شرح العقيدة الواسطية 77

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 77، ألقاها

شرح أحاديث القبر والحساب

يتناول شرح أحاديث متعلقة بالقبر والحساب يوم القيامة، ويبين ضعف بعض الأحاديث. كما يشرح معنى الساعة والحساب وفقًا للكتاب والسنة.

تفاصيل الحساب والشفاعة يوم القيامة

يوم القيامة يشمل الشفاعة وتنصيب الموازين وتوزيع الكتب والحساب، حيث يظهر ما قدمه كل إنسان. الله يتولى الحساب ويعرض على العباد أعمالهم.

الصراط والحوض وشفاعة النبي

الناس يمرون على الصراط بدرجات متفاوتة حسب أعمالهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم حوض مورود. وله ثلاث شفاعات يوم القيامة، الأولى في أهل الموقف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن آله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قبل الدخول في الدرس، نعلق على ما علقنا عليه، أو على ما مر معنا أمس من الحديثين المذكورين. الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار». هذا الحديث رواه النسائي من حديث أبي سعيد، ورواه النسائي وغيره من حديث أبي سعيد، وفيه: عبيد الله بن الوليد الوصافي، قال النسائي: «متروك الحديث». ورواه الطبراني في «الأوسط» على أبي هريرة، وفيه: محمد بن أيوب بن سويد، وهو متهم بالوضع. انظر «الضعيفة» برقم 4094، للعلامة الألباني رحمه الله. وأيضًا الحديث: «من مات فقد قامت قيامته»، جاء عن أنس، وهو ضعيف. انظر «الضعيفة» للعلامة الألباني برقم 1062، ورقم 5425. لكن روى البخاري في صحيحه عن عائشة: «كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم». قال هشام: «يعني موتكم». وهذا فيه -كما ترون- معنى الحديث الأول: «من مات فقد قامت قيامته». فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن يعش هذا لا يدرك الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم». فتقوم ساعة كل إنسان بماذا؟ بموته. لذا قال هشام: «يعني موتكم». إذا ماتت -إذا متّم- فقد قامت ساعتكم. ومعنى الساعة: ما هو يا جماعة؟ القيامة. يسألونك عن الساعة: أيان مرساها؟ فالساعة يطلق ويراد بها: القيامة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة». وأما الكافر فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها. قال الشارح رحمه الله: «قولوا: ويحاسب الله الخلائق إلى آخره، المراد بتلك المحاسبة: تذكيرهم، وإنباؤهم بما قدموه من خير وشر أحصاه الله، ونسوه». قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وفي الحديث الصحيح: «من نوقش الحساب عذب». فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «يا رسول الله، أو ليس الله يقول: فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا؟» فقال: «إنما ذلك العرض، إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك». هذا شروع من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الكلام على الحساب، وتدرج شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بهذا التدرج من أمور القيامة، يدل على ما تقدّم من أن أول منازل القيامة هو القبر، ثم بعد ذلك -بعد القبر- يكون البعث، وبعد البعث يكون الحشر، وبعد الحشر يكون وقوف العباد بين يدي الله جل وعلا حفاة عراة غرلًا، كما جاءت في الأحاديث. ثم بعد أن يقف ما شاء الله تعالى أن يقف، يؤذن ربنا جل وعلا لنبيه بالشفاعة، وبعد الشفاعة تنصب الموازين، وبعد أن تنصب الموازين تزن الأعمال، فمنهم من يثقل ميزانه، ومنهم من يخف ميزانه. ثم بعد ذلك تتطاير الصحف، فآخذوا كتابهم بيمينهم، وآخذوا كتابهم بشمالهم. ثم بعد ذلك يكون الحساب، ينظر كل إنسان إلى كتابه، وما قدم من خير أو من شر. ومن وجد خيرًا وجد خيرًا، ومن قدم خيرًا وجد خيرًا، ومن قدم شرًا فلا يلومن إلا نفسه، كما جاء في حديث أبي ذر عند الإمام مسلم: «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد شرًا فلا يلومن إلا نفسه» أو كما قال. فالحاصل: أن هذا -كما ترون- تدرج من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فيما يحصل للعبد بعد موته إلى يوم القيامة، إلى أن يدخل الجنة، أو يدخل النار والعياذ بالله. وقوله رحمه الله: «ويحاسب الله الخلائق»، تصريح من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الذي يتولى الحساب هو الله جل وعلا، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «المراد بتلك المحاسبة: تذكيرهم، وإنباؤهم بما قدموه من خير وشر أحصاه الله، ونسوه». قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وفي الحديث الصحيح: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب عذب». فقالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله، أو ليس الله يقول: فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا؟» فقال: «إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك». يهلك؛ لأن العبد -كما هو حاله- لابد أن يعمل ما يعمل من الذنوب والخطايا، مع قلة علمه وعمله، فمن نوقش الحساب يهلك. قال الشارح رحمه الله: «وأما قوله: ويخلو بعبده المؤمن، فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الله عز وجل يدني من عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويحاسبه فيما بينه وبينه، ويقرره بذنوبه، فيقول: ألم تفعل كذا؟». فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الله عز وجل يدني منه عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه، فيحاسبه فيما بينه وبينه، ويقرره بذنوبه، فيقول: ألم تفعل كذا يوم كذا؟ ألم تفعل كذا يوم كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، وأيقن أنه قد هلك، قال له: «سترتها عليك، وأنا أغفرها لك اليوم». سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. قال الشارح رحمه الله: «وأما قوله: فإنه لا حسنات لهم -يعني الكفار- بقوله تعالى: ﴿فَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾. والصحيح أن أعمال الخير التي يعملها الكافر يجازى بها في الدنيا فقط، حتى إذا جاء يوم القيامة وجد صحيفة حسناته بيضاء، فقيل: يخفف بها عنه من عذاب النار -غير الكفر-». طيب. قوله: «وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم». هذا الكلام من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيه إشارة إلى مسألة وقع فيها نوع خلاف بين المتأخرين من العلماء، وهي: هل يحاسب الله جل وعلا الكفار أم لا؟ والجواب: هو ما ذكره الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هاهنا، وهو: أن الكفار لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها. قال الشارح رحمه الله: «وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي صلى الله عليه وسلم، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا». والصِراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس على قدر أعمالهم، ومنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعد عدْوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف خطفًا، ويلقى في جهنم. فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة. قال الشارح رحمه الله: «وأما قوله: في عرصات القيامة، فإن الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًا، فمن أنكره فأولى به أن يحال بينه وبين وروده يوم العطش الأكبر». وقد ورد في أحاديث: «إن لكل نبي حوضًا، ولكن حوض نبينا صلى الله عليه وسلم أعظمها وأحلاها وأكثرها واردًا». جعلنا الله منهم بفضله وكرمه. قال الشارح رحمه الله: «قول الشيخ: في عرصات القيامة الحوض المورود، والحوض سمي حوضًا لما يحاض فيه؛ لأنه يحاط فيه الماء، ويجمع فيه الماء». وقول المورود: سمي مورودًا لكثرة وارده. وقوله: «للنبي صلى الله عليه وسلم» أي: أن هذا الحوض المورود مما اختص الله جل وعلا به نبيه، إكرامًا وتشريفًا له. قال الشارح رحمه الله: «وقول الشيخ: والصراط منصوب إلى آخره، أصل الصراط: الطريق الواسع، غير أنه سمي بذلك لأنه يصطرت العابرين -أي: يبتلعهم- إذا سلكوه». وقد استعملوا في الطريق المعنوي، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾. والصراط الأخروي -الذي هو الجسر الممدود على ظهر جهنم بين الجنة والنار- حق لا ريب فيه؛ لورود خبر الصادق به. قال: «ومن استقام على صراط الله الذي هو دينه الحق في الدنيا استقام على هذا الصراط في الآخرة». وقد ورد في وصفه: «أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف». وفي حديث أبي سعيد -الذي في وصف الشفاعة ووصف الصراط أيضًا- وأنه مضحضة مزلة، وعليه حسك، وعليه كذلك ما عليه من أوصاف. قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته، وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات». أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضي بينهم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على