الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آيات سورة آل عمران (12-13) التي تبشر المؤمنين بغلبة الكفار وتحذرهم من مصير جهنم، مستشهداً بمعركة بدر الكبرى. يؤكد الحديث النبوي مخاطباً قتلى قريش في القليب صدق الوعد الإلهي بنصر المؤمنين.
خرج المشركون في غزوة بدر بطراً ورئاء الناس معتمدين على كثرتهم، لكن الله أيد المؤمنين القلة فنصروهم رغم قلة العدد والعتاد. كان موقف سعد بن معاذ رضي الله عنه حاسماً في تثبيت القلوب، والعبرة أن الغلبة من عند الله لا بالكثرة ولا بالخيلاء.
يستعرض المقطع عبرة غزوة بدر وما تلاها من وقائع كالقادسية واليرموك، حيث انتصرت جيوش المسلمين القليلة على جيوش الكفر الكثيرة بفضل الإيمان والصبر. يصدق ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةٍ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
ذكر النص أن الله أيد أهل الإيمان بإرسال الملائكة الذين يضربون وجوه الكفار وأدبارهم، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. وهذا التأييد الغيبي كان من أسباب انتصار القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. يقول رحمه الله: هذا خبر مبشرى للمؤمنين وتخويف للكافرين أنهم لا بد أن يغلبوا في هذه الدنيا، وقد وقع كما أخبر الله عز وجل، فغلبوا غلبة لم يكن لها مثيل ولا نظير. هذه بشرى لأهل الإيمان يزفها ربنا سبحانه وتعالى، وتخويف للكافرين. وكذلك أيضًا إنذار لهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. معناه: لا بد أنكم تغلبون في هذه الحياة الدنيا، وقد وقع كما أخبر الله عز وجل، فغلبوا غلبة لم يكن لها مثيل. والظاهر يريد ما حصل في بدر؛ لأن هذه الآيات نزلت قبل بدر، فبين الله عز وجل ووعد أو بشر أهل الإيمان بأن هؤلاء الكفار سيغلبون ويحشرون إلى جهنم. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر أن يلقى قادة قريش وكبارهم في البئر، فجاءهم النبي عليه الصلاة والسلام وقد ألقوا في البئر، وهو القليب، قليب بدر، والقليب هو البئر القديمة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام مخاطبًا لهم: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا»، أي: من النصر عليكم ومن الغلب عليكم. فقد وجد أهل الإيمان هذا الوعد الذي وعدهم الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. فقال: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟» أي: أنكم غلبتم وهزمتم، وأيضًا ستحشرون إلى جهنم كما ذكر ربنا جل وعلا. قال رحمه الله: وجعل الله تعالى ما وقع في بدر من آياته الدالة على صدق رسوله، وأنه هو على الحق وأعداؤه على الباطل، حيث التقت فئتان: فئة المؤمنين لا يبلغون إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، مع قلة عددهم. وكان هذا عدد أهل بدر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخرج لقتال قريش، وإنما خرج لأجل العير، عير التي كان فيها أبو سفيان، لكنها أخطأتهم العير، وجاءت قريش بخيلها ورجلها، وأيضًا جاءوا بكبرائهم، فكان هزيمتهم في ذلك المكان في بدر. ظنوا أنهم سينتصرون على الإسلام، وخرجوا ألفًا، أو ما بين الألف والتسعمائة. وأكثر الروايات أنهم ألف. خرجوا بطرًا ورئاء الناس، كبر فيهم وغطرسة، وظنوا أنهم سيهزمون أهل الإسلام، وأنهم قليل، وأن قريشًا لا يجاريها أحد، فخرجوا بطرًا ورئاء الناس كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى. فحزمهم الله عز وجل، وجعل هذه الفئة القليلة تغلب هذه الفئة الكثيرة، مع أنهم كلهم من قبائل متقاربة. إن أكثر ما كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في بدر من المهاجرين، وكلهم من هذه القبائل التي من قريش، أو أكثرهم، وكذلك أهل الأنصار رضي الله عنهم. فكانت قريش توصف بالقوة والغلبة، وكذلك أيضًا عدم هزيمتها، لكن الله عز وجل أذلهم في بدر. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾. آية عظيمة وعبرة: فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأي العين. معنى "مثليهم": أهل الإيمان ثلاثمائة وبضعة عشر، وهؤلاء ألف. معنى "مثليهم": ثلاث مرات مثلهم. لكن ليس هذا المقياس الذي تقاس به الغلبة، بل قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. فليست الغلبة بالكثرة، وليست الغلبة بالخيلاء، وليست الغلبة أيضًا بفلان أو فلان، وإنما الغلبة من عند الله جل وعلا، والفوز أيضًا، والهزيمة تكون بيد الله عز وجل. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. قال رحمه الله: قال: وفيات الكافرين يناهزون الألف، مع استعدادهم التام في السلاح وغيره، وكما قلنا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج لحرب، فلذلك لم يتجهزوا للحرب، وإنما خرجوا للعير. قال: فأيد الله. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم قبل أن يقاتل. فلما تأكدوا أن جيشًا من قريش جاء، جمع النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة واستشارهم في القتال: أي هل يقاتلون أو لا؟ لأن البيعة كانت أنهم يحمونه في بلادهم، والآن خرج النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة، فلذلك استشارهم. فتكلم أبو بكر، وتكلم عمر، وتكلم المقداد، حتى تكلم سعد بن معاذ، فسرى عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يريد الأنصار. أما المهاجرون فهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الأنصار إنما بايعوه على أن يحموه في المدينة، ولم يبايع النبي صلى الله عليه وسلم على أنهم يقاتلوا معه خارج المدينة. فلذلك استشارهم، فتكلم سعد بن معاذ رضي الله عنه بكلام عظيم حتى سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستنار وجهه صلوات الله وسلامه عليه. فلما رأى ذلك قال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». قال رحمه الله: فأيد الله المؤمنين بنصره، فهزموهم بإذن الله. ففي هذا عبرة لأهل البصائر. وفي هذه الآيات خاصة في سورة آل عمران، ذكر ربنا جل وعلا بعض ما حصل في بدر. سنذكر إن شاء الله تعالى ما ذكره الله عز وجل في هذه الحادثة. قال رحمه الله: قال: ففي هذا عبرة لأهل البصائر. فلولا أن هذا هو الحق الذي إذا قابل الباطل أزهقه واطمحل الباطل، لكان بحسب الأسباب الحسية الأمر بالعكس. وهذا تجد في أكثر الحروب التي خاضها الإسلام، سواء كان في صدر الإسلام أو بعد ذلك، وفي الفتوحات. تجد أن أهل الإسلام يواجهون جيوشًا عظيمة وكبيرة، وكذلك قوة ليس لها نظير في ذلك الوقت، لكن الله عز وجل يكسرهم بهؤلاء أهل الإيمان، ويجعل الهزيمة عليهم. بل في القادسية، كما سمعتم، وكذلك في اليرموك، وفي غيرها من الوقعات التي قابل فيها الإسلام الروم أو الفرس، كانوا بأعداد كبيرة جدًا، حتى أنه أضعاف أضعاف، ليس كما ذكر الله عز وجل أن الواحد بعشر، بل أكثر من ذلك. لكن الله عز وجل يجعل الخوف في قلوب الكفار، فيهزمهم أهل الإسلام بإيمانهم. وإلا لو كانت القوة المادية أو القوة التي يعطاها الرجل لكانت الهزيمة عليهم، لأن هؤلاء قد تكون قوتهم أكثر، وأجسامهم أكبر، وكذلك أيضًا تدريبهم أكثر، وعددهم كثير جدًا. لكن الله عز وجل يلقي الرعب في قلوبهم، فيأتي الجيش من أهل الإيمان وأهل الإسلام فيغلبون. وهذا كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فكان أهل الإسلام يصبرون؛ لأنهم إما أن يستشهدوا فيدخلون الجنة، وإما أن تكون الغلبة لهم، وأيضًا الفوز لهم. فلذلك ينعمون بما أعطاهم الله عز وجل من الغنائم وغيرها. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هؤلاء هم أهل الإسلام، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، أن ينظرون إليهم: هؤلاء ثلاثمائة، وهؤلاء تسعمائة وألف. معنى "مثليهم": ليس ضعفهم، بل "مثلي" معنى ثلاث مرات مثلهم. لكن ليس هذا المقياس الذي تقاس به الغلبة، بل قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا دليل من دلائل نبوة الله، أو نبوة هؤلاء الأنبياء، وما أرسل الله عز وجل معهم. لأن مثل هذه الأشياء: غلبت هذه الجيوش الكبيرة والمتدربة. هذا الأصل أن هؤلاء هم الذين يغلبون، وهم الذين أيضًا يكون لهم الفوز، إذا كانت الأمور مادية. لكن لأن الأمر من الله سبحانه وتعالى، والأمور بيده سبحانه جل وعلا، فكان يجعل الفوز للمؤمنين، والغلبة على الكافرين. وقد أيد الله عز وجل كما سيأتي: أيد الله عز وجل أهل الإيمان بالملائكة، يضربون وجوه الكفار وأدبارهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. فهذا ما يذكر في هذه الآيات، والله تعالى أعلم.