الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 3

الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام النوافل والفرائض

النوافل يمكن قطعها عدا الحج والعمرة، ويُفضل الاستمرار فيها إذا لم يكن هناك مصلحة في قطعها. الفرائض يجب إتمامها ولا يجوز قطعها.

حكم ارتكاب المحظورات جهلا أو نسيانا

لا إثم ولا فدية على من ارتكب محظورات الإحرام ناسيا أو جاهلا، وهذا الحكم يسري على مختلف العبادات. استدل العلماء على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.

تفريق شيخ الإسلام بين المحظور والمأمور

شيخ الإسلام فرق بين من ترك المأمور جهلا أو نسيانا وبين من فعل المحظور جهلا أو نسيانا. الأول يسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه الحكم، والثاني يسقط عنه الإثم والحكم.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمسلمين من محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة الدافعة" في ذكر الفروق والتقاسيم: من الفروق بين النوافل والفرائض أن النفل يجوز قطعه لغير سبب، إلا الحج والعمرة، فمن شرع فيهما فرضا أو نفلا وجب عليه الإتمام. هذه أيضا من الفروق الصحيحة بين الفرض والنفل، يجوز قطع النفل لغير سبب إلا الحج والعمرة، فمن شرع فيهما فرضا أو نفلا وجب عليه الإتمام، يعني من شرع في الحج أو العمرة، سواء كان فريضة أو كان نافلة، وجب عليه أن يتمهما، أن يتم الحج والعمرة، حتى لو وقع فيه مفسد من مفسدات الحج، كالجماع مثلا قبل التحلل الأول، فإنه يستمر في إتمام الحج، لقول الله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. أما غير الحج والعمرة من النوافل، كالصلاة نافلة الصلاة ونافلة الصيام، فالإنسان فيها مخير، إن شاء استمر وإن شاء قطع هذه النافلة. لكن ما هو الأفضل؟ هل الأفضل أن يستمر أو الأفضل أن يقطع النافلة أو أن الأمر في ذلك يعني سواء، إن شاء هذا وإن شاء هذا؟ الصحيح بهذا التفصيل: إن كان في قطع النافلة مصلحة فلا بأس بقطعها، وإن لم يكن هناك مصلحة فالأفضل أن يستمر، أن يستمر في هذه النافلة ولو كانت هذه العبادة نافلة، فالاستمرار فيها أفضل وأكمل. مثال الأول: إنسان صام ثم دعاه صديق له إلى طعام، وإجابته لصديقه والأكل معه مما يديم المحبة بينهما والمودة، وإذا لم يستجب له لربما وقع في قلبه شيء على صاحبه، وكانت سببا في سوء المحبة بينهما والمودة، فلا شك أن الأفضل أن يفطر وأن يأكل معه. لكن إذا كان ليس في ترك إجابته شيء، الأمر سواء وسيان، كونه يجيبه ويذهب معه أو كونه يستمر في صيامه، فهو يعلم من صاحبه أنه يعذره ولا يقع في قلبه شيء عليه، فهو الأفضل أن يستمر. وهكذا مثلا إذا صام الإنسان وهو طالب علم مثلا، فأضعفه الصوم عن حضور مجالس العلم، وكذلك أيضا حفظ القرآن أو السنة أو حضور الدروس، فهل يستمر على الصيام ولو ترك العلم وحضور مجالس العلم، أو يفطر ويتمشى لحضور مجالس العلم؟ لا شك أن الثاني: يفطر ويقطع هذه النافلة لأجل طلب العلم وحضور مجالس العلم، لأن نفعها أعظم وأنفع. ولهذا صح عن ابن سعد رضي الله عنه أنه قيل له: "إنك تكثر من الصيام"، فقال: "إن الصيام يضعفني عن قراءة القرآن"، رأى أن قراءة القرآن أفضل له وأحب إليه وأنفع له، فقدمها على نافلة الصيام. قالوا: من الفروق الضعيفة تفريقهم بين الجاهل والناسي والمتعمد في إتلاف المحرم لشعره أو أظفاره، أن الثلاثة عليهم الفدية لحصول الإتلاف، وأن من لبس أو غطى رأسه أو تطيب ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه. يعني هذا الفرق الذي فرق به أهل العلم بين إتلاف المحرم لشيء من شعره أو أظفاره، سواء كان متعمدا أو جاهلا أو ناسيا، أنه عليه الفدية، وأما إذا لبس الثياب الذي يمتنع منه والمخيط كما يعبر عنه الفقهاء، إذا لبس المخيط أو غطى رأسه أو تطيب، وهذه كلها أشياء ممنوع منها المحرم إذا حصل منه ذلك جهلا أو نسيانا، قالوا: فلا شيء عليه. فرقوا بين الإتلاف وبين الاستعمال من لبس الثياب أو تطيب أو استعمال الطيب، فقالوا: الأول فيه فدية ولو كان جاهلا أو ناسيا، والثاني ليس عليه فدية إذا فعله جاهلا أو ناسيا. قال: والصحيح أن حكم الجميع واحد، يعني من أتلف شيئا جاهلا أو ناسيا أو وقع في شيء من المحظورات التي حرام فعلها وهو ناسيا أو جاهل، أنه لا شيء عليه ولا فدية عليه. قال: والصحيح أن حكم الجميع واحد، وأن المعذور بجهل أو نسيان كما لا إثم عليه لا فدية عليه، الجاهل والنسيان عذران من الأعذار التي يسقط بها التكليف، ولا يؤخذ الإنسان على ما حصل منه وهو ناس أو جاهل. قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، جاء في الحديث أن الله عز وجل قال: "قد فعلت". ويقول جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. فإذا حصل من الإنسان شيء من الإتلاف أو ارتكب المحظورات وهو ناس أو جاهل، فلا شيء عليه لا إثم ولا فدية، فيسقط عنه الإثم ويسقط عنه الحكم، لأن مقصود اجتناب المذكورات لأجل حصول الترفه، يعني لبس المخيط أو استعمال الطيب أو إزالة الشعر أو الظفر، كل هذا يعني يفعل لأجل الترفه والتزين. قال: والإتلاف الذي يستوي فيه المعذور بجهل ونسيان والمتعمد إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم، وهي مبنية على الشح وحقوق، لا مبنية على المسامحة. ومثل ذلك في جزاء الصيد على الصحيح كما نصت عليه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، يعني يريد أن جزاء الصيد كذلك إذا حصل من الإنسان المحرم أن صاد وهو محرم ناسيا أو جاهلا، رأى صيدا وكان من عادته أنه يصيد، فنسي أنه محرم وصاد هذا الصيد، هل عليه فدية؟ في قول جماعة من أهل العلم: نعم عليه فدية. والقول الصحيح أنه لا فدية عليه، يعني فدية جزاء الصيد، لأنه حصل منه على جهة النسيان، والله عز وجل رتب الجزاء بماذا؟ بكونه عامدا، قال: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، متعمد خرج بهذا المخطئ والناسي، فإنه غير متعمد، يعني قاصد لذلك لأنه نسي أنه محرم، بخلاف الذاكر العامد، هذا الذي يؤاخذ وتجب في حقه الفدية. فعلم من هذا أن الفرق أنه لا فرق بين ارتكاب المحظور، وكذلك أيضا حصول الإتلاف من المحرم وهو على جهة الجهل والنسيان، أنه لا شيء عليه لا إثم ولا كذلك فدية، وهذا القول هو الصحيح. أن فعل الإنسان للمحظور على جهة الإطلاق، أنه إذا فعل محظورا حال كونه ناسيا أو جاهلا، أنه لا إثم عليه ولا فدية عليه، سواء ذلك بما يتعلق بالإحرام في الحج والعمرة، أو كذلك ما يتعلق في الصلاة، لو أن الإنسان تكلم وهو ناسي أنه في الصلاة أو جاهل بحرمة الكلام في الصلاة، فإنه لا شيء عليه، الصلاة صحيحة، وكذلك لا إثم عليه. وهكذا في باب الصيام، لو أكل أو شرب وهو صائم ناسيا، فإنه لا شيء عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». أخرجه البخاري ومسلم. وهكذا حصل منه الجماع وهو ناس أنه لا شيء عليه، صومه صحيح. إنسان أسلم حديثا ووقع في الزنا وهو لا يعلم أن الزنا محرم، هل عليه شيء؟ الجواب: لا شيء عليه، لا إثم ولا كذلك أيضا حد، لا يقام عليه الحد لأنه جاهل، أسلم فشرب الخمر وهو لا يعلم أن الخمر محرم في الإسلام، هل عليه شيء؟ الجواب: لا، ليس عليه إثم ولا يقام عليه الحد لأنه جاهل. وهذا لعموم الأدلة التي فيها رفع المؤاخذة عما يحصل من الإنسان على جهة الخطأ أو جهة الجهل أو هكذا أيضا جهة الإكراه، كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. قالوا: من الفروق الصحيحة الثابت شرعا الفرق بين من ترك المأمور سهوا أو جهلا، أنه لا تبرأ الذمة إلا بفعله، وبين من فعل المحظور وهو معذور بجهل أو نسيان، أنه يعذر وتصح عبادته. يعني يفرق بين فعل المحظور جهلا أو نسيانا، وبين ترك المأمور ماذا؟ جهلا أو نسيانا، فإذا فعل المحظور جهلا أو نسيانا سقط الإثم وسقط الحكم، وإذا ترك المأمور جهلا أو نسيانا سقط الإثم ولم يسقط الحكم، بل يلزم بالإتيان بهذا المأمور إلا في الجهل إذا فات وقته، فإنه يعذر. فمن ذلك في الصلاة، إذا ترك الطهارة أو السترة أو غيرهما من الشروط جاهلا أو ناسيا، فعليه الإعادة، إذا ترك الطهارة، إنسان صلى بغير وضوء، طيب نسي أن يتوضأ، ويعلم أن الوضوء واجب وشرط، فنسي فتوضأ وصلى من غير وضوء، جاء ناسيا، ما حكم صلاته؟ صحيحة، عليه الإعادة، عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة، هل عليه إثم؟ الجواب: لا، يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم. طيب إذا كان جاهلا أن الوضوء واجب، وصلى بغير وضوء، هل يلزمه بإعادة الصلاة بعد خروج وقتها؟ الجواب: لا، إن كان الوقت موجود نعم يلزم، وأما إن كان قد خرج الوقت فلا يلزم، فلا يلزمه بإعادتها، لحديث المسيء في صلاته الذي ترك الطمأنينة في الصلاة، ولما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة الصلوات التي قد مضت وقد فات وقتها، وإنما أمره أن يعيد الصلاة الحاضرة. طيب إنسان نسي أن يغتسل للجنابة ولم يذكر إلا بعد أن صلى عدة صلوات، ماذا يلزمه؟ يغتسل ويعيد الصلوات لأنه ماذا؟ تركها ناسيا، والنسيان يسقط الإثم ولا يسقط الحكم، نقول: اغتسل وأعد هذه الصلوات. وما كان جاهلا أن الغسل من الجنابة واجب، فأصابته الجنابة فتوضأ وصلى وفات وقت الصلاة وخرج وقتها، ثم علم بعد ذلك، فهنا لا نلزمه بالإعادة لأنه جاهل وقد فات وقت الصلاة. قال: فعليه الإعادة، وإذا صلى وإن صلى وقد نسي نجاسة على بدنه أو ثوبه، فصلاته صحيحة، إن صلى وقد نسي نجاسة على بدنه أو ثوبه، فصلاته صحيحة، لأن هنا ترك واجب وهو الطهارة وإزالة النجاسة، وفعل حينئذ محظور، صلاته بالنجاسة هذا محظور. طيب لكنه ناسي، نسي وجود النجاسة أو جهل بوجود النجاسة، وصل حتى فرغ من الصلاة، ذكر أن هذا الثوب فيه نجاسة أو علم بعد ذلك بوجود النجاسة في هذا الثوب، فصلاته صحيحة، فهنا يسقط الإثم ويسقط الحكم. وكذلك الصيام والحج والعمرة وبقية العبادات، الصيام كما ذكرنا في الفرق الذي قبله، إذا نسي فأكل أو شرب، صومه صحيح، جامع وهو ناسي أنه صائم، كذلك صومه صحيح. وهكذا الحج والعمرة، إذا فعل شيء من محظورات الحج والعمرة ناسيا أو جاهلا، تطيب نسي أنه محرم، لا شيء عليه، غطى رأسه وهو محرم ناسيا، لا شيء عليه، لأنه معذور بالجهل أو النسيان. طيب ترك مأمور، ما طاف طواف الوداع أو طواف الإفاضة، أن نقول: ما عليك شيء؟ نعم، ليس عليه إثم، لكن عليه أن يأتي به الطواف، أن هذا واجب لا بد أن يأتي به. قال: وقاية العبادات، إذا ترك فيها المأمور لا بد من فعله أو فعل بدله إذا كان له بدل، لا بد من فعله أو فعل بدله إذا كان له بدل، مثلا وقاية العبادات إذا فات، يعني تجاوز الموضع الميقات ولم يحرم، ولم يحرم، هذا ترك واجب، تركه واجبا إذا جهل أو نسيه، نقول: ما عليك إثم، لكن عليك أن تعود وتحرم من الميقات، إذا لم يمكن فإنه عليه دم كما هو قول جمهور أهل العلم، أخذاً بأثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فهذا بدل عن ترك هذا الواجب. قال: وإذا فعل المحظور وهو معذور لا حرج عليه ولا إعادة ولا بدل، إذا حصل منه ارتكاب المحظور وهو معذور بجهل أو نسيان أو إكراه، فليس عليه شيء لا إثم، وليس عليه كذلك ماذا؟ يعني بدل عن ذلك المحظور، كما مثلا: أكراه هو صائم على الفطر، أكراه العدو على الفطر، فصومه صحيح، ليس عليه شيء، ليس عليه قضاء عن هذا الصيام، بل صومه صحيح لأنه معذور بالإكراه. قال: واختاره شيخ الإسلام وطرده في كل المسائل، يعني هذا التفريق وهو صحيح، إذا القاعدة: أن من ترك المأمور جهلا أو نسيانا يسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه الحكم، وإذا فعل المحظور جهلا أو نسيانا سقط عنه الإثم وسقط عنه الحكم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وأهله وصحبه أجمعين.