شرح أعلام السنة المنشورة  179

شرح أعلام السنة المنشورة 179

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 179، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تأثير البدعة على صحة العبادة

يناقش تأثير البدعة على العبادة، حيث قد تبطلها أو تبقى العبادة صحيحة مع بطلان البدعة. يستشهد بأمثلة من السنة النبوية لتوضيح ذلك.

ضوابط البدع في المعاملات

يتناول مفهوم البدع في المعاملات وضوابطها الشرعية، حيث يرى بعض العلماء أن المبتدع أعماله مردودة، ويستدل بآثار وحديث الخوارج.

بطلان الشروط المخالفة للشرع في المعاملات

يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم ببطلان الشروط التي ليست في كتاب الله، ويستدل به في العديد من المعاملات مثل الإعتاق والبيع وعقود النكاح.

ختام الدرس والدعاء

يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء لله تعالى بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويظهر احترام وتقدير للشخصيات الدينية الهامة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كنا بالأمس مع الفقرة التي ذكر فيها المؤلف رحمه الله تعالى أقسام البدع، وأنها تنقسم إلى بدع في العبادات وإلى بدع في المعاملات، وبين أن البدع التي تقع في العبادات منها بدعة حقيقية، وهي إنشاء عبادة من محض أنفسنا ليس لها، وليس عليها أثارة من علم، وهناك بدع وهي بدع إضافية كما اصطلح عليها الفقهاء، وهي البدع التي أصلها مشروع لكن يضاف عليها بعض التغيرات إما في صفتها أو زمانها أو مكانها أو في هيئتها، وكل ذلك مما منعه شرعنا. ثم أعقب المؤلف رحمه الله تعالى بهذا السؤال: كم حالة للبدع أو كم حالة للبدعة مع العبادة التي تقع فيها؟ هذه قسمة أخرى وهي حول مدى تأثير البدعة على العبادة. قال رحمه الله تعالى: لها حالتان، الأولى أن تبطلها جميعًا، كمن زاد في صلاة الفجر ركعة ثالثة، أو في المغرب رابعة، في الرباعية خامسة متعمدًا، وكذلك إن نقص مثل ذلك. هذه المسألة وهي صورة من صور الابتداع أنها تؤثر في العبادة حق التأثير، أن العبادة تكون مردودة على وجه صاحبها. مثل رحمه الله تعالى كمن يجعل الفجر ثلاثة، يقول: أنا من باب الحب الخير واستغلال وقت الفجر سأجعلها ثلاثة، أو أجعل المغرب أربعة مواسية بباقي الصلوات، أجعلها كأخواتها أربعة، فهذا قد يفعل ذلك ضالًا بحجة التقرب إلى الله، لكن ما حكمه؟ فعله مردود على وجهه، فهذه العبادة التي فعلها مردودة على وجهه تبطل جميعًا. قال رحمه الله تعالى: الحالة الثانية أن تبطل البدعة وحدها كما هي باطلة، ويسلم العمل الذي وقعت فيه. وهذا صورة ثانية أن بدعة أو عبادة تشوبها بدعة، فهذا فيه تفصيل، العبادة صحيحة والبدعة مردودة على وجه صاحبها. قال: الحالة الثانية أن تبطل البدعة وحدها كما هي باطلة، ويسلم العمل الذي وقعت فيه، كمن زاد في الوضوء على ثلاث غسلات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ببطلانه، بل قال: «فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم»، ونحو ذلك. وهذا الحديث رواه أهل السنن عند أبي داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو حسن. فالمؤلف رحمه الله تعالى أتى لنا بهذه القسمة في مدى تأثير البدعة على العبادة، فأحيانًا البدعة تبطل جميع العبادة، وأحيانًا البدعة هي تبطل ويبقى العمل صحيحًا. إلا أن المؤلف رحمه الله تعالى لم يأت لنا بضابط، ما هو الضابط في هذه المسألة حتى تنضبط؟ مع أن المثال الذي مثله رحمه الله تعالى في حق من زاد عن ثلاث غسلات زاد غسلًا رابعة، فهذا قد جاء في حقه نهي، كما ورد هنا في قول نبينا: «فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم»، فهذه في الحقيقة هي من جنس المعصية، والمعصية أمرها يختلف عن البدعة في بعض الأمور، إذ أن المعاصي أدلتها خاصة تأتي أدلة خاصة في حقها. وأيضًا المؤلف رحمه الله تعالى في شرحه في سلم الوصول مثل بمثال آخر على هذه المسألة، وهو قال: كمن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، هذا كذلك جاء في حقه نهي خاص، فهي معصية، والعبادة إن لبست أو تلبست بمعصية فالعبادة صحيحة، وأثم صاحبها آثم، كمن يصلي وهو بمعصية، يصلي وهو لابس ذهب، يصلي وهو لابس ثياب عليه صورة، العبادة الصحيحة وهو آثم على معصيته. وعلى هذه الأمثلة التي ذكرها المؤلف تتنزل على مسألة المعاصي. وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن من الفوارق بين البدعة والمعصية، قال رحمه الله تعالى: أما أهل المعاصي فإن ذنوبهم في فعل بعض ما نهوا عنه، هؤلاء المعاصي يفعلون شيئًا مما نهوا عنه. فعندي في هذه الآثار أن من زاد على ثلاث غسلات فقد أساء وتعدى وظلم، هذه معصية، وكون من يقرأ القرآن في حال ركوعه وسجوده فهذه أيضًا معصية. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى ما أتانا بضابط نفرق به بين هاتين الحالتين. إلا أن العلماء يذكرون مسألة أعظم من هذه بكثير، وهي مسألة مدى تأثير البدعة على عبادات المبتدع، مسألة مبتدع فاعل بدعة، هل بدعته تؤثر على هذه العبادة بالبطلان؟ أم تؤثر على سائر الطاعات والعبادات بالبطلان؟ هذه مسألة مطروحة يذكرها العلماء في كتب الاعتقاد، وهذه مسألة فيها اختلاف الأنظار. فمن أهل العلم من يرى أن المبتدع لعظيم أثر بدعته عليه، فإن جميع ما يتقرب به إلى الله مردود، لو أنه مبتدع ابتدع في أمر الصلاة، فهل صلاته مردودة؟ صلاته مردودة، صيامه مردود، زكاته مردود، كله مردود. واستدل لهؤلاء ببعض الآثار، كما جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه عندما أخبر بالقدرية، وهؤلاء قدرية لهم جانب في الابتداع، مسألة عقدية في باب القدر. ماذا قال ابن عمر؟ قال: والذي يحلف به ابن عمر، لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما تقبل منه. فلهذا يذكر عن ابن عمر أنه يقول بهذا القول: أن المبتدع جميع الأعمال التي يعملها مردودة على وجهه. كذلك يستدل العلماء هؤلاء بحديث رسول الله في الخوارج، مع أن الخوارج لهم اعتقادات فاسدة وأعمال في بعض أعمال الدين. ماذا قال نبينا عنهم؟ قال: «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم»، أي ما يتبعهم عمل أصلًا، مع أنه لهم بدعة في بعض أبواب الدين، لكن من شؤم البدعة أن سائر الأعمال ترد على وجوههم. فبعض العلماء يرى أن المبتدع إذا فعل بدعة ولو في عبادة خاصة، فمن شؤم هذه البدعة أنها تؤثر على سائر العبادات والطاعات. وهؤلاء أخواني في الله على هذا المذهب، على هذا القول. ومن تتبع لهذه الآثار يرى عظيم أثر البدعة، فليست من الأمور المسهلة أو الميسرة التي حق أن يتهاون فيها، فالأمر عظيم، احذر يا عبد الله من أن تقترف بدعة من البدع، عندك في الكتاب والسنة ما فيه غنية، فلا تأتي بأذكار أو بأوراد أو بطقوس أو بهيئات أو صفات أو كيفيات ما أنزل الله بها من سلطان. ثم قال رحمه الله تعالى: ما البدع في المعاملات؟ المؤلف كما قلنا في درس أمس ذكر أن هناك بدع تتعلق في عبادات، وهناك بدع تتعلق في المعاملات. وما الفرق بين المعاملات والعبادات؟ العبادات ما يكون بينك وبين الله عبادة، وأما ما يكون بينك وبين خلق الله هذه معاملة. فالمؤلف رحمه الله تعالى يثبت على أن ما يكون بينك وبين الله يدخله ابتداع، وهذا حاصل كما نرى من كثير من المبتدعة يتقربون إلى الله بصفات وكيفيات وهيئات ما أنزل الله بها من السلطان. والمؤلف رحمه الله تعالى يرى أن في تعاملك مع خلق الله تقع بدع، سنرى ما هي الأمثلة التي سيذكرها المؤلف في هذا القسم من البدع في المعاملات، أي فيما بينك وبين خلق الله. قال: هي اشتراط ما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله، كاشتراط الولاء لغير المعتق كما في قصة بريرة. لما اشترط أهلها الولاء قام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق. ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق يا فلان ولي الولاء، إنما الولاء لمن أعتق». أعطانا المؤلف رحمه الله تعالى ضابطًا في هذه المسألة في معرفة كيف يكون الابتداع في باب المعاملات، ضابطه أن تشترط شروطًا ليست في كتاب الله ولا في سنة رسوله تعامل مع الناس. وكم من منا من يتعامل مع خلق الله فيأتي باب الشروط، وهو باب الحق، شرط بيني وبينك، عهود، موافقة، اتفاقيات، إبرام صفقات، تأتي شروط. هل يحق لأي واحد أن يأتي بأي شرط من رأسه؟ لا، إنما الشرط ينضبط بما يوافق الشرع. نأتي إلى هذا الحديث الذي استدل به المؤلف رحمه الله تعالى، حديث بريرة. بريرة امرأة مولاة لمولى من الموالي، تخدم آل فلان، أرادت أن تعتق نفسها، لها هذا اتفقت مع أسيادها على أن تدفع لهم مبلغ تسع أواق من فضة، هذه المبالغ تدفع لهم منجمة على سنوات، كل سنة تقريبًا جزء من المبلغ إلى أن يكمل المبلغ للجماعة، هي تعتق نفسها، أسيادها وافقوا، قالوا: ما عندنا مانع إذا دفعت ما نطالبك به تدفعي المبلغ ثم أنت حرة. بريرة تعرف بيت النبوة، تعرف عائشة رضي الله تعالى عنها، لما ينم عن علاقة ودخول وخروج، فتعرف عائشة، فأخبرتها بخبرها، وأنها اتفقت مع أسيادها على أنها إن دفعت المبلغ فإنها تكون حرة لوجه الله، فأحبت عائشة أنها تعين بريرة في العتق، أحبت هذا، فأخبرتهم أني سأعينك على أن الولاء يكون لي، الولاء هي النصرة والنصر والتأييد يكون لي، وهذا حق شرعي، لأن كما سيأتي قوله: «إنما الولاء لمن أعتق»، الذي يعتقه هذا يكون له الولاء، يعني كيف يكون الولاء؟ الولاء إخواني في الله يكون فيه النصر، فيه التوارث، مثل هذا العبد إذا أصبح حرًا ما عنده أحد عنده مال أصبح حر وعنده مال، فإن مات هذا الذي أعتقه له أن يأخذ المال، الولاء يكون له لهذا الذي أعتقه. هذا يسمى الولاء، كذلك النسبة، هذا الرجل الذي أصبح قد معتق قد أعتقه، بإمكانه يقول: أنا فلان بن فلان بن آل فلان، يرجع لنسبه إلى هذا الذي أعتقه، فيه مفاخرة. هذا الذي بريرة الآن ذهبت إلى الأسياد وأخبرتهم أن عائشة ستعينني في الدفع وتعطيكم الأموال، لكن الولاء سيكون لها، لأنه هي التي أعتقتني، لست أنتم، أنتم بيعوا شرعًا، فرفضوا، قالوا: لا، عائشة تدفع لك المال ونحن نسلم المال وأنت حرة، والولاء لنا، والأولاد لنا، نسبك يرجع إلينا، إن جاء لك أموال يرجع إلينا في حال ما أنك ورثة مودي يرجع إلينا. فهنا غضب نبينا من هذا الشرط، هذا الشرط ليس في كتاب الله، شرع الله معروف، الذي يعتق يقوم بالإعتاق، يسعى في الإعتاق، الموالي فحق الولاء لهذا المعتق، ليس للذي باع واشترى. فهذا الحديث الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى قال: كاشتراط الولاء لغير المعتق كما في قصة بريرة، لما اشترط أهلها الولاء قام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». مقصود في كتاب الله أي في أحكامه وشرعه، هذا المقصود في كتاب الله، قال: «فهو باطل وإن كان مئة شرط، فليس العبرة بكثرة الشروط الذي تملع على الناس، العبرة ما هو صحة هذا الشرط؟ فإن عثر مثلًا على أن شرط من الشروط ينافي الشرع فما يلغى هذا الشرط، ما يوفى به؟ أو وجد أن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد هذا لا يوفى به، لأن هذا شرط باطل، هذا إحداث في دين الله، إحداث في التعامل مع الناس. وكم نرى أخواننا في الله من هذه الشروط الباطلة يتداولها الناس، مثاله: رجل عنده وقف، أنا عندي وقف لمن أراد هذا الوقف يأخذه أخذنا، لكن بشرط ما هو الشرط؟ أن يعمل لصاحب الوقف حول زيارة في حول بني فلان. قال: سئلت اللجنة الدائمة بهذا السؤال، فقالت اللجنة الدائمة: هذا شرط باطل، واستدلت بهذا الحديث: «أن أيما رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله فهو باطل». سئل العلماء عن مسألة وهي موجودة للأسف عن بعض أصحاب الدكاكين يبيع البيع بالثياب ونحو ذلك من البضائع، فإن رجع من رجع يأتي الزبون ويرجع البضاعة على أن فيها عيب، مثل هذا ما أريده، هذا عيب فيقول لك: سهل، رجع البضاعة لكن خذ بديل، كيف بديل؟ لا نريد ما لا ما في مال، خذ بديل. سؤال اللجنة الدائمة بهذه المسألة، قال: هذا شرط باطل ما يجوز، هذا ليس في كتاب الله، لأنك تلزم الناس بهذا إذا وجدت العيب يرد، ثم الزبون بالخيار، إن أراد ماله أخذ ماله، وإن أراد يستبدل له أن يستبدل، أما أنك تلزم تجعل هذا شرطًا. فكان الفتوى من اللجنة الدائمة أن استدلت بهذا الحديث أن هذا عقد باطل. واستدلت بهذا المثال الذي بين أيدينا، كذلك ما يتعلق بعقود النكاح ولها صور كثيرة، كما يقع في بعض الدول أن تأتي الزوجة وتشترط شرطًا على زوجها في العقد، أن إذا العقد أبرم عقد النكاح أن تكون العصمة بيد الزوجة، بمعنى أنها متى ما أرادت أن تطلق نفسها فعلت، عصمة بيد الزوجة. قال العلماء: هذا شرط باطل، ليس في كتاب الله، يخالف مقتضى العقد. وهكذا قس على شروط كثيرة في البيوع والإيجارات والقرض والدين. فأخواني في الله فينبغي أن تضبط هذه الشروط، فإذا كان الشرط مما أباح الشرع أجازه شرعًا نصًا أو قياسًا أو إجماعًا فذاك، أما يجد أن شرط من الشروط يبرمه الناس يبرموه، لكنه فيه ظلم وضيم، وفيه كذلك رد لشرع الله جل وعلا، فهذا باب باطل. ثم قال المؤلف رحمه الله: وكذلك كل شرط أحل حرامًا أو حرم حلالًا، قال عليه الصلاة والسلام: «الصلح جائز بين المسلمين»، لك يا عدل أن تأتي بأي شرط ما في شيء، لكن قال: «إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا فهذا لا يجوز». وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بأن هذا يعتبر من البدع في المعاملات، أي أن تحدث في حياة الناس وفي تعاملهم شرطًا ما أنزل الله به من سلطان. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.