الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور كيف زيّن الله حب الشهوات من نساء وبنين وأموال ابتلاءً للناس، ويوضح الفرق بين طريق الشهوات المزين وطريق الطاعة المليء بالمكاره، مستدلاً بالآيات والحديث النبوي: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات»، وحديث جبريل عليه السلام في خشيته على دخول الجنة والنجاة من النار.
يوضح كيف انقادت النفوس للشهوات المزينة فصارت عبيداً للدنيا وجعلتها أكبر همها، مبيناً أن هذه الملذات متاع قليل زائل، بينما عند الله حسن المآب والثواب الدائم للمتقين.
يؤكد أن متاع الحياة الدنيا زائل لا محالة، وأن الله تعالى عنده حسن المرجع وحسن الأجر لمن أطاعه وسار على مرضاته، مشيراً إلى استكمال بيان الآيات في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۚ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَونَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾. يقول رحمه الله: أخبر تعالى في هاتين الآيتين عن حالة الناس في إيثار الدنيا على الآخرة، وبين التفاوت العظيم والفرق الجسيم بين الدارين. فأخبر أن الناس زُيِّنت لهم هذه الأمور، فرمقوها بالأبصار واستحلوها بالقلوب، وعكفت على لذاتها النفوس. وهذا من الابتلاء: أن جعل الله عز وجل هذه الشهوة في قلوب الناس ابتلاءً، فجعل لهم طريق الشهوات وطريق الطاعات. وطريق الشهوات فيه ما زينه الله عز وجل للناس للنفس، أي مما تحبه النفس من الشهوات. وطريق الآخرة مليئة بالمكروهات التي تكرهها النفس، وهي طريق الطاعة. وهذا يدل عليه ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». حُفَّت الجنة بالمكاره أي الأمور التي تكرهها النفس، وزين الله عز وجل للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة. أن الأشياء التي تحبها النفس: أولاً النساء، ﴿ مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ﴾. والبنين: أي أولاد الشخص، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾. قد يصرف العبد بسبب ابنه، بسبب أولاده، كما قال الله عز وجل عن بعض من وصفه في سورة التحريم... أو قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾. هذه كلها شهوات، أو هذه الشهوات التي تحبها النفس. وليس المراد هنا الشهوات فقط ما يكون للنساء، لا، المراد بالشهوات هو العموم: عن شهوة الفرج، وشهوة البطن، وشهوة النفس، أي ما تحبه النفس في هذه الحياة. فالنفس غالباً زُيِّن لها أولاً النساء، وكثرة الأولاد والبنين، وكذلك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، معناه: الأموال الكثيرة التي تكون من الذهب والفضة. وكذلك أيضاً زُيِّن لهم الخيل المسومة والأنعام والحرث. كل ذلك زيناء للناس. فهذه نفس تحب هذه الشهوات، فجعلت الجنة حُفَّت بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات، أي الأشياء التي تحبها النفس. وكما أخرج أيضاً أحمد والترمذي عن أبي هريرة أن الله عز وجل لما خلق الجنة والنار قال لجبريل: «انْظُرْ إِلَيْهِمَا». فنظر جبريل للجنة فقال: «وَاللَّهِ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا». ونظر إلى النار فقال: «وَاللَّهِ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا هَرَبَ مِنْهَا»، أو كما جاء في الرواية. ثم إن الله عز وجل جعل للجنة مكاره، وجعل للنار شهوات. فلما رأى جبريل قال: «يَا رَبِّ، خَشِيتُ أَلَّا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ» - أي في الجنة - «خَشِيتُ أَلَّا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ بِسَبَبِ الْمَكَارِهِ الَّتِي وُضِعَتْ أَمَامَهَا». ولما نظر إلى النار قال: «خَشِيتُ أَلَّا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ، خَشِيتُ أَلَّا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ لِكَثْرَةِ الشَّهَوَاتِ». فللهذا فالله عز وجل جعل لهذه النفس أموراً تحبها في هذه الحياة، لكن هناك أمور ابتلى الله عز وجل بها عباده وأمرهم بطاعته. أيرى حل ينقاد إليه سبحانه وتعالى الذي خلقهم ورزقهم وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، أم أنهم ينقادوا إلى شهواتهم وملذاتهم؟ قال: والفرق الجسيم بين الدارين، فأخبر أن الناس زُيِّنت لهم هذه الأمور، فرمقوها بالأبصار واستحلوها بالقلوب، فنظروا إليها واستحبتها قلوبهم، وعكفت على لذاتها النفوس. كل طائفة من الناس تميل إلى نوع من هذه الأنواع: من الناس من يحب النساء، سواء كان بالحلال أو بالحرام. ومن الناس من يحب كثرة الأولاد، ويفتخر بذلك. ومن الناس من يحب الأموال، يحب الأموال سواء كان من الذهب والفضة أو من الخيل أو من الأنعام والحرث، معنى الزراعة. فكل الناس، أو كل واحد، أو كل طائفة أحبت شيئاً من هذه الأمور. وبعض الناس يحب هذه الأشياء كلها. لكن الله عز وجل جعل غالباً لكل نفس أن تتوجه إلى شيء من هذه الأمور، وأحياناً يكونوا إلى شيئين، وأحياناً إلى ثلاثة أشياء من هذه الأمور، وأحياناً كما قلنا إلى أكثرها أو كلها. فهؤلاء أصحاب الطمع، الغالب أنهم يحبون الأموال كثيراً، ويحبون النساء، ويحبون أيضاً كذلك كثرة الأولاد، وغيرها من هذه الأمور التي ذكرها الله عز وجل، فيحب أن يكون له كل صنف من المال. قال: وعكفت على لذاتها النفوس. كل طائفة من الناس تميلوا إلى نوع من هذه الأنواع، قد جعلوها هي أكبر همهم ومبلغ علمهم، كما جاء في الدعاء في الحديث، حديث صحيح في الدعاء: «وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا». ولكن هؤلاء جعلوا أكبر همهم الدنيا، حتى صاروا عبيداً للدينار والدرهم. قال: وهي مع هذا متاع قليل منقض في مدة يسيرة. قال: فهذا متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب. هذه الأشياء هي متاع الحياة الدنيا، والله عز وجل عنده حسن المرجع، وحسن أيضاً للأجر عندما يأجر العبد إذا كان موافقاً لطاعته، وكذلك سائراً على مرضاته سبحانه وتعالى. هذه الآية - إن شاء الله تعالى - والآية الأخرى نتركها لدرس قادم. فاكتب بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر