شرح العقيدة الواسطية 13

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 13، ألقاها

مقدمة في منهج أهل السنة والجماعة

يبدأ الدرس بشرح الآية الكريمة "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" كدستور لأهل السنة والجماعة في باب الصفات، ويوضح منهجهم في التعامل مع الآيات المتشابهة بإرجاعها إلى المحكم.

إثبات أسماء الله وصفاته

يشرح الدرس طريقة أهل السنة والجماعة في إثبات أسماء الله وصفاته دون تحريف أو تعطيل، ويبين أن الإلحاد في أسماء الله يكون بجحدها أو تحريفها، مع ذكر أمثلة من فرق ضالة.

الرد على شبهة التمثيل

يناقش الدرس شبهة التمثيل في إثبات الصفات الإلهية، ويوضح أن إثبات الصفات لا يعني مماثلتها لصفات المخلوقين، ويبين منهج السلف في إثبات المعاني الظاهرة ونفي المعاني الباطلة.

خاتمة وذكر الله

يختتم الدرس بخاتمة تشمل تسبيح الله والاستغفار، مع أدعية مثل التسبيح والاستغفار والتوبة إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله. كتاب الله عز وجل هو دستور أهل السنة والجماعة في باب الصفات، فإن الله عز وجل قد جمع فيها بين النفي والإثبات، فنفى عن نفسه المثل وأثبت لنفسه سمعا وبصرا، فدل هذا على أن المذهب الحق ليس هو نفي الصفات مطلقا كما هو شأن المعطلة، ولا إثباتها مطلقا كما هو شأن المثلة، بل إثباتها بلا تمثيل. قوله رحمه الله تعالى: «وهو يتكلم على قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾»، قال: «هذه الآية المحكمة»، وقوله: «هذه الآية المحكمة» في إشارة إلى أن قرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه. والمراد بالمتشابه: أنه ما كان له أكثر من معنى، أي: في آيات الكتاب من القرآن ما هو محكم لا يدل إلا على معنى واحد، ومنه ما يدل على أكثر من معنى. وطريقة الراسخين في العلم، وطريقة أهل الحق: إرجاع المتشابه إلى المحكم حتى يصير القرآن كله محكما. وطريقة أهل الزيغ خلاف ذلك، فيرجعون المحكم إلى المتشابه ليصير القرآن كله متشابها، ابتغاء الفتنة وبابتغاء تأويله، كما أشار إلى ذلك ما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. قوله رحمه الله: «هذه الآية المحكمة»، فهي كما ذكر رحمه الله تعالى واضحة صريحة في المقصود. قال: «هي دستور أهل السنة والجماعة»، الدستور من الألفاظ الحديثة، وليست هي كلمة عربية، وإنما هو اصطلاح متأخر. ولو أنه رحمه الله تعالى عبر بتعبير آخر، كأن يقول: «هذه الآية قاعدة عند أهل السنة والجماعة»، أو «أصل عند أهل السنة والجماعة»، أو ما شابه ذلك، لكان أولى من التعبير بالدستور. قوله رحمه الله تعالى: «وأهل السنة والجماعة هي دستور أهل السنة والجماعة في باب الصفات»، أي: المراد ها هنا بالدستور، أي: القاعدة الذي يرجع إليه المراد به هنا، أي: القاعدة الذي يرجع إليها في هذا الباب. قال: «فإن الله عز وجل قد جمع فيها بين النفي، فنفى عن نفسه المثل وأثبت لنفسه سمعا وبصرا»، النفي في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ليس كمثله شيء، في هذا الجزء من هذه الآية، نفى الله عز وجل أن يكون له مثيلا، أو يكون له نظيرا، أو يكون له سميا، سبحانه وتعالى. وفي الشطر الآخر قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فأثبت لنفسه سبحانه وتعالى اسم السميع واسم البصير، وهما يتضمنان صفتي السمع والبصر. فدل هذا على أن إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه لا يستلزم منه مماثلة المخلوقين، بل يثبت لله عز وجل ما أثبته الله عز وجل لنفسه، ومع صيانته عن المماثلة المخلوقين، كما هو نص هذه الآية. قال رحمه الله تعالى: «فنفى عن نفسه المثل وأثبت لنفسه سمعا وبصرا»، فدل هذا على أن المذهب الحق ليس هو نفي الصفات مطلقا كما فعلت المعطلة. والمعطلة ماذا فعلوا؟ نفوا الصفات مطلقا، ليس كمثل شيء، توقفوا إلى ها هنا، ليس كمثل شيء، فنفوا جميع الصفات. وفي مقابلهم الممثلة أثبتوا ماذا؟ الصفات، وغلوا في الإثبات حتى قالوا: إن صفات الله عز وجل مثل صفات المخلوقين. فالقوم كما يقول أهل العلم طرفي نقيض، والحق بين هؤلاء وبين هؤلاء، بين المعطلة الذين نفوا عن الله عز وجل ما يستحقهم الأسماء والصفات بحجة التنزيه، وبين الممثلة الذين غلوا في الإثبات بحجة الإثبات. والحق بين هؤلاء وبين هؤلاء، فأهل السنة والجماعة ينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، ومن النقائص والعيوب مماثلته سبحانه وتعالى لخلقه، ولكن تنزيههم من غير تعطيل. وفي المقابل إثباتهم يثبتون لله عز وجل ما أثبته لنفسه، ولكن إثباتهم من غير تمثيل. واضح هذا: أن أهل السنة والجماعة يطلقون هذه القاعدة: إثبات أنهم يثبتون ما أثبت الله عز وجل لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتا من غير تمثيل. لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وتنزيها من غير تعطيل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قوله رحمه الله تعالى: «وقد اختلف في إعراب ليس كمثله شيء على وجوه، أصحها: أن الكاف صلة زيدت للتأكيد»، كما في قول الشاعر: «لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرٍ خُلُقٌ يُوَازِيهِ فِي الْفَضَائِلِ فِيهِ». قال الشيخ رحمه الله تعالى: «أن النحاة اختلفوا في إعراب هذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ورجح رحمه الله تعالى أن الكاف صلة زيدت للتأكيد»، ويكون على هذا إعرابها: ليس فعل ماضي ناقص، وكمثله: الكاف في الإعراب يقال لها: زائدة. وباعتبار المعنى لها معنى، ما هو هذا المعنى؟ المعنى أنها صلة وتوكيد. وقوله: «كمثله» مجرور لفظا بحرف الكاف، ومنصوب محلا؛ لأنه خبر ليس مقدم، وشيء: اسمها مؤخر. قوله رحمه الله تعالى: «على وجوه، أصحها: أن الكاف صلة زيدت للتأكيد»، وهي المعبر عنها بأن الكاف صلة وتوكيد. ومعنى هذا: أن الكاف أتي بها لمعنى. وكما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وكان تلميذه ابن القيم: أن كل حرف في القرآن فإن له معنى، وليس أو قالوا: ليس في القرآن حرف زائد ليس له معنى اتفاقا»، أي: باتفاق أهل العلم. بل كل حرف في القرآن له معنى، ولكن يعلمهم من يعلمهم، ويجهلهم من يجهله. وهذا من هذا الباب، في قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فيه توكيد لهذا النفي. وكما قال من أهل العلم: «أن التقدير: ليس مثله شيء»، كأنها ماذا؟ كأنك كررت، فاستغنيت عن التكرار، أو استغنيت عن التكرار بماذا؟ بالإتيان بحرف الكاف. إذا قيل: أنها ماذا؟ صلة، جئ بها للتوكيد. ووضح هذا جماعة: إذا قلنا: «ليس كزيد أحد»، استغنيت أن أقول: «ليس مثل زيد أحد»، بدلا من أن أكرر كلاما مرة بعد مرة حتى أؤكد المعنى، أتيت بماذا؟ بهذا الحرف لهذا المعنى. قوله رحمه الله تعالى: «وقوله: ﴿فَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ﴾ إلى آخره»، أي: في قول الشيخ الإسلام رحمه الله: «فلا ينفون عنه»، إلى آخر كلامه. قال: «تفريع على ما قبله»، أي: إذا كانوا يثبتون ما أثبت الله عز وجل لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. وطريقتهم في ذلك طريقة الكتاب والسنة، فهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه. واضح هذا: أن قوله: «تفريع على ما قبله»، أي: على ما تقدم وتقرر في ما سبق. قال: «فإنهم إذا كانوا يؤمنون بالله على هذا الوجه، فلا ينفون، ولا يحرفون، ولا يكيفون، ولا يمثلون». قال: «والمواضع»، أي: في قوله: «ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها»، قال: «والمواضع جمع موضع، والمراد به: المعاني التي يجب تنزيل الكلام عليها؛ لأنها هي المتبادرة منه عند الإطلاق». فهم لا يعدلون به عنها، بمعنى: أن طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب: إثبات المعاني الظاهرة من النصوص، وعدم الخروج عن هذا الظاهر إلا بقارينة شرعية معتبرة. فإن لم تكن فالأصل بقاء الظاهر على ظاهره، ولا يخرج عنه إلا كما سمعتم: بقارينة شرعية معتبرة. قوله رحمه الله تعالى: «وأما قوله: ﴿وَلَا يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾»، قال: «فقد قال العلامة ابن القيم رحمه الله: والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها»، مأخوذ من الميل. كما يدل عليه مادة اللام والحاء والدال، فمنه: اللحد، وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه: الملحد، ومنه: الملحد في الدين: المائل على الحق، المدخل فيه ما ليس منه. قال رحمه الله تعالى: «نقلا عن العلامة ابن القيم: أنه عرف إلحاد في أسماء الله عز وجل بقوله: هو العدول بها»، العدول بها: بأسماء الله عز وجل ومعانيها، عن معانيها الظاهرة. قال: «العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها إلى معاني أخرى»، أو إخراجها إلى غير معنى كما هو فعل المعطلة: إما أن يفعل فعل المعطلة: بإثبات بنفي معنى الحق، وعدم إثبات معنى آخر. وإما بفعل من؟ بفعل المحرفة المؤولة: الذين يخرجون اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر باطل. فكل هذا من الإلحاد، وهو كما ذكر رحمه الله تعالى: مأخوذ من الميل، كما دل عليه مادته في اللغة. قال رحمه الله: «فالإلحاد فيها إما أن يكون بجحدها وإنكارها بالكلية»، كما هو فعل غلات الجهمية: الذين ينفون جميع أسماء الله عز وجل وجميع الصفات، بل لا يثبتون لله عز وجل شيئا، حتى الوجود لا يثبتونه لله عز وجل. قال: «وإما بجحد معانيها وتعطيلها»، كما هو حال المعتزلة: الذين أثبتوا لله عز وجل أسماء، وجعلوها أسماء جامدة لا معاني لها. قال: «أو بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات الفاسدة»، كما فعلت الأشاعرة ونحوهم في هذا الباب، صالوا وجالوا، فهو باب جهمي معتزلي أشعري. قال رحمه الله تعالى: «وإما بجعلها أسماء لبعض المفتدعات»، كإلحاد أهل الاتحاد: الذين يقولون: إن الكون عين واحدة، فكل شيء في الكون فهو الله سبحانه وتعالى. تعالى الله عز وجل وتقدس عن هذا القول، حتى قال كبيرهم ومجرمهم: إذا نادى أو سبح أو نعم، إذا سمع صوت الكلب، قال: «سبحانك سبحانك»، نعوذ بالله عز وجل من الزيغ. فذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن الإلحاد في أسماء الله عز وجل وصفاته يكون بأمور، منها: جحدها وإنكارها بالكلية، كما هو حال غلاة الجهمية. ومنها: جحد معانيها وتعطيلها، كما هو حال المعتزلة. ومنها: تحريفها عن الصواب، كما هو حال الأشاعرة ونحوهم. قال رحمه الله تعالى: «وخلاصة ما تقدم: أن السلف رضي الله عنهم يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه، وبكل ما أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم»، إيمانا سالما من التحريف والتعطيل، ومن التكييف والتمثيل. ويجعلون الكلام في ذات الباري وصفاته بابا واحدا، فإن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، يحتذي فيه حذوها. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات. وهذا المعنى نقل عليه الإمام الخطابي الإجماع، وكذلك الخطيب البغدادي نقل الإجماع على هذا المعنى: إجماع السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى. بأن هذا الباب: باب الصفات يحتذي حذو الذات، وأن إثبات الصفات إثبات وجود، كما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف. فيثبتون لله عز وجل الصفات، وأنها حقيقة لائقة بالله عز وجل، على الوجه اللائق بالله عز وجل، كما يثبتون لله عز وجل الذات حقيقة على الوجه اللائق بالله عز وجل. فإذا سئل السلف: هل تثبت لله عز وجل صفة؟ فالجواب: نعم. وإذا قيل لهم: هل تعلم هذه الكيفية؟ فالجواب: لا. إنما هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ونقول كما يقول أهل السنة والجماعة: أن إثباتنا لهذه الصفات إثبات وجود، ما معنى إثبات وجود؟ أنها صفات حقيقية ثابتة موجودة لله عز وجل. كما أننا نقول: إن ذات الله عز وجل حقيقة موجودة، فكذلك يقال في الصفات. فإذا قيل لنا: أنتم تثبتون لله عز وجل الصفات، نقول: نعم. قال: «يلزم من ذلك التمثيل»، إذا أثبتتم لله عز وجل أنه سميع بصير، والمخلوق سميع بصير، يلزم من ذلك ماذا؟ مماثلة المخلوق للخالق، أو العكس. فيقال له: وهل تثبت لله عز وجل ذاتا؟ فما هو الجواب؟ إما أن يقول: نعم، وإما أن يقول: لا. إن قال: لا، كفر. واضح هذا: إن قال: لا أثبت لله ذاتا، أو وجودا، هل تثبت أن الله عز وجل موجود؟ إذا قال: لا، كفر مباشرة. نقول له: هل تثبت لله عز وجل ذاتا؟ سيقول: نعم، إذا كان من أهل الإيمان. فنقول له: كيف ذات الله عز وجل؟ صف لنا كيفية ذات الله عز وجل؟ فما هو الجواب؟ الجواب: كيفية الله عز وجل بالنسبة لنا مجهولة. فأنا أثبتها مع أني لا أعلم حقيقتها، لا أعلم كيفية هذه الذات. فيقال لهم: القول في الصفات كالقول في الذات، نحن أيضا نثبت لله عز وجل صفات تليق بالله عز وجل، لا نعلم كيفية هذه الصفات. ولا يلزم من إثبات هذه الصفات مماثلة هذه الصفات لصفات المخلوقين، كما لا يلزم من إثبات الذات لله عز وجل مماثلة هذه الذات لذوات المخلوقين. فالباب واحد؛ لأن الكلام في الصفات كالكلام في الذات. قوله رحمه الله تعالى: «وقد يعبرون عن ذلك بقولهم: تمر كما جاءت بلا تأويل»، يوجد في بعض كلام السلف هذه العبارات: «تمر كما جاءت بلا تأويل»، إذا سئلوا عن آيات الصفات وأحاديث الصفات، يقولون: ماذا؟ نثبت هذه، أو أمروها كما جاءت من غير تأويل. أو بعضهم يقول: «قراءتها تأويلها»، وبعضهم يقول: «أمروها أو تمر كما جاءت من غير كيف»، وما شابه ذلك من هذه العبارات. فيقول الشيخ الهراس منبها على هذا الأمر: «وقد يعبرون عن ذلك بقولهم: تمر كما جاءت بلا تأويل»، ومن لم يفهم كلامهم، ظن أن غرضهم بهذه العبارة هو قراءة اللفظ دون التعرض للمعنى، وهو باطل. فإن المراد بالتأويل المنفي هنا هو حقيقة المعنى وكنهه وكيفيته. واضح هذا: تنبيه جيد من الشيخ الهراس رحمه الله تعالى؛ إذ أن بعض من جهل عبارات السلف قد يتشبث بمثل هذه العبارات. فيظن أن السلف يفوضون كما قال من قال من الأشاعرة: في أن السلف مذهبهم بالتفويض. من أي لهم من مثل هذه العبارات. وما فهم هذا المسكين: أن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم حينما قالوا: «تمروا كما جاءت»، ما مقصودهم؟ تمروا كما جاءت: كيف جاءت؟ هذه الألفاظ جاءت ألفاظ من غير معان، أو جاءت ألفاظ بمعان معلومة؟ القرآن أنزل بألفاظ معلومة، أو بألفاظ مجهولة؟ بألفاظ معلومة. لذا قال الله عز وجل آمرا لعباده: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فالله عز وجل أمر وحث على ماذا؟ على التدبر. وهل يكون التدبر إلا لشيء يعقل ويعلم معناه؟ واضح هذا: قول السلف: «تمر كما جاءت»، أي: بألفاظها ومعانيها، بألفاظها ومعانيها هكذا جاءت في القرآن. وقولهم: «بلا تأويل»، أيضا توكيد لهذا المعنى، قولهم: «من غير تأويل»، توكيد لهذا المعنى؛ إذ أن التأويل المنفي هنا: تأويل من؟ تأويل أهل الأهواء. وتأويل أهل الأهواء ما هو؟ إخراج الألفاظ عن ظواهرها إلى معاني أخرى. فإخراج الألفاظ عن معانيها الظاهرة إلى معاني أخرى يدل على ماذا؟ على إثبات معنى وعلى نفي معنى. واضح هذا: يدل على إثبات المعنى الحق أنها تبقى على ظاهرها، وهو المعنى الحق. وأن إخراجها من هذا المعنى الحق إلى المعنى الآخر هو الباطل. فإن السلف يثبتون المعنى الظاهر من النصوص. وكذلك في قول: «بلا تأويل»، فيه إشارة إلى نفي المعنى الباطن، إلى نفي المعنى الباطن الذي هو الكنه والكيفية. لأن الجهمية ومن شاكلهم كانوا يغوصون زعما في معرفة المعنى الباطن، واستخلاص المعنى الباطن من النصوص، فأرداهم هذا الغوص وهذا التعمق إلى ماذا؟ إلى الضلال والعياذ بالله. فهم سعوا في معرفة كيفية الله عز وجل، وكيفية صفاته، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الضلال. لذا كان السلف رضي الله عنهم وأرضاهم يقولون: «تمر كما جاءت بلا تأويل». قال رحمه الله تعالى: «قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث»، وهذا أمر كذلك مجمع عليه. ومن أن باب الأسماء والصفات توقيفي، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى في كتابه التمهيد. وكذلك الإمام السيجزيني رحمه الله تعالى في كتابه في الحرف والصوت، في رسالته إلى أهل زبيد، قال: «وقال نعيم بن حمد شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل». وهذا الأثر كذلك عن نعيم بن حمد مجمع عليه، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: مجمع على هذا المعنى، من أن من شبه الله بخلقه فقد كفر إجماعا. وأن من جحد ما وصف الله به نفسه كذلك كفر، كذلك ماذا؟ إجماعا. وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل. وهذا كما سمعتم، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن هذا الأمر مجمع عليه. وهذا الأثر عن نعيم بن حمد رحمه الله تعالى ثابت عنه، قد رواه الإمام الذهبي في كتابه العلو، وغيره، وصححه الإمام الذهبي في ذلك الكتاب. وكذلك العلامة الألباني في مختصر العلوم. والله أعلم. وإلى هنا: سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على