شرح الأصول الستة 23

شرح الأصول الستة 23

الدرس في شرح الأصول الستة 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الولاية وحدودها الشرعية

يتناول المقطع الأول قضية الولاية وحدودها، ويشرح التمييز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. يحذر من الغلو في أولياء الله وتفضيلهم على الأنبياء.

الاعتقاد الخاطئ حول مخالفة الشريعة لأولياء الله

يناقش المقطع الثاني اعتقاد بعض الناس أن الأولياء لهم الحق في مخالفة الشريعة، ويبين أن هذا اعتقاد كفر وضلال مستشهدا بقول شيخ الإسلام ابن تيمية.

معايير التمييز بين أولياء الله والشيطان

يشرح المقطع الثالث كيفية التمييز بين أولياء الله وأولياء الشيطان، ويؤكد على أهمية عرض أفعال الشخص على الكتاب والسنة وليس على المظاهر الخارقة.

فهم قصة الخضر وتطبيقها على أفعال الأولياء

يتناول المقطع الرابع استخدام قصة الخضر كدليل على أفعال الأولياء، ويبين أن أفعال الخضر كانت كرامات وليست مخالفة للشرع، ويشير إلى تفنيد شبهة استخدامها لتبرير مخالفة الشريعة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا أخواني في الله في الأصل الخامس من هذه الرسالة الموسومة بالأصول الستة أو بالستة أصول، ونبه المؤلف رحمه الله تعالى على ما يتعلق بقضية الولاية والتمييز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ومن المسائل إخواني في الله المهمة في هذا الباب، واتطرقنا لمسائل كثيرة عديدة متنوعة حول تعريف الولاية ومن هم الولي. أنبه على أمرين اثنين، وقد تم التنبيه عليهما في أثناء الدرس، وهي أن من الأخطاء التي وقع فيها الناس في باب الولاية أو الولاية بالفتح ما يتعلق بالمسألة الأولى: من هو الولي؟ والأمر الثاني: ما الذي يجب في حق الولي؟ هذه مسألة وتلك مسألة، والخلط والغلط والخطأ التي يتبناها الكثير من عامة الناس وهكذا من جهلة الدعوات المضللة، أنها تخطئ في هذين البابين. أولا في معرفة من هو الولي الذي أراده الله جل وعلا، والذي به تتنزل الكرامات، وثانيا بعد العثور على من تصف بصفة الولاية: من الذي يجب له؟ ومن الذي ينبغي أن يكون في حقه؟ ويكون كذلك في قدره؟ وقد نبهنا أولا ما يتعلق من هو الولي؟ قلنا: هو كل مؤمن تقي، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، فبالإيمان والتقوى تنال الولاية في دين الله جل وعلا. وأما الذي يجب إيزاؤهم هو الحب الشرعي، وكذلك التقدير ومراعاة لحقهم وعدم إنكار كراماتهم إن صحت، وكلها تدور على إعطائهم الحق الشرعي من غير غلو، من غير إفراط، من غير تفريط. وللأسف نجد أن كثيرا من الناس متى ما عثروا على رجل اتصف بالولاية وكان وليا من أولياء الله، إذ بهم يغلون في أمره ويغلون في شأنه. حتى إن جماعة من الناس من يظن أن مقام الأولياء أفضل وأرفع من مقام الأنبياء، أن مقام الأولياء أرفع وأعظم وشرفا وقدرا من مقام الأنبياء، وهذا كفر كما صرح بذلك العلماء، يصرح بعضهم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، وبعضهم يقول كما أنشد بعضهم تلكم الأبيات القبيحة يقول: «مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي»، يقول مقام النبوة في برزخ، أي في مستوى، أين مستوى النبوة؟ قال: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول، أي بعد مقام الرسالة، فويق الرسول ودون الولي. تخيل الآن هذا الترتيب، مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي، أي أن أعلى طبقات الرفع عندهم الولاية، وأن أرفع من النبوة، بل حتى قال كبيرهم -يعني يدعي أن الولاية- فيقول: «خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله»، خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله، أي يدعي أنه مع جماعته من أهل الولاية ومن كان من أولياء الله أنهم خاضوا بحراً، بالمقابل من الذي جبنا في دخول خضم هذا البحر؟ الأنبياء، قال: خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله، فهذه عقائد الكفرية تُغرز في أتباع هذه الأفكار أو الفرق الضالة بأن الولي أعظم منزلة وأعظم شرفاً وأعظم رتبة من أنبياء الله سبحانه وتعالى. وهذا من ارتكزت هذه الفكرة في ذهنه فليتق الله جل وعلا وليتخلص منها مباشرة، فإنه من نواقض الإسلام، فإن الأنبياء والرسل أعظم رتبة وأعظم منزلة. وكذلك من الاعتقادات الفاسدة التي يعتقدها الناس في الولاية أنه يشرع في حق -بل يجوز في حق الولي- أن يفعل ما شاء، ومن هنا تزول الإشكال الذي ينقض في أذهان العقلاء وفي أذهان من كان عندهم فهم وإدراك. يقولون: أن نستغرب من بعض الناس عندما تمر علينا بعض الكرامات التي تحسب أنها كرامات، ونرى ما فيها من خوارم للمروءة، فيها من الآداب المخلة، فيها من السلوكيات المنحرفة، ما نأباه، ما نقتنع، وما نستسيغ أن تنسب هذه المسألة على أنها كرامة، لكن تفاجأ في القوم المخالفين أنهم يستسيغونها، يستسيغونها. فيقول بعض: كيف لماذا العقول تختلف في هذه الصورة؟ يقول العاقل الحصيف الذي يعطيه الله حسا وإدراكا وعلما وفهما يقول: هذه ما هي كرامة، هذه مهزلة، هذه أقوال قبيحة أو أفعال منحطة، آداب مخلة، لكن كيف لأولئك الذين أعطاهم عقولا يصدقونها بل ويعتنقونها؟ أسر إخواني في الله لقبول أولئك القوم لهذه الأشياء المخلة على أنها كرامات لقاعدة يسيرون عليها، وهي أنهم بعدما اعتقدوا أن صاحب هذه الكرامة ولي من أولياء الله، تتبعها قاعدة عندهم، وهي أن للولي أن يفعل ما شاء، أن يفعل ما شاء وكيف شاء، لا أحد يحاسبه ولا أحد يسائله، وأن الذي تراه من فعله أنه أمر مشين، بل هذا أمر محمود مستساغ في شرعه. وهذه العقيدة كون أن الشخص يعتقد أن من حق الولي أن يفعل ما شاء، وأن يخرج عن الصراط المستقيم، وأن لا يتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هذا من الكفر، فإن ذلك من الكفر. وقد صرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في عديد من كتبه بهذه المسألة، وحكم عليها بالكفر والردة، وذلك إذا وجد من يعتقد أن بحق الأولياء أن يخرجوا عن هذه الإسلام، وأن يخرجوا عن أحكام الدين، وأن يخالفوا النبي عليه الصلاة والسلام. فمن اعتقد مشروعية ذلك فهذه العقيدة كفر، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال من ادعى أن من الأولياء من لا طريق له إلى الله يحتاج فيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ملحد»، كافر ملحد، قال: «من ادعى من الأولياء أن له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهو كافر ملحد». وقال كذلك رحمه الله تعالى: «قال ومن قال أنا محتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم في علم الظاهر دون علم الباطن فهو شر من اليهود»، فهو شر من اليهود والنصارى. إن كان هذا الولي الذي يدعى أنه ولي ويعتقد أنه لا حاجة له إلى شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه يمكنه أن يصل إلى الله جل وعلا بطريق من نفسه، ولا أحد يلزمه بدين ولا شريعة ولا باتباع، قال شيخ الإسلام: فهذا كافر ملحد. ومن قال منهم: «أنا أحتاج إلى شريعة محمد عليه الصلاة والسلام لكن في الأمور الظاهرة، أمور الظاهرة لتعامل مع الناس أحتاج إلى هذه الشريعة، لكن في أمر الباطن فهذا لا أحتاج إلى محمد وإنما بطريقة من الكشف والذوق والوجد أفتعلها وتكفيني»، قال شيخ الإسلام: «ومن دعا ذلك فهذا شر من اليهود والنصارى»، فهذا كفر وذاك كفر، ولكن حننيك بعضه شر من بعض. فلنبغي إخواني في الله أن نعرف أن هذه العقيدة من اعتقدها أنه من عقائد الكفرية، كون أنك تعتقد أنه من حق الولي ويشرع له أن يخرج عن طريق الإسلام ويتفلت من شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، وبه يصل إلى الله بطريق من عند نفسه، فهذا من نواقض الإسلام وصاحبه كافر ملحد. ويقول كذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال من اعتقد أن في أولياء الله من لا يجب عليه اتباع المرسلين وطاعتهم فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه»، أي واحد يدعي هذه الدعوة بإمكانه أن يصل إلى الله من غير اتباع لشريعة الرسول، فهذا يستتاب لأنه من عداد الكفرة ولأنه مرق عن الدين وارتد عن صراط المستقيم. فأخواني في الله فينبغي أن نتنبه لهذه المسألة، فإن الشأن كل الشأن عبد الله في حق الولي أن يكون متبعا للأنبياء، أن يكون متبعا للرسول بالإجماع، لأن لا يمكن لأحد يصل إلى الولاية إلا إذا كان مؤمنا تقيا، وليس من الإيمان وليس من التقوى أنك تخالف شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن أروع ما يذكر في هذا الباب من كلام سلفنا الصالح ما ذكره الصدفي رحمه الله تعالى، وهو يونس بن عبد الأعلى الصدفي، قال: «قلت للشافعي: كان الليث بن سعد رحمه الله يقول إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة»، يقول الصدفي: قال قلت للشافعي: كان الليث بن سعد -وليث من رؤوس ومن أئمة أهل السنة- كان الليث بن سعد رحمه الله تعالى يقول: «إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء فلا تغتروا به». وهذه البلية أن بعض الناس يغترون بالمظاهر، كما قلنا بعض الناس قياسهم الولاية بالكرامات، أي شيء خارق للعادة يسمونه كرامة، حتى السحر، حتى الشعوذة، حتى الدجل يسمونه كرامة، لا، فلا تغتروا، إذا ما هو الضابط؟ قال: «حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة»، فإن كان هذا الرجل تقيا نقيا فهذا الذي تكون له كرامة، أما إن كان دجالا خبيثا ماجلا فاسقا فهذا من استدراج الشيطان. وثم ماذا قال؟ الشاهد شاهد، والبديع في هذه القصة أن الشافعي رحمه الله لما سمع هذه العبارة قال: «قصر الليث رحمه الله»، قال: «قصر الليث رحمه الله»، بل إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي في الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. انظر رحمه الله لا توافق كلمات السلف، ليس العبر يا عبد الله بالشكليات وليس العبر بخوارق العادات، لا، ليس العبر أنك تمشي في الماء، يمشي في الماء إذ به الناس صاحب كرامة ورجعت تعالى مع الشياطين مع العفاريت مع الجن يحملونه كيف شاء ومتى ما شاء، فليس العبر كذلك أن تطير في الهواء، يوجد من طار في الهواء وقد شهد هذا من يطير في الهواء، لكن هذا ليس عبرة. قال شافعي: «فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة»، تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فمن هذه العبارات نعلم أن من ادعى النبوة ادعى الولاية وكان خارجا عن الصراط المستقيم مخالفا لسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذا ليس من أولياء الله بل هذا من أولياء الشيطان كما صرح بذلك العلماء. وتأتي مسألة هنا والكلام سيطول فيها، وهي أن لمن ادعى أن أهل البدع الذين يقولون أن ما ترونه -ما ترونه من الأمور التي لا تستسيغها عقولكم يا أهل السنة- ولو، فهذا تعتبر كرامة ولهم أدلة يستدلون بها على هذه الكرامة، وأعظم ما يستدل به أهل البدع في أن الكرامة قد يفعلها الولي وهي غير مستساغة وتعتبر كرامة بما جرى في قصة موسى عليه السلام مع الخضر. قصة موسى مع الخضر ما من أحد إلا وقد قرأ هذه القصة في سورة الكهف، وهي قصة دارت بين موسى عليه السلام وبين الخضر عليه السلام في كيف أن الخضر فعل أشياء وموسى ما استساغها: من قتل النفس، وكذلك من تكسير وتخريب السفينة، وبناء الجدران أو الجدار لقوم لم يضيفوهم وإنما طردوهم، وهذه الأشياء قال: انظروا هذه الأشياء فعلها وفعلها الخضر وهي غير مستساغة للعقول، ومع ذلك تعتبر كرامة، تعتبر كرامة، والخضر ولي من أولياء الله. قال: إذن في هذا دلالة على ما نقول على أنه يمكن للولي أن تصدر منه أشياء لا تستصيغها العقول، لكنها لا تحط من قيمته ولا تحط من قدره، فما تسمعونه من أوليائنا أنه فعل كذا وأنه فعل كذا وأنه جرى وأنه لمس وأنه أخذ وأنه تكلم وتلفظ بأمور أنتم ما تستصيغونها، هذه لمسهل عقولكم أمتم؟ أما نحن لا، حالنا كحال الخضر مع موسى، الخضر فعل أشياء غير ما استصاغها موسى عليه السلام بداية، لكن هي الحق، فهي كرامة لأنه ولي من أولياء الله. وهذه أخوان شبهة يعني يدعون بها القوم وتشبثون بها بكل قوة، ولا أظن مقام يسع في تفنيدها، ولعل الله جل وعلا يسعف بمقام آخر في ذكر هذه الشبهة، وخاصة لها تعلق بأمر الأولياء، وإذ أن القوم يستدلون بها على جواز للولي أن يفعل ما شاء من أمور ولو كانت على خلاف الشرع، ولو كان على خلاف المستندين بهذه القصة، وسيأتي تفنيدها بإذن الله في درس قادم. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.