الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 5

الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التفريق بين شروط الواقفين والموصين وتقديم الجد على الإخوة

يناقش التفريق بين شروط الواقفين والموصين، ويبين أن الشروط التي توافق الشرع تكون صحيحة. كما يتناول مسألة تقديم الجد على الإخوة في الميراث والولاية.

تصنيف شروط العقود والمعاملات

تناقش شروط العقود في الفقه الإسلامي، حيث تُقسم الشروط إلى صحيحة وفاسدة، وتوضح الفروق بين شروط الشيء وشروط في الشيء.

أحكام البيع والشراء ودين السلم ورهن السلعة المسلمة

يتناول شروط البيع والشراء، ويشرح الشروط الصحيحة والفاسدة، ويتطرق إلى دين السلم وتوثيق الدين فيه، ويبين آراء الفقهاء في رهن السلعة المسلمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والعالمين والصحبين ومن والاه، أما بعد. قال رحمه الله: من الفروق الصحيحة التفريق بين شروط الواقفين والموصين ونحوهم، فما وافق منها الشرع فهو صحيح، وما خالفه فهو فاسد. نعم، التفريق بين شروط الواقفين والموصين، ما وافق الشرع من هذه الشروط فهو صحيح، وما خالف الشرع فهو فاسد. فإذا اشترط الواقف شرطًا لا يخالف الشرع، كأن يقول: هذه الأرض أو هذه المزرعة أو هذا البيت وقف لطلاب العلم، أو وقف للمساكين، أو وقف للأيتام، أو نحو ذلك، فهذا جائز. وأما إن قال: هذا البيت وقف للمغنين والمزمرين، أو هذه المزرعة غلتها وقف لتلك الزيارة الشركية أو البدعية التي تقام للقبر الفلاني، فهذا شرط مخالف للشرع، فلا يجوز العمل به. وكذلك يقال أيضًا في الوصية، فما وافق الشرع عمل به، وما كان مخالفًا للشرع فهو مردود. قال رحمه الله: من الفروق الضعيفة تفريق من فرق بين الجد والإخوة لغير أم في تقديم الجد عليهم في جميع الولايات دون الميراث، فيشاركونه على تفصيل لهم كثير لا يدل عليه دليل، ولا يقتضيه تعليل. والصواب أنه يحجبهم؛ لأدلة كثيرة تدل على هذا القول. نعم، هذا من الفروق الضعيفة تفريق من فرق بين الجد والإخوة لغير أم - يعني الأخوة الأشقاء والإخوة لأب - في تقديم الجد عليهم في جميع الولايات دون الميراث. فيقولون: إن الجد يقدم على الأخوة لغير أم - يعني الإخوة الأشقاء والإخوة لأب - يقدم عليهم في جميع الولايات، في ولاية النكاح، في ولاية اليتيم، الجد مقدم على الأخ الشقيق والأخ لأب. قالوا: دون الميراث، أما في الميراث فإنهم يشاركونه ولا يقدم الجد عليهم. والصواب أن الجد يقدم عليهم في جميع الولايات، وهكذا أيضًا في الميراث، فلا يرثون مع وجود الجد، بل الجد يحجبهم، الجد يحجبهم، هذا هو الصواب، وأدل على ذلك أدلة كثيرة تدل على أن الجد يقوم مقام الأب. قال الله عز وجل: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ مع أن إبراهيم يعتبر جدًا. وقال جل وعلا: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. نعم، فقالوا: «إلهك وإله آبائك» يعني أجداده، مع ذلك سمّوهم آباء. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» مع أن عبد المطلب جده. فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن الجد أب، وإذا كان كذلك فإن الجد يقوم مقام الأب في سائر الأشياء. ولذلك إذا لم يوجد الأب ووجد الجد فإن الجد يرث السدس عند وجود الفرع الوارث كما يرث الأب. وإذا كان الأب يحجب الإخوة فكذلك الجد يحجبهم. والقاعدة في الفرائض أن من أدلى بوارث - يعني لا يرث عند وجوده - فإذا لم يوجد وارث قام إبنه مقامه. وهكذا يقال في الجد الذي هو أب الأب، فإنه لا يرث عند وجود الأب، فإذا عدم الأب قام الجد مقامه. وهذا هو الصحيح. وهذا القول قال به جماعة من الصحابة، بضعة عشر صحابيًا قالوا به، هو قول أبي بكر، قول عمر رضي الله تعالى عنهما. وكذلك أيضًا أجمعوا، جماعة من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وغيرهم. قال رحمه الله: من الفروق الصحيحة الفرق بين شروط الأشياء من عقود ومعاوضات أو تبرعات، وبين الشروط فيها. فشروطها هي مقوماتها التي لا تتم ولا تصلح إلا بها، ولا بد فيها من اجتماعها، فلا بد من اجتماعها. وأما الشروط فيها فهي أمور خارجة عن نفس العقود، وإنما يشترط المتعاقدان أو أحدهما لمصلحة تعود على المشترط. وتنقسم إلى صحيحة - ويجب كل شرط مقصود لا يدخل فيه محرم ولا يخرج من واجب - فيجب اعتبارها. «فالمسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا». وإلى فاسدة، وهي التي تخالف مقتضى العقد، فتارة تفسد بنفسها والعقد بحاله، وتارة تفسد العقد إذا عادت على مقصوده بالتغيير والتبديل. وكلها مفصلة في كتب الأحكام. هنا أشار إلى فرق صحيح، وهي الفرق بين شروط الشيء وشروط في الشيء. نعم، فشروط الشيء هي من جهة الشرع، شروط الشيء من جهة الشرع كشروط الصلاة، شروط الصيام، شروط النكاح، شروط البيع، هذه من جهة الشرع، الشرع وضع هذه الشروط. وأما شروط في الشيء فهي من جهة المتعاقدين أيضًا. من الفروق أن شروط الشيء لا يصح هذا الشيء إلا بها، لا يصح هذا الشيء إلا بها. وأما شروط في الشيء فإنه يصح بدونها، فإنه يصح بدونها. والفرق الثالث أن شروط الشيء لا يمكن إسقاطها، لا يمكن إسقاطها حتى ولو تراضى المتعاقدان على ذلك، فإنه لا يمكن إسقاطه. وأما الشروط في الشيء يمكن إسقاط هذا الشرط إذا أراد أحد المتعاقدين. مثال ذلك: الطهارة للصلاة، هذا شرط من جهة من؟ من جهة الشرع، الشرع اشترط الطهارة لصحة الصلاة. هل تصح الصلاة بدون طهارة؟ الجواب: لا. هل يمكن إسقاط هذا الشرط؟ الجواب: لا. هل يمكن أن تصح هذه الصلاة بدون طهارة؟ الجواب: لا، لا يمكن؛ لأن هذا الشرط من جهة الشرع. وفي المعاملة مثلًا الولي بالنسبة لنكاح المرأة، هذا شرط من جهة الشرع، الشرع لا نكاح إلا بولي. هل يمكن أن يصح النكاح بدون ولي؟ الجواب: لا. طيب، هل يمكن إسقاط هذا الشرط؟ الجواب: لا. إذا تراضى الزوج والمرأة على إسقاط هذا الشرط في عقد المرأة: أنا راضي أن أتزوجك بلا ولي، هل يصح هذا النكاح؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه من جهة الشرع. لكن الشرط من جهة المتعاقدين، مثلًا اشترطت المرأة على زوجها أنه لا يتزوج عليها، راضي الزوج، راضي الزوج. طيب، تم الزواج، تم الزواج، بعد ذلك أراد الزوج أن يتزوج على امرأته، هل يصح النكاح؟ الجواب: نعم يصح. طيب، المرأة هل لها أن تتنازل عن هذا الشرط؟ الجواب: نعم لها ذلك، لها أن تتنازل وتبقى معه، إذن يمكنها إسقاط الشرط؛ لأنه من جهتها، ليس من جهة الشرع، ليس من جهة الشرع. وإذا لم يوجد هذا الشرط - وهو كون عدم الزواج عليها - فتزوج، فإن هذا الشيء - وهو النكاح - لا يبطل، فهو قائم وصحيح. هذه من الفروق بين الشروط في الشيء والشروط في الشيء. لكن ينظر في هذه الشروط التي من جهة المتعاقدين، فما كان منها صحيحًا صحت، ووجب الوفاء به، وما كان مخالفًا للشرع فإنه باطل ولا يجوز الوفاء به. فمثلًا لو اشترط البائع على المشتري أنه لا ينتفع بهذا المبيع، لو قال: أبيع لك هذه السيارة بشرط أنك لا تركبها، هذا ما يجوز، هذا شرط باطل ينافي مقتضى العقد، ينافي مقتضى العقد، هذا لا يجوز، لا يصح هذا الشرط، هذا مردود. لو قال: أبيع لك هذا البيت بشرط أن لا تسكنه، هذا ما يصح، مخالف لمقتضى العقد. طيب، وهكذا أيضًا لو قال: أزوجك ابنتي على أنك لا تطأها، شرط أنك لا تقربها، هذا ما يصح، مخالف لمقتضى العقد. أما إذا كان الشرط صحيحًا، قال: أبيع لك هذه السيارة بشرط أني أسلمها لك بعد أسبوع، هذا الشرط صحيح، لا بأس. أو قال - قالت المرأة -: أتزوجك، أنا راضي بالزواج بشرط أنه لا يخرجني من بلدي مثلًا، أو لا يتزوج علي، هذا شرط صحيح، لا بأس. ثم هذه الشروط كما ذكر رحمه الله: الفاسدة منها تخالف مقتضى العقد، فتفسد بنفسها، فتارة تفسد بنفسها والعقد بحاله، وتارة تفسد العقد. نعم، إذا عادت على مقصوده بالتغيير والتبديل. مثال ما تفسد بنفسها والعقد بحاله، يعني لو اشترطت المرأة على الزوج إذا أراد أن يتزوجها أن يطلق زوجته الأولى، هذا شرط باطل، شرط باطل، لكن لو عقد عليها العقد صحيح والشرط ملغى واضح. نعم، وتارة تفسد العقد إذا عادت على مقصوده بالتغيير والتبديل، كما ذكرنا إذا اشترط عليه أن يبيع السيارة ولا يركبها، أو البيت ولا يسكنه، هذا يعود على مقتضى العقد بالبطلان. أو إذا اشترط أو اتفق مثلًا على أن يعطيه بمئة وعشرين، وقال: أنا راضي بذلك. أقول: هذا لا يجوز، ولو حصلت راضي بذلك؛ لأن هذا الشرط باطل ومخالف للشرع، ولا يصح مثل هذا العقد. قال رحمه الله: من الفروق الضعيفة التفريق بين دين السلم وبين غيره من الديون. والصواب أن ما جاز في غير دين السلم جاز في دين السلم. يقول رحمه الله: هذا من الفروق الضعيفة التفريق بين دين السلم وبين غيره من الديون. دين السلم كما هو معروف هو تقديم الثمن وتأخير المثمن، تقديم الثمن وتأخير السلعة. يعني يريد إنسان مثلًا أن يشتري تمرًا كذا وكذا صاعًا من التمر، أو كذا وكذا كيلًا من البر، فيقول للمشتري أو للبائع: أنا أشتري منك، أريد أن توفر لي بعد سنة مثلًا مئة صاع من التمر، ثم يعطيه الثمن مقدما، يعطيه الثمن مقدما، وتكون السلعة مؤخرة. طيب، إذا جاء وقت التسليم بعد سنة، قال البائع: أنا ما وجدته تمرًا، لكن عندي مثلًا شعير أو بر، سأعطيك بدل التمر برًا. فيقولون: هذا لا يجوز، لا يجوز أن يعطيه غير المسلم فيه والمتفق على إعطائه ودفعه - وهو التمر - فلا يجوز حينئذ أن يعطيه شعيرًا أو برًا، لا يجوز أن يعطيه شعيرًا أو برًا. لماذا قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فقال: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره». فأنت الآن أسلمت في تمر، فكيف يصرفه إلى بر أو شعير؟ وعلى هذا اعتمد الحنابلة رحمه الله في هذه المسألة على عدم الجواز. والحديث رواه أبو داود وغيره، والصحيح أنه ضعيف، لا يصح، الحديث ضعيف لا يصح. وعلى هذا فالصحيح أنه يجوز، يجوز أن يسلمه في غير ما اتفق عليه معه، فبدل التمر مثلًا يعطيه شعيرًا أو برًا، فلا بأس بذلك، كغيره من الديون. قالوا: الصواب أن ما جاز في غير دين السلم من المعاوضات والوثائق جاز في دين السلم. كذلك أيضًا توثيق الدين في السلم، أيضًا مثلًا المشتري قال للبائع: أنا سأعطيك الثمن مقدما وأنت توفر لي بعد سنة مثلًا مئة أو ألف كيلو مثلًا من البر، لكن أريد توثيقًا لهذا الدين، أنا سأقدم الثمن لكن السلعة ستؤخر وأريد توثيقًا. فيقول: لا بأس، فيعطيه رهنا يكون عنده حتى إذا ما أمكن أن يسلمه أو يعطيه المسلم فيه من المثمن فيأخذ حقه من هذا الرهن. الصحيح أنه يجوز، كغيره من المعاوضات والديون، الذي إذا حصل استدان إنسان من شخص فقال: أعطيك بشرط أن ترهن عندي شيئًا توثيقًا لهذا الدين، فكذلك يجوز في باب السلم أن يوثق هذا الدين برهن يكون عنده ويأخذ به حقه، وإذا لم يوف له ما طلبه من السلعة التي أسلم فيها.