شرح العقيدة الواسطية 45

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 45، ألقاها

القول على الله بغير علم وعلاقته بالشرك

يشرح المقطع الأول سبب ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية آية النور في سياق الصفات، ويبين أن القول على الله بغير علم حرام وخطير. وقد ذهب العلامة ابن القيم إلى أنه أشد من الإشراك بالله في بعض المعاني.

التفريق بين الحكم العام والحكم الخاص في التكفير

يشرح المقطع أهمية التفريق بين الحكم العام على الأفعال أو الأقوال بأنه كفر أو شرك، والحكم الخاص على الأشخاص المعينين. يُبين أن ليس كل من وقع في الكفر يُعتبر كافرًا.

شروط وضوابط التكفير وتطبيقاتها

يتناول المقطع شروط التكفير وضوابطه، ويبين أن الوقوع في الكفر لا يعني بالضرورة أن يكون الشخص كافرًا. كما يشدد على أهمية التثبت في الحكم على الأشخاص المعينين.

أهمية الرجوع لأهل الاجتهاد في الأمور الدينية المعقدة

ينصح المقطع الأخير بالابتعاد عن الأمور الدينية المعقدة والرجوع لأهل الاجتهاد الذين لديهم علم بالكتاب والسنة وأقوال أهل العلم. يُشدد على أهمية أن ينزل هؤلاء العلماء الأحكام بشكل مناسب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. تَقدَّم معنا في الدرس الماضي الكلام على قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قد يقول قائل: ما الشاهد من ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لهذه الآية هاهنا، وليس فيها دليل من أدلة الصفات؟ الآية من تأمل فيها ليست من آيات الصفات، فلماذا ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا المقام؟ فالجواب: أن هذه الآية ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لبيان عظيم حرمة القول على الله بغير علم، سواء كان في دينه وشرعه وإخباراته، أو أسمائه وصفاته. واضح هذا، يختم الشيخ رحمه الله بعد أن ذكر جملة من الصفات، ذكر هذه الآية، وكأنه يقول لهذا القائل وهذا المتعلم: وتعلم ما ذكر من الآيات والأدلة على إثبات الصفات يجب أن يثبت، ولا يجوز لأحد أن يتقول على الله عز وجل نفيًا أو إثباتًا بغير علم. لا يجوز لأحد أن يتقول على الله بأن يقول: هذا نثبته لله عز وجل، أو هذا ننفيه عن الله عز وجل، تقولاً على الله عز وجل. فلأجل هذا المعنى -والله أعلم- ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذه الآية هاهنا؛ ليبين عظيم حرمة القول على الله عز وجل في دينه وشرعه، وكذلك في باب أسمائه وصفاته وإخباراته سبحانه وتعالى. هذا أمر، وأمر آخر: أن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى -كما مر معنا في الدرس الماضي- ذكر أن الله عز وجل رتب في هذه الآية الذنوب، فذكر الذنب، ثم ذكر بعده أشد منه، ثم ذكر بعده أشد منه. فجعل شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى القول على الله عز وجل بغير علم أشد من الإشراك بالله عز وجل. أشد من الإشراك بالله عز وجل. وقد استشكل بعض الأخوة هذا، قالوا: كيف يقال هذا؟ وقد علم ضرورة أن الشرك بالله عز وجل ذنب هو أعظم الذنوب مطلقًا، وإثم هو أعظم الآثام، وكبيرة هي أكبر الكبائر. فكيف يقال: إن القول على الله عز وجل أشد منه؟ والجواب عن هذا -والله أعلى وأعلم-: أن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى لحظ إلى أمر آخر، وهو أن المشرك بالله عز وجل هو عابد لله عز وجل وعابد لغير الله عز وجل، فوقع من المشرك التشريك في عبادة غير الله عز وجل، فهو يعبد الله ويعبد غير الله عز وجل. فكان مشركًا بذلك الإشراك، وكان بذلك الإشراك قد وقع في الذنب الأعظم الذي لا يغفره الله عز وجل أبدًا. هذا أمر. وأما القائل على الله عز وجل -سواء كان في شرعه ودينه، أو كان في باب إخباراته سبحانه وتعالى- فإنه نصب نفسه منصب الرب جل وعلا؛ إذ أنه يقول: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا يجوز على الله، وهذا لا يجوز على الله، ويخبر بما شاء، وينفي ما شاء، وكأنه هو الله رب العالمين. فلأجل هذا المعنى ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى هذا المعنى، وهذا ملحظ دقيق من العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وفقه عليه جماعة من العلماء المحققين، منهم العلامة عبد العزيز ابن باز -عليه رحمة الله- وعليهم جميعًا رحمة الله. فالحاصل: أن هذا الذنب كان أشد من الشرك للمعنى المذكور -والله أعلى وأعلم-. بقي أمر ثالث، وهو: قد يقول قائل: قد علم أن من أشرك بالله عز وجل فهو مشرك، فهل من تقول على الله عز وجل يكون كافرًا؟ ويكون حاله أشد من المشرك؟ فالجواب: أن المقدمة الأولى ليست بصحيحة، فكذلك تكون النتيجة. أو الجواب عن هذه النتيجة: وهو أنه ليس كل من وقع في الشرك فهو مشرك، وليس كل من تقول على الله عز وجل يكون كافرًا. بل أهل السنة والجماعة يفرقون بين الحكم العام والحكم الخاص على المعين. وهذا أمر مهم ينبغي أن يتسلح به طالب العلم في كل مقام في هذه المقامات؛ في مقام الحكم على القول أو على العمل أو على الاعتقاد بأنه كفر أو شرك أو فسق أو بدعة، وتطبيق هذا الحكم على المعين، وتطبيق هذا الحكم على الشخص المعين. فليس كل من وقع في الكفر فهو كافر، ولا كل من قال الكفر فهو كافر، ولا كل من اعتقد شيئًا مما هو كفر يكون كافرًا. ففرق بين الحكم العام والحكم الخاص. فمثلاً: أهل السنة والجماعة يقولون: «من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر»، هذا حكم عام. واضح: جماعة عملاً: هل كل فرد ممن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر؟ الجواب: لا. كما نبه إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذلك عمل به الأئمة، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، الذي قد ابتلي بتلك الفتنة ابتداءً عظيمًا وشديدًا، ومع هذا كان يدعو ذلك الأمير الذي كان يدعو إلى خلق القرآن، وقد ناظرهم الإمام أحمد، ومع هذا كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يطيعه ويدعو له. قال العلماء في هذا: إشارة إلى هذا المعنى، وإلى تطبيق هذه القاعدة من أئمة السنة؛ إذ أن الرجل يقول بكلمة الكفر -ولا شك ولا ريب- بل ويدعو إليها، ومع هذا ما كفر عينًا. مع أن عبارات الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- والسلف واضحة وجلي في أن من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر. فعلى ماذا حمل هذا؟ قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: هذا تفريق من الأئمة، وتطبيق من الأئمة بين الحكم العام والحكم الخاص. الحكم العام لا بد أن يكون قد ثبت ذلك الحكم من كتاب الله عز وجل، أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ أي تسمية ذلك الحكم بأنه كفر أو شرك أو فسق أو بدعة؛ لأنها أحكام شرعية، والأحكام الشرعية مأخوذة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، وكما في هذه الآية التي بين أيدينا: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. هذا بالنسبة للحكم العام والحكم الخاص -كما سمعتم-: لا يحكم على شخص معين وقع في الكفر بأنه كافر، ولا وقع في الشرك بأنه مشرك، ولا أنه وقع في البدعة فهو مبتدع، ولا أنه وقع في الفسق فهو فاسق. بل لا بد من توفر شروط وانتفاء موانع، فإذا توفرت الشروط وانتفت الموانع وأقيمت الحجة واستبانت المحجة، فبعد ذلك يحكم على الشخص المعين بأنه كافر. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: «وأنا أكرر دائمًا في مجالس: أن الجهل عذر من التكفير». قال: وأستدل بقصة ذاك الرجل الذي قال لأولاده: «أي أب كنت لكم؟» قالوا: «خير أب». فقال: «إذا مت فأحرقوني، ثم أسحقوني، ثم إذا كان يوم عاصف فانثروا رمادي في الهواء». ثم قال: «والله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين». وهذا -كما ترون- شك في قدرة الله عز وجل على جمعه، وعلى إحيائه بعد موته. وهذا -كما هو معلوم- من ضرورة الدين بأنه كفر؛ لأنه شك في قدرة الله عز وجل. ومع هذا جاء في الحديث: أن الله عز وجل جمع أجزاءه، فلما كان الرجل كما كان، قال له ربه عز وجل: «ما حملك على ذلك؟» فقال الرجل: «خشيتك يا رب». قال له ربه جل وعلا: «فقد غفرت لك». فاستدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على أن ليس كل من وقع في الكفر فهو كافر؛ بل ربما يقع في الكفر عن اجتهاد، أو يقع في الكفر عن خطأ، أو يقع في الكفر عن جهل، أو وقع في الكفر عن تأويل سائغ، وما شابه ذلك. فهذه موانع من موانع التكفير. فإذا كان كذلك، رجعنا إلى مسألتنا، وهي: هل كل من قال على الله عز وجل قولاً بغير علم يكون كافرًا؟ الجواب: أن هذا كحكم عام، كذلك. لكن كحكم على أشخاص وأفراد يختلف. وأصل المسألة: أن ينسب الإنسان قولاً على الله عز وجل إلى الله، فيقول: هذا قاله الله، أو أمر به الله، أو ما شابه ذلك. فهذا يكون كافرًا بالله العظيم. وهذا واضح إذا كان الرجل يقول ما يقول عالِمًا متعمدًا قاصدًا لذلك. يكون كافرًا عينًا، لا سيما إذا لم يكن متأولاً. أما من قال ما قال وذكر ما ذكر عن اجتهاد خاطئ، أو عن تأويل سائغ، أو عن جهل، فإنه قد يكون معذورًا بجهله. ولكن العلماء ينبهون في مثل هذا المقام على دقيقة، ومنهم العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. فقد ذكر بعد أن ساق هذا الكلام في «إعلام الموقعين»: «وعلى هذا ينبغي للعالم إذا اجتهد في قول ما أن لا ينسبه إلى الله عز وجل في المسائل التي هي من مسائل الاجتهاد». فعليه أن لا ينسبه إلى الله عز وجل، بل ينسبه إلى نفسه، يقول: «هذا الذي ظهر لي، وهذا الذي ترجح عندي، وهذا رأيي»، وما شابه ذلك من العبارات التي تشعر بأن هذا القول هو محض رأي واجتهاد من ذلك القائل. وقد يكون صوابًا في نفس الأمر، وقد لا يكون صوابًا في نفس الأمر. بقي أمر ثالث أو رابع، وهو: هل يقال: أو هل يقيم الحجة كل أحد؟ أم لا يقيمها إلا أفراد من الناس؟ الجواب: أن مثل هذا الباب مضيق، أن مثل هذا الباب -وهو الحكم على المعين بأنه كافر أو ما شابه ذلك- هذا حكم، هذا الباب مضيق للأدلة الكثيرة المانعة من هذا؛ أي من التجرؤ في الأحكام على هذه المسألة. فمن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. ومن ذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه: يا كافر، فإن كان كما قال، وإلا حارت عليه». ومعنى «إلا حارت عليه»: أي رجعت عليه تلك الكلمة. وقد ذكر العلماء -ومنهم الإمام النووي رحمه الله- في شرح هذا الحديث خمسة أقوال للعلماء. قال رحمه الله فيما قال: «إن هذا الحديث مما استشكل معناه على كثير، أو قال: جماعة من العلماء». ثم وجه هذا الحديث على خمسة أوجه. رجع إليها من أرادها. المهم من هذه الأوجه المذكورة، أو الشاهد من هذا الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يكون متثبتًا في الحكم على الشخص المعين بهذا الحكم؛ لأنه -كما قال رحمه الله-: «فإن كان كما قال، وإلا ردت عليه». فإذا علم هذا، كان هذا سببًا لمعرفة الجواب عن هذه المسألة، وهي: هل كل أحد يقيم الحجة؟ أم أن هذه المسألة لا يقوم بها إلا الخواص؟ فالجواب: أن هذه المسألة -والله أعلى وأعلم- لا يقوم بها إلا الخواص؛ وذلك لأن هذا الحكم من الأمور الاجتهادية، الحكم على الشخص المعين بأنه كافر، أو أنه فاسق، أو أنه مبتدع، من الأمور الاجتهادية. والأمور الاجتهادية لا يقوم بها إلا مجتهد، قد قامت به مقومات الاجتهاد. والاجتهاد -كما هو معلوم عند أهل السنة والجماعة، وعليه المحققون من العلماء-: أنه لا يشترط في هذا الاجتهاد أن يكون مجتهدًا مطلقًا، بل يكون يدخل فيه المجتهد المطلق دخولاً أوليًا، ويدخل فيه المجتهد اجتهادًا جزئيًا. ولكن -كما سمعتم-: الأولى في هذا الباب، الأحرى أن يبتعد الإنسان عن هذه الأمور، وأن يرفع الإنسان هذه الأمور إلى أهل الاجتهاد الذين قد تضلعوا من علم الكتاب والسنة، وعرفوا أقوال أهل العلم، ونزلوا الأحكام على المحكومين على وصف يليق بأولئك المحكومين -والله أعلى وأعلم-. نكتفي بهذا القدر، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على