الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن دعاء الراسخين ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يعكس يقينهم التام بالبعث والجزاء، وربطهم بين الثبات على الهداية في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة. ويبين أن صبرهم على طاعة الله ويقينهم بوعده أهلهما ليكونوا أئمة يُقتدى بهم.
يبيّن المقطع أن الإيمان بالبعث والجزاء واليقين التام بموعود الله أصل صلاح القلوب وأساس الرغبة في الخير والرهبة من الشر، وأن اليقين هو أعظم الصفات التي أثنى الله بها على الراسخين في العلم وجعلهم أئمة يُقتدى بهم. كما يستشهد بحديث النبي ﷺ في طلب العافية بعد اليقين، وبحال السلف الذين بلغوا من اليقين مبلغاً لا يستطيعون معه زيادة عمل لو علموا بموتهم غداً.
يبيّن المقطع أن اليقين الراسخ بوعد الله ووعيده كان المحرك الرئيس لأعمال السلف الصالح، فدفعهم إلى شدة العبادة، وخوف النار، وحب الشهادة، وترك النوم خوفاً من هول المطلع. وتجسّد ذلك في سير سفيان الثوري، وسليمان بن يسار، والنبي صلى الله عليه وسلم، واختُتم بأن العلم النافع هو الذي يورث خشية الله ويقرب العبد إليه.
تذكر أم سفيان الثوري ابنها بأن العلم الحقيقي هو ما يزيد صاحبه طاعة لله ويبعده عن المعاصي، وتحثه على عدم التعب في طلب علم لا يثمر تقوى. ويؤكد المتحدث أن طالب العلم المسلم يجب أن يجتهد في طلب العلم الذي يقربه إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩]، قال العلامة السعدي رحمه الله: «هذا من تتمة كلام الراسخين في العلم، وهو يتضمن الإقرار بالبعث والجزاء واليقين التام، وأن الله لا بد أن يوقع ما وعد به». وذلك أنهم بعد أن دعوا الله عز وجل لتثبيت قلوبهم، وأن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، أيضاً تذكروا أمراً عظيماً: أن هذا الدعاء الذي دعوه أولاً هو دعاء في هذه الحياة، وأعظم نعمة وأعظم مطلب في هذه الحياة هو الهداية إلى دين الله جل وعلا والثبات عليه. ثم أنه أيضاً يحتاج إلى دعاء ليوم القيامة، وهذا من فقه هؤلاء الذين رسخوا في العلم؛ فأولاً طلبوا من الله عز وجل الثبات على دينه وعلى هذه الهداية التي هداهم إليها، وهذا يحتاجه في الدنيا حتى يصلوا إلى رضا الله جل وعلا. ثم أيضاً طلبوا من الله سبحانه وتعالى أن يجازيهم على هذا يوم القيامة، وأنهم في ذلك اليوم سيستفيدون من هذه الهداية والثبات عليها، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، فبالثبات على هذا الحق وهذه التقوى، فبهذا الثبات على دين الله وعلى الهداية ينال العبد جنات الله جل وعلا. فباليقين والصبر على طاعة الله عز وجل نالوا الدرجات العلى، وصاروا أئمة يُقتدى بهم في هذه الحياة، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فهم عندهم يقين عظيم بوعد الله جل وعلا وموعوده، ويعلمون أن الله لا يخلف الميعاد، هذا اعتقاد راسخ عندهم، فلذلك صبروا على الثبات على دينه، صبروا على طاعته وصبروا عن معصيته، فلذلك أدركوا هذا المنزلة العظيمة، أن الله عز وجل وصفهم بالرسوخ في العلم، والراسخون في العلم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ثم ذكر دعائهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وهذا هو اليقين، والأول الصبر والثبات على دين الله. قال: «هذا من تتمة كلام الراسخين في العلم، وهو يتضمن الإقرار بالبعث والجزاء واليقين التام، وأن الله لا بد أن يوقع ما وعد به، وذلك يستلزم وجوبه ومقتضاه من العمل والاستعداد لذلك اليوم، فإن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلوب، لأن القلوب إذا استيقنت بهذا صلحت، وقلب المؤمن بحسب يقينه، كلما ازداد يقينه في الله وفي وعده زاد إيمانه». ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي بكر في أول المسند، وهو حديث صحيح جاء من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خطب في الناس فقال: «إن النبي عليه الصلاة والسلام قام عام الأول فقال: "سلوا الله العافية، فإنه لم يُؤْتَ أحد بعد اليقين من العافية"». أنا ما أعطى الله عز وجل أحداً بعد اليقين شيئاً من الصفات العظيمة كالعافية، فلذلك قال: «سلوا الله العافية»، العافية في كل شيء، في المال، في الجسد، والتعفف عن المحارم، فلذلك قال: «لم يُؤْتَ أحد بعد اليقين، بعد اليقين»، فشاهدنا هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بعد اليقين»، فإذا وجد اليقين وجدت الأشياء العظيمة بعد. فلذلك فأهل الرسوخ دعوا الله عز وجل وأيقنوا بموعود الله، فلذلك لما أيقنوا صبروا وثبتوا على دين الله عز وجل، وثبتهم الله سبحانه وتعالى على دينه، ووصفهم بالرسوخ في العلم جل وعلا، وجعلهم أئمة يُقتدى بهم الناس ويهتدون بهديهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. قال: «والجزاء أصل صلاح القلوب، والإيمان بالبعث واليقين أصل صلاح القلوب، وأصل الرغبة في الخير والرهبة من الشر، اللذين هما أساس الخيرات، ولهذا من أعظم منازل الإسلام الإحسان، لأن الإحسان هي غاية اليقين، يعبد الله كأنه يراه». فاليقين ثابت، ومن أعظم الأمور، وهو الذي من أعظم الصفات التي ذكرها الله عز وجل في أول سورة، في أول سورة البقرة، صفاتهم الإيمان، ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، فهذا فاليقين عظيم في دين الله عز وجل. وهذا اليقين هو الذي جعل أولئك أئمة من الأنبياء والصالحين على هذه المثابة من العمل الجاد والعمل لله عز وجل، حتى لو قيل لأحدهم: «إنك ستموت غداً»، ما وجد متسعاً لأن يعمل أكثر مما يعمل. وهذه الكلمة قيلت في كثير من السلف، في حماد بن سلمة، في أحمد بن حنبل، وجماعة من السلف، قيلت فيهم هذه الكلمة، لماذا؟ لأنهم عندهم اليقين التام بموعود الله جل وعلا، فهم يعبدون الله عز وجل على يقين عظيم، وأن الله عز وجل سيؤجرهم على هذا العمل، فحتى لو قيل لأحدهم: «ستموت غداً»، لا يستطيع أن يزيد في عمله، لا يستطيع أن يزيد في عمله. فهذا هو اليقين الذي أورثهم ذلك، وكذلك أيضاً ما كان عليه من شدة العمل العظيم وشدة المحبة لدين الله، هذا كله أورثهم ذلك اليقين الذي عندهم. كذلك الجهاد في سبيل الله، كانوا يجاهدون ويحبون أن يستشهدوا، يحبون الموت، لماذا؟ لأنه على يقين بوعد الله جل وعلا، فلذلك صارت أعمالهم بالنسبة لنا كالخيال، لما تقرأ في كتب الصحابة رضي الله عنهم ومن التابعين ترى أن هذا مثل خيال، لكنه واقع وصحيح، وما الذي جعلهم بهذه المثابة؟ هو اليقين الذي عندهم، هو اليقين الذي عندهم. قال عبد الله المبارك: «كنا نجلس إلى سفيان الثوري وكأن النار قريبة منا، كأن النار عندنا من كثرة خوفه رحمه الله، وكان يقول: إذا نام لا يستطيع النوم، كلما نام قام وقال: النار، النار، لم أستطع أنام»، معناه لشدة يقينه، لأن هناك ناراً. وهذا أيضاً ما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الليل ويقول: «يا أيها الناس، جاءت الواجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه». فلذلك كان تجد أحدهم يترك النوم، مثل ما ذكروا عن سليمان بن يسار، وتعلمون ذاك الشعر فيه: ذهبت دولة أهل البدع وهاب لهم *** ثم انقطع وتداعى جمعهم جمع وإبليس الذي كان جمع *** فقلت لهم: هل لهم يا قوم من فقيه أو إمام يتبع مثل سفيان أخي الثور *** الذي علم الناس دقيقات الورع أو سليمان أخي التيم *** الذي ترك النوم لهول المطلع أو فتى الإسلام أعني أحمد *** ذاك لو قارعه القرع قرع أنا ترك النوم لهول المطلع، قال: أنه ترك النوم شهراً، لم ينم، فالإنسان لا يستطيع أن يترك النوم ثلاثة أيام، فيأتيه الهلوسة وكذا، وهذا ترك النوم شهراً كاملاً، لأنه عود نفسه على هذا، واليقين الذي في قلبه أطفأ عنده كل شيء وكل إحساس. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «إني مناجٍ من لا تناجون»، فمناجات الله عز وجل من اليقين العظيم الذي في قلوب أهل الطاعة وقلوب أهل الرسوخ في العلم. ولهذا لما قال عبد الله بن أحمد لأبيه: «يا أبت، إن معروفاً -أي معروف الكرخي- لا أراه في العلم شيئاً»، فقال: «اسكت يا بني، معروف عنده العلم كله»، وقال: «معروف عنده العلم، العلم هو خشية الله»، كما قال رحمه الله، فقال: «معروف عنده العلم كله، وقال: عنده رأس العلم وخشية الله جل وعلا، العلم الذي لا يقربك إلى الله فليس بعلم صحيح، وليس بعلم نافع لك، وإنما العلم الذي يقربك إلى الله هو العلم الصحيح الذي يوصلك إلى الله». لهذا كانت أم سفيان الثوري تقول له: «يا بني، تعلم العلم، إن رأيته يزيدك طاعة فهذا العلم الذي يرفعك»، كما قالت رحمها الله، وجاء في بعضهم قال: «فكانت تقول له: إن لم تره يزيدك طاعة فلا تتعب نفسك». فلذلك المسلم طالب العلم يجتهد في طلب العلم الذي يقربه إلى الله، الذي يباعده عن المعاصي وغيرها. طيب، إن شاء الله تعالى هذا ما يذكر بتفسير هذه الآية، والله تعالى أعلم.