينبغي أن يرعاها السائر إلى الله وإلى الدار الآخرة، وينبغي أن تكون له الأولوية؛ لأن الطاعات كثيرة والعبادات وفيرة. فهنا أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ما هي الأعمال والطاعات والعبادات التي ينبغي أن يعتني بها أهل الإسلام عن غيرها من الأعمال. فقال رحمه الله تعالى: فعل الفرائض، أهم عمل من الأعمال البدنية ما يكون من فعل الفرائض. والفرائض جمع فريضة، وهو ما أمر به الشرع على وجه الإلزام. وعلى رأس الفرائض أركان الإسلام، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام. هذه من أعظم الواجبات، وهي أس الفرائض الذي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة. ومما يدل على عظمتها وعلى أهميتها عن سائر الأعمال أن الله سبحانه وتعالى أوجبها. فكون أن هذه الأعمال من سائر الطاعات والعبادات جاء في حقها الإيجاب والحتم والإلزام، إذن دل هذا على عظيم شأنها وعلى رفيع قدرها؛ بدليل أن الله عز وجل أوجبها على جميع البالغين العاقلين في أي زمان وفي أي مكان، في شرق الدنيا أو في غربها. أضف إلى ذلكم أن الفرائض أن الله رتب على تاركها العقوبة في الدنيا أو ما يكون من عقوبة الآخرة. كذلك من فضائل الفرائض وأنها أهم من غيرها أن الله عز وجل جعلها سبيلًا إلى جنته، كما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الله به الجنة ويباعدني به عن النار. فقال عليه الصلاة والسلام: لقد سألت عن عظيم. قال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله. فأشار نبينا عليه الصلاة والسلام إلى الفرائض وإلى الأركان العظام، وأنها وسيلة لك يا عبد الله إن حافظت عليها على أن تكون من أهل الجنة. فهذه المعطيات، كونها من الموجبات، كونها تترتب عليها عقوبات، كونها من خيرة الأعمال إلى الجنة، دل على عظيم أمرها، ولهذا هي من أهم ما ينبغي أن تشغل به الهمم في إتيانها وفعلها. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: فعل الفرائض والنوافل، أي كذلك مما ينبغي على السائر إلى الله جل وعلا مما يفعله من الطاعات من فعل الفرائض، وأيضًا ما يكون من فعل النوافل. والنوافل جمع نافلة، وهو ما أمر به الشرع ليس على وجه الإلزام. ويدخل في ذلك الكثير من الأعمال من السنن والمستحبات والنوافل والقربات، وهي كثيرة جدًا. والنوافل مهمة ولها فضل عظيم، وحسب في هذا المقام أن أشير إلى أهمية نافلة بالنسبة للفريضة؛ إذ أنها تكمل النقص وتسد الخلل إن حصل في فريضة من فرائض الله جل في علاه. كما جاء ذلك في حديث في سنن أبي داود وعند الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإذا انتقص أي العبد من فرائضه شيء، أي أن العبد إذا أتى عند الله ووجد في فرائضه التي جاء ذكرها سلفًا فيها شيء من القصور، فيها شيء من النقصان. قال عليه الصلاة والسلام: إذا انتقص من فريضته شيء، قال الله عز وجل: انظروا لعبدي من تطوع، فيكمل به من تقص من فريضته. هنا تأتي فضيلة النوافل أنها تسد الخلل إن حصل في فرائضك التي تؤديها. انظروا لعبدي هل له من تطوع فيكمل به من تقص من الفريضة؟ قال: ثم يكون سائر عمله على ذلك. سائر أعمالك تأتي الفريضة الثانية، وجد فيها نقص يبحث عن التطوع والنوافل فيغطى، ثم تأتي الفريضة الثالثة والرابعة وهكذا تتتابع الفرائض وتأتي بعدها النوافل فتغطي. وهذه من أعظم أعمال النوافل في أنها تكمل الفرائض. وهنا إخواني في الله أحب أن أعرج على مسائل سريعة متعلقة بما أشار إليه الناظم أنه من أعمال السائرين إلى الله فعل الفرائض والنوافل دأبهم. من هذه المسائل إخواني في الله علينا أن نعلم أن من صفات السائرين إلى الله جل وعلا أنهم يجمعوا بين هذين الأمرين، جمعوا بين الفرائض وجمعوا كذلك بين النوافل. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال ولا يتقرب ولي الله إلا بآداء فرائضه ثم بآداء نوافله. هكذا يتقرب الأولياء لله جل وعلا، يتقربون إلى الله بفعل الفرائض وبآداء النوافل. وقد مضى معنا في درس أمس إخواني في الله الرد على من زعم أنه بإمكان أن يصل إلى مقام الولاية وإلى أرفع مقامات الكرامة من غير عمل، هذا باطل. كما أشرنا إلى فرق المرجئة أو ما عليه المبتدع المتصوفة من أهل الضلال حين زعموا ما زعموا من الأفكار الكاسدة الفاسدة، حين ظنوا أنهم بغير عمل صالح يستطيعون أن يصلوا إلى الله. لا، إذا أردت الوصول إلى الله لابد من عمل صالح، من أعظم الأعمال هذه الأعمال الفرائض مع النوافل. ومما يدلل به على أن الولاية وأن ولي الله ينبغي أن يحوز على هذين المقامين ما جاء في حديث أبي هريرة وهو المشهور بحديث الولي، قال عليه الصلاة والسلام قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. أشار ربنا عز وجل في هذا الحديث القدسي على هذين المقامين، كيف أن الإنسان يصل إلى حد الولاية أولًا: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، هذا أولًا. وما يزال ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فدل ذلك على أن من أراد أن يصل إلى المقامات العلا لابد أن يربي نفسه على فعل الفرائض مع فعل النوافل. كذلكم إخواني في الله مما ينبغي أن نعلمه في باب الفرائض والنوافل أن الله سبحانه وتعالى عندما جعل لنا فرائض في الدين جعل من جنسها نوافل، جعل من جنسها نوافل. وهذا من عظيم ما فتح الله عز وجل به على العباد؛ لأن قد أشرنا لأن من فضيلة النوافل أنها تكمل الخلل إن حصل في الفرائض. فمثلًا فريضة الصلاة الصلوات الخمس، جعل الله من جنسها نوافل وهي السنن القبلية والسنن البعدية. وهكذا سائر الصلوات، الزكاة المفروضة التي أمرنا الله جل وعلا بها جعل الله من جنسها ما يكون من النوافل وهي باب الصدقات والتبرعات وما تنفقه يا عبد الله في وجوه الخير. وهكذا ما يكون من صوم رمضان وهو الصوم الفرضي الذي فرضه الله وافترضه على العباد، جعل الله عز وجل لهذه الفريضة نوافل من جنس الصيام، كصيام الاثنين والخميس، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ما يكون من شهر الله المحرم، ما يكون من عشر الأول من ذي الحجة، ما يكون من صوم عرفة وعاشوراء وتاسعة، وقس على ذلك من نوافل الصيام. وهكذا في باب الحج وهي الشعيرة التي فرضها الله وكتبها الله على أهل الإسلام، جعل الله عز وجل لفريضة الحج نافلة وهي العمرة، وهي متاحة على مدار العام تعتمر لله، وهي من جنس الحج النفل من جنس الحج النفل. ولهذا تجد أن الله عز وجل جعل لكل فريضة من النوافل الملحقة بها، فالإنسان يحرص على هذا ويحرص على ذاك، كما أنه يحرص على الفرائض يكون حظًا من النوافل كذلك. ثالثًا من المسائل المهمة في باب الفرائض والنوافل ما يكون من ضرورة مراعاة الترتيب، من مراعاة الترتيب. فالمقام الأسمى للفريضة، والدون والمسألة دونها النافلة، النافلة. فالإنسان إذا أراد أن يبتدئ بطاعة الله جل وعلا عليه أن يحرص وأن يبذل كل ما يستطيع من قوة وما آتاه الله من قدرة على فعل الفريضة، هذا يحاول أن يتجشم عناء فعلها ولا يفرط فيها على قدر مستطاعه. ثم يحرص بعد ذلك على أداء النوافل ويستمر يحرص على أداء النوافل ويكثر من هذا الباب، هكذا تسير الأمور، لا أنك تعكس، لا أنك يا عبد الله تقدم النوافل على تقديم الفرائض، فإن هذا من الجهل العظيم. يقول حافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري قال رحمه الله تعالى: قال والمراد من التقرب بالنوافل أن يقع ممن أدى الفرائض. أي التقرب بالنوافل تكون ممن أدى الفرائض وبعد ذلك يتقرب إلى الله بالنوافل. قال: المراد من التقرب بالنوافل أن تقع ممن أدى الفرائض لا بمن أخل بها، أي لا بالذي يخل بالفرائض ويضيع الواجبات وهو يقبل على النوافل. ثم قال رحمه الله تعالى: كما قال بعض الأكابر: قال من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور. من شغله الفرض عن النفل فهو معذور؛ لأنه أدى الفرض الذي أمر الله به، فتركه للنافلة يعذر. لكن تعمل النافلة على حساب أن تترك الفرض فهذا مغرور. ومن هنا ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تلبيس إبليس عندما ذكر ما استطاع عليه الشيطان من أن يلبس على بعض المتعبدة أن دخل عليهم من هذا الباب. فذكر ابن الجوزي من حال بعض المتعبدة أنه لربما يقوم الليل ويسهر الليالي، لكن على حساب أن يضيع صلاة الفجر، وأيوم أعظم عند الله الفجر فريضة، وأما قيام الليل نافلة، فهذا من الخطأ، وهذا من تلبي، وهذا من تلبيس الشيطان على كثير من عباد الله. وقد رأينا هذا وقد أشرنا إلى ذلك قريبًا في ليالي رمضان المباركة، كيف أن من الناس من لربما يعتني عناية عظيمة بصلاة التراويح، لربما يغتسل لربما يتنظف لربما يتطيب ويلبس أحسن ما يجد من الثياب، لكن على حساب أن يضيع صلاة العشاء، وأين هذا يا عبد الله؟ أيوم أعظم عند الله؟ لو أنك صليت العشاء على حساب أنك ضيعت التراويح فأنت معذور، لكن كونك تحافظ على التراويح مقابل أنك تضيع صلاة العشاء فأنت مغرور كما قال أهل العلم، وهذا من الضلال المبين. كذلكم رابعًا مما أذكره في هذا المقام أن مما ينبغي أن يراعى في باب الفرائض والنوافل الاستمرار والديمومة، الاستمرار والديمومة. وهذا مستفاد من قول الناظم رحمه الله تعالى حيث قال: فعل الفرائض والنوافل دأبهم، أي أن هذا من عملهم الدأوب. ومن عمل الصالحين المستمر أنهم استمروا في طرق هذا الباب، ما هو فعل الفرائض مع فعل النوافل؟ أما ما يتعلق بفعل الفرائض فلا إشكال؛ لأن الفريضة واجبة وتركها تعاقب عليه، ولهذا الإنسان يلتزم بالفريضة دائمًا وأبدًا: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾. أما النافلة فهي بالمثل عليك يا عبد الله أن تحرص على النوافل على الاستمرارية؛ لأن النوافل في الحقيقة هي مما أمر الله جل وعلا بها. ولهذا أشرنا في تعريف النافلة بأنها ما أمر به الشرع ليس على وجه الإلزام، لكن النافلة مأمور بها. ولهذا يقول ربنا عز وجل: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾، أمر ربنا عز وجل بفعل الخير والمندوبات والنوافل والقربات والسنن والمستحبات من الخير الذي حث ربنا عز وجل عليه. وهكذا في قول ربنا عز وجل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾، ما هو إحسان؟ هو إحسان ليس بلازم. ومع ذلك ذكر العلماء أن الإحسان نحن مأمورون به بالجملة، أن نحسن مع الله، نحسن مع خلقه. ومن أعظم الإحسان مع الله أن تؤدي النوافل، أن تؤدي النوافل. ومن هنا إخواني في الله نعلم خطأ بعض الناس ممن يزهدون في النوافل. صحيح أن بعض جاءت الآثار الدالة على أن الإنسان لربما يترك النوافل ولا يؤديها، كما في حديث: «هل علي غيرها؟» قال: «لا، لا إلا أن تطوع»، فذكر على أن الأصل القيام بالفرائض. هذه الأحاديث وما كان من أمثالها حملها جماعة من العلماء على أن هذا إنما كان في حق حديث عهد بإسلام، من دخل قريبًا في الإسلام. فما أراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يشق عليهم أو يثقل عليهم بكثرة التشريعات، فألزمهم بأنهم يكتفوا بالفرائض، فبها خير ونعمة. لكن ليس معنى ذلك يا عبد الله أن تترك النوافل بالكلية، لا يكن لك حف منها. وهذا مما يلام عليه العبد. بذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا يفرقون بين فعل الفرائض وبين فعل النوافل في نيل الأجر والثواب، بل يفعلون كل ذلك مع بعض، كل ذلك يفعل ما يفرقون بين هذا وذاك. ومن هنا كذلكم أشار العلماء عندما تكلموا على السنن، أشار إلى ما يسمى إلى سنة مستحبة وإلى سنة مؤكدة. السنة المستحبة هي السنن الثابتة عن رسول الله تفعل تارة تترك تارة. وأما السنن المؤكدة التي حرص عليها نبينا وواظب عليها نبينا صلى الله عليه وسلم، هنا معناها سنن مؤكدة، نوافل إلا أن العلماء كانوا يعيبون على الناس تركها. حتى سئل الإمام أحمد عن رجل كان يترك صلاة الوتر، قال: إنه رجل سوء، إنه رجل سوء. معناها نافلة نافلة، لكنها سنة مؤكدة، واظب عليها نبينا في حل وترحال وفي أسفار ما تركها. ولهذا إخواني في الله من الخطأ العظيم ما نرى من تهاون كثير من الناس من طرق باب النافلة. تجد مثلًا من الناس من يدخل إلى المسجد ما يركع تحية المسجد، لو سلمنا جدلًا على أنها نافلة، يأتي ويجلس، أو أخل ربما إذا سلم الإمام لربما ما يأتي بالأذكار التي بعد الصلاة، فضلًا عن السنن القبلية، فضلًا عن السنن البعدية. أو من الناس من ربما يصوم رمضان وبعد آخر يوم من رمضان لا يعاود الصيام إلا في السنة الثانية، ما عنده شيء من النوافل. لا يا عبد الله هذا ليس من سبيل أهل الصلاح، ولا من سبيل أهل الكرامة والولاية. ولهذا أشار الناظم رحمه الله تعالى في هذا البيت في حال السائرين إلى الله بقوله قال: فعل الفرائض والنوافل دأبهم، أي هذا دأبهم المستمر. ثم أشار رحمه الله تعالى في آخر البيت إلى مسألة عظيمة فقال: مع رؤية التقصير والنقصان، أي أن هؤلاء مع ما كان من دأبهم وعملهم المستمر في فعل الطاعات من فعل الفرائض والواجبات والإكثار من النوافل والسنن والمستحبات، إلا أنهم مع ذلكم كله يرون أنهم لا زالوا مقصرين في حق ربهم، مقصرين في حق ربهم. يفعلون ما يفعلون ويرون أنهم ما فعلوا شيء كما قال ربنا عز وجل: ﴿الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾. جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت في معنى هذه الآية: يا رسول الله، أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا يا بنت الصديق، بل هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل ذلك منهم». سبحان الله، هم على قمة في العبادة، قمة في الطاعة من الفرائض والنوافل، يصومون يصلون يتصدقون، ومع ذلك يخافون أن لا يتقبل ذلك منهم، عندهم خوف عندهم رؤية النقص والتقصير في أفعالهم، يخافون أنه ما صنعوا شيئًا عند الله عز وجل أو أن أعمالهم فيها قصور ونقص. مر معنا قريبًا في رمضان كيف كان من شأن الصالحين قبل رمضان يدعون الله ستة أشهر في أن يدركهم رمضان، فإذا أدركوا رمضان دعوا الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان، يدعون الله عل وعسى أن الله يتقبل منهم الصيام والقيام وما كان من التهجد وقراءة القرآن. وكان من عبارات السلف رحمهم الله تعالى أنهم كانوا يقولون: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا من العمل. إن الله يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾، كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا من العمل. ليس الشأن يا عبد الله أن تعمل، ليس هذا الشأن، أنت ستعمل بإذن الله، لكن الشأن كل الشأن هل يتقبل الله منك هذا العمل؟ لأن من الناس أناس من عملوا وعملوا وفعلوا ورد الله أعمالهم على وجوههم. ولهذا قالوا: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا من العمل. إن الله يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾. وإن حال الصالحين في إزاء هذا المقام مع كثرة أعمالهم وطاعاتهم ومع ذلك رؤية التقصير يقع من أنفسهم، ما الذي يولد؟ يولد مدى افتقارهم إلى الله وشد تعلقهم بسعة رحمة الله، وما يكون من هضم أنفسهم، لا عجب لا فخر لا خيلاء لا رياء لا طلب سمعة. وإنما هذا يجعلهم من أشد الناس استمرارًا على العمل الصالح. فالشاهد إخواني في الله أن هذا البيت الذي أشار إليه الناظم فيه بيان لعظيم ما يتمتع به أهل الولاية وأهل المقامات العلى، أنهم حرصوا على فعل الفرائض والنوافل مع رؤية التقصير. فقال رحمه الله: فعل الفرائض والنوافل دأبهم مع رؤية التقصير والنقصان. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.