الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ بشرح تفسير العلامة السعدي لبداية سورة آل عمران مبيناً أنها مدنية بالكامل وقاعدة التمييز بين المكي والمدني. ثم يتناول الحروف المقطعة (الم) باعتبارها من المتشابه الدال على إعجاز القرآن وعجز البشر عن معارضته.
يفصل المقطع معنيي الاسمين العظيمين (الحي القيوم) دالّين على كمال حياة الله وقيوميته على خلقه بتدبيره وإحاطته. كما يصف القرآن بأنه كتاب حق مصدق للسابق وهداية للناس وفرقان بين الحق والباطل مع التحذير من عذاب الكافرين.
يوضح معاني اسمي الله (العزيز الحكيم) من خلال مراحل خلق الإنسان وإحاطة علم الله تعالى. ويبين أن السورة افتتحت بتوحيد الله وعظمته، واحتوت على الحجج القاطعة لإبطال أديان اليهود والنصارى وإظهار حقية الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسير سورة آل عمران: وهي مدنية، أي كلها مدنية. والمراد بمدنية: أي نزلت بالمدينة. والصحيح عند أهل العلم في المدني والمكي: أن ما كان قبل الهجرة فهو مكي، وما كان بعد الهجرة فهو مدني، ولو نزل في مكة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بعد الهجرة في عمرة القضاء، وجاء كذلك في الفتح، وجاء في حجة الوداع، وأكثر من ذلك. فالآيات التي تنزل في مكة بعد الهجرة تسمى أيضا مدنية، وما كان قبل الهجرة فهو مكي. قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الم * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقول رحمه الله: "ألف لام ميم" من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله. وهذه الحروف المقطعة في بداية السور، في قول من قالها من أهل العلم: أنه لا يعلمها إلا الله، أي من المتشابه التي لا يدرى ما المراد بها. وبعض أهل العلم فسرها، لكن لا شك أن هذه الحروف تدل على إعجاز هذا القرآن العظيم. كما قال كثير من المفسرين: أن هذه الحروف تدل على أن هذا الكتاب العظيم الذي تحدى الله عز وجل به البشر، بل تحدى به الثقلين الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يستطيعون أن يأتوا بمثله. ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. فهذا القرآن العظيم الذي أوحاه الله عز وجل إلى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو مكون من هذه الحروف التي يتكلمون بها. ونزل هذا القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على أفصح الفصحاء، هم أهل العربية أهل اللغة، وتحداهم الله عز وجل أن يأتوا بسورة من مثله، سورة قد تكون صغيرة، قد تكون كبيرة، فلم يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثله، وهذا لإعجازه ولعظمته. فهذه الحروف هي مكون منها هذا القرآن، لكنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولا يأتوا بسورة من مثله. قال رحمه الله: فأخبر تعالى أنه الحي، كامل الحياة، القيوم، القائم بنفسه، المقيم لأحوال خلقه. وقد أقام أحوالهم الدينية وأحوالهم الدنيوية. ومعلوم أن الإمام السعدي رحمه الله يهتم بتفسير الأسماء، أسماء الله عز وجل، وكذلك صفاته، لأن هذه الأسماء لها حقائق عظيمة ومعاني جميلة. فقوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، هذه كلمة التوحيد وإثبات توحيد الله عز وجل. ثم ذكر اسمين من أسمائه جل وعلا: الحي القيوم. الحي: الذي اتصف بصفة الحياة، وصفة الحياة هذه حياة كاملة، لم تسبق بعدم، وليس لها أيضا زوال، فهي حياة كاملة. بخلاف غيره من المخلوقات سبحانه وتعالى، فإن حياتهم تبدأ بعدم وتنتهي بزوال، فلذلك فهي فيها نقص في كل المخلوقات. لكن الله سبحانه وتعالى حياته كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه. وهو القيوم سبحانه وتعالى، أي القائم بنفسه، المقيم لأحوال خلقه، أنا بشؤون خلقه سبحانه وتعالى. كل يوم هو في شأن: يخلق ويرزق، وأيضا يعافي ويبتلي، وغيرها من الأحوال الدينية والأحوال الدنيوية والقدرية. قال: فأنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكتاب بالحق الذي لا ريب فيه، وهو مشتمل على الحق، أنزله بالحق، وهو أيضا لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ليس فيه شيء من الباطل أبدا، بل كله حق. قال الله عز وجل: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أي من الكتب، أي شهد بما شهدت به، ووافقها، وصدق من جاء بها من المرسلين. أي هذا الكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب التي تقدمت، فهو يؤيد ما جاءت به الرسل من توحيد الله جل وعلا، وكذلك مما أيدهم الله عز وجل به من الوحي، وكذلك أيضا من الأقوال والأخبار التي قالوها، فهذا الكتاب يصدقها ويؤيدها ويؤكد عليها. وأما الشرائع فهي تختلف أحيانا: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. وأما الأشياء التي تحتاج لتصديق من الأقوال والعقائد، فهذا الكتاب يصدق هذه الأشياء، ويأتي بمصداقها، ويأتي بما يؤيدها ويؤكدها. قال رحمه الله: وكذلك أنزل التوراة والإنجيل من قبل هذا الكتاب هدى للناس، كما أنزل التوراة والإنجيل هداية للناس، فكذلك أنزل هذا الكتاب. وأكمل الرسالة وختمها بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق من الضلالات، واستنقذهم به من الجهالات، وفرق به بين الحق والباطل، والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم. فالذين آمنوا به واهتدوا، حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل. وهذا هو قوله جل وعلا: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾، فهو كتاب هداية، جعله الله عز وجل هدى لمن تمسك به واعتصم به. ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، أي التي أرفع وأعظم. إن الطريق الصحيحة هي في هذا الكتاب العظيم، طريق العزة، طريق العزة وطريق الكرامة، وطريق النجاح والفلاح في هذا الكتاب العظيم. هو هدى للناس، هداية عظيمة، يهدي به الله عز وجل من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور. قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، أي التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله. هذه الآيات التي كذب بها هؤلاء، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾، أي لمن خالفه وعصاه. كما أنه رحيم سبحانه وتعالى بالمؤمنين، لكن من خالفه وعصاه فهو جل وعلا شديد الانتقام. فقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، أو ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. قال المفسر السعدي رحمه الله: ومن تمام قيوميته تعالى أن علمه محيط بالخلال، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، حتى ما في بطون الحوام. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، من ذكر وأنثى، وكامل الخلق وناقصه، متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته. في هذه الأطوار التي ذكرها الله عز وجل: من تراب، ثم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم بعد ذلك العظام، ثم يكسوها لحما، ثم بعد ذلك ينشئ هذا الإنسان نشأة عظيمة بخلقته التي خلقه الله عز وجل عليها في أحسن تقويم. قال: فمن هذا شأنه مع عباده، واعتناؤه العظيم بأحوالهم من حين إنشائهم إلى منتهى أمورهم، لا مشارك له في ذلك، فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو. وهذه السورة، سورة آل عمران، بدأها ربنا جل جلاله بتوحيده سبحانه وتعالى وبيان عظمته. وهذه السورة، غالبها تتكلم على حجة أهل الإسلام على اليهود والنصارى، حجة أهل الإسلام على اليهود والنصارى، والحجج التي تبطل دين اليهود والنصارى، وتظهر دين الإسلام وأنه الدين الحق. فلذلك تجد فيها كثيرا من هذا الباب، وفضح أهل الكتاب، وأنهم معادون لأهل الإسلام، بل ومعادون لما عليه، أو لما كان عليه، أو لما كانوا في كتبهم مما ذكره الله عز وجل، ومما أمرهم الله سبحانه وتعالى به. فلذلك فهي جاءت بالحجة على أهل الكتاب. وأعظم سورة في حجة الله عز وجل على أهل الكتاب، خاصة لليهود والنصارى، في هذه السورة: آل عمران. وبدأها سبحانه وتعالى بتوحيده وعظمته سبحانه وتعالى، وبيان أنه هو المستحق للعبادة جل وعلا، لما قام به سبحانه وتعالى من خلقه، وكذلك أيضا من إنعامه، وكذلك أيضا من إرساله هذه الكتب العظيمة لهداية الناس. قال الله عز وجل: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي الذي قهر الخلائق بقوته. أن العزيز من عز يعز إذا قوي وظهر، وأيضا كذلك العزيز من عز يعز إذا عز جنابه سبحانه وتعالى وعظم، واعتز سبحانه وتعالى أن يوصف بنقص أو ينعت بذنب. واسم الله العزيز له معنى العزة: تأتي بمعنى القوة والشدة، ومعنى أيضا منع الجناب أو عظمته. من كان يريد العزة فلله العزة جميعا. من يريد أن يعظم أمره، فليكن من أكرم الناس، فيكون متبعا لكتاب الله وسنة الرسول، فهي فيها العزة، وهي هنا ضد الذل. وأيضا كذلك معنى ثالث في العزة: وهو الشيء الذي قل وجوده. لكن هنا ليس المقصود، وإن كان بعض أهل العلم يقول: المراد حتى وإن قصد، فإنه يراد به أن الله عز وجل واحد لا شريك له، وليس مثله شيء، فلذلك فهو العزيز سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَالْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه. إن حكيم في خلقه لما خلقهم سبحانه وتعالى وأنشأهم، وكذلك أيضا حكيم في شرعه جل وعلا وقضائه. ولهذا ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابه "التدمرية"، العقيدة التدمرية، في هذين الأمرين: في حكمة الله عز وجل في خلقه وشرعه، وبيان عظمة الله وتوحيده في الشرع والقدر. طيب، إن شاء الله نفتح بهذا، والله تعالى أعلم.