شرح الأصول الثلاثة 4

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 4، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة في الأصول الثلاثة: أهمية الرسالة ومنهج المؤلف التعليمي

يستهل الشيخ بشرح مكانة رسالة الأصول الثلاثة للإمام محمد بن عبد الوهاب، مبيناً تميزها بسهولة الأسلوب والاختصار والاعتماد على الأدلة، وأن معرفتها والعمل بها سبب للسعادة في الدنيا والبرزخ والآخرة. ثم يوضح أن الأصول الثلاثة هي معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، مستعرضاً منهج المؤلف في التعليم بأسلوب السؤال والجواب اقتداءً بهدي النبوة.

شرح الأصل الأول: معرفة العبد ربه ومعنى الربوبية وأنواع التربية

يشرح المقطع معنى معرفة العبد بربه بأنها معرفة منتجة للعمل بلوازمها كالتوحيد والخوف والرجاء، ويبين أن سؤال "من ربك؟" يجاب بـ "ربي الله الذي رباني ورب العالمين بنعمه". كما يفرق بين التربية العامة المشتركة بين الخلائق والتربية الخاصة بأهل الإيمان على التوحيد والسنة.

أنواع نعم الله ومعنى الحمد ومعرفة الرب بآياته ومخلوقاته

يشرح المقطع أن نعم الله نوعان: حسية تقوم عليها الحياة البدنية، ومعنوية تقوم عليها حياة القلوب كالتوحيد والإيمان، وأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد العبودية. كما يبين معنى «الحمد لله رب العالمين» بأن الحمد هو الثناء مع المحبة والتعظيم لله وحده، والعالمين هم أصناف المخلوقات، ويذكر طريقين لمعرفة الله: النظر في مفعولاته وآياته الكونية، والتفكر في الآيات المسموعة.

خاتمة الدرس وإعلان تكملة الأصل في الدرس القادم

يعلن المحاضر انتهاء الدرس الحالي ويؤكد استمرار شرح الأصل العظيم في الدرس القادم، مختتماً بالحمد لله. ويشير إلى أن تكملة الأصل الأول ستكون في الجلسة المقبلة.

  • 27 جمادى الأولى 1445هـ - 09/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى، المسماة بالأصول الثلاثة أو ثلاثة الأصول. وكما سبق معنا أنها تعتبر من أفضلي ومن أعظم رسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ومؤلفات الشيخ رحمه الله. كما سبق أنها متميزة، تميزت بأمور عدة، منها: ماذا؟ إيش قلنا؟ فيما تميزت به؟ نعم، سهولة أسلوبها، فعباراتها ليست بتلكم المعقدة أو الصعبة، فيفهمها المتعلم كما يفهمها المبتدئ والعامي. كذلك أيضاً مما تميزت به رسائل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله، إضافة إلى سهولة أسلوبها وعبارتها، فتميزت باختصارها، باختصارها فهي مختصرة، واعتمد رحمه الله تعالى فيها على بيان الأمور بأدلتها من الكتاب، وهكذا أيضاً من السنة. والأصول الثلاثة التي بنى عليها هذه الرسالة هي تعتبر من الأمور المهمة جداً، فكما سبق معنا يترتب على معرفتها والعمل بها السعادة في الدنيا، السعادة في الدنيا، وهكذا أيضاً السعادة في البرزخ، وهكذا السعادة في الآخرة. ففي حديث العباس قال عليه الصلاة والسلام: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً». فهذا سبب لانشراح الصدور وطمأنينة القلوب، وهكذا السعادة في الدنيا، وفي البرزخ في حديث البراء بن عازب الطويل، وفيه بيّن عليه الصلاة والسلام ساعة الاحتضار وخروج هذا الإنسان من هذه الدنيا، إقباله على الآخرة وإدباره من الدنيا، فإنه إذا وضع في قبره ووسد في لحده وأهيل عليه التراب، وانصرف عنه الأهل والأحباب والناس، يأتيه ملكان فيجلسانه ويسألانه، عمّ يسأل؟ يسأل عن هذه الأصول الثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء، ويفعل الله ما يشاء. ومن الناس من تثقل لسانه ويتلعثم في جوابه، لا يوفق، لماذا لا يوفق؟ لأنه في الدنيا لم يكن من أهل هذه الأصول الثلاثة، ما تعرف عليها وعمل بلوازمها، بمقتضياتها، بمقتضياتها، كما سيأتي معنا الإشارة إلى ذلك إن شاء الله عز وجل. وقدم رحمه الله تعالى بين يدي الشروع في الأصول الثلاثة بمقدمة نفيسة وعظيمة، بين فيها مسائل أربع، قال: يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمها، أن يتعلمها، وماذا؟ وذكر هذه المسائل، ثم إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى في بيان هذه المقدمة التي نبه فيها على أهمية التوحيد وعلى فضله وعلى أثره على أهله، وهكذا حذر من الشرك وخطورته وعواقبه الوخيمة. قال رحمه الله تعالى: «فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم». وهنا في قوله: «فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة؟» الأصول يا إخوان جمع أصل، والأصل هو ما يبنى عليه غيره، فأصل البيت ماذا؟ الأساس. وأصل الشجرة ذلكم الجذع الذي تتفرع منه الأغصان، الذي تتفرع منه الأغصان، كما في قوله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 24-25]. تأتي أكلها كل حين بإذن ربها، وماذا؟ وقوله: «الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها»، وبدأ المؤلف بالكلام عن الأصول الثلاثة التي هي موضوع هذه الرسالة وعنوانها، وعنوانها. ولاحظوا يا إخوان أسلوب المؤلف رحمه الله تعالى، سلك أسلوباً تعليمياً ناجحاً، هذا الأسلوب يا إخوان يقوم على طريقة السؤال والجواب، طريقة السؤال والجواب. هنا يقول: «فإذا قيل لك: إذا قيل لك ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟» هذا أسلوب يا إخوان، أسلوب نبوي، يعني أن المدرس يشغل الطالب ويتبادر معه الأسلوب والأجوبة. ودليل ذلك يا إخوان يعني قصة جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد»، أي أن أمره عجيب، «قال: فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخيديه، ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام»، وهكذا بعده: «أخبرني عن الإيمان»، وهكذا: «أخبرني عن الإحسان»، وهكذا: «أخبرني عن الساعة»، ثم عن إماراتها. لما صرف السائل قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «أتدري من السائل؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». إذن هذا أسلوب تعليمي، هذا أسلوب تعليمي. ومن فوائد هذا الأسلوب أن فيه شحذاً للأذهان، وفيه كذلك أيضاً تثبيتا للمحفوظات، فيه تثبيتا للمحفوظات. طيب، قال: «فقل»، أي جواب ذلك: «فقل: معرفة العبد ربه، معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم». وقوله: «فقل» يعني الإجابة يا إخوان عن الأصول الثلاثة ليس بمجرد الحفظ، يأتي واحد يحفظ في الدنيا يقول: الأصل الأول معرفة العبد ربه، والثاني معرفة دينه الإسلام، ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، الله ربي ومحمد نبي والإسلام دينه، يحفظ، يحفظ، ليش تحفظ؟ قال: من أجل ليش أجيب عنها إذا سئلت في القبر؟ لا، ليس هذا هو المقصود، وإنما يا إخوان الإجابة، الإجابة في القبر على حسب ما قاله في الدنيا، وهكذا على حسب ما اعتقده وعمل به، وعمل به. فإذا قوله واعتقاده وعمله على حسب ما قاله واعتقده، وهكذا أيضاً عمل به، فالإجابة على حسب ما كان حيا عليه في الدنيا ومات على ذلك، والموفق يا إخوان من وفقه الله، والمخذول من خذله الله عز وجل في ذلك الموقف. قال: «فقل: معرفة العبد ربه»، و ماذا تعرف العبد على ربه عز وجل؟ المقصود بها المعرفة التي ينتفع بها الشخص، أما معرفة لا ينتفع بها فإبليس مثلا عرف الله عز وجل لكنه لم ينتفع، أبى واستكبر وكان من الكافرين، من تفع بهذه المعرفة؟ وإنما المقصود بالمعرفة التي ينتفع بها صاحبها، فتجده يعمل بلوازمها، يعمل بلوازمها، علم أن الله هو ربه، ما لازم هذه المعرفة؟ أن يعبد الله، ويتقي الله، ويخاف من الله، ويحب، ماذا؟ العمل الصالح الذي أمر الله به، يوحد الله جل في علاه، إلى غيرها من لوازم معرفة معرفة الله عز وجل. تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «معرفة العبد ربه، معرفة العبد ربه، ودينه»، وهكذا معرفة الدين يسلزم من ذلك هو ماذا؟ هو العمل بما في هذا الدين، وقبول ما أتى عن هذا الدين، والدعوة إلى هذا الدين، والثبات على هذا الدين، ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، إلا وأنتم مسلمون. وهكذا: «ونبيه صلى الله عليه وسلم»، وهكذا: «ونبيه صلى الله عليه وسلم»، أنت تعرفت على الأصل الثالث وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا؟ فتتعرف على سيرته، وهكذا أيضاً ماذا؟ تمتثل لأوامره وتجتنب نواهيه، وتصدق الأخبار التي أخبر عنها عليه الصلاة والسلام، تعمل بسنته وهديه، وتبتعد عما خالفه عليه الصلاة والسلام، إلى غيرها من لوازم معرفة هذه الكلمة. إذن يا إخوان ليس مجرد كلام، وإنما معرفة تتضمن قولاً باللسان واعتقاداً، وهكذا عملاً، وهكذا عملاً. ثم بدأ بالأصل الأول، ثم بدأ بالأصل الأول، قال: «فإذا قيل لك»، نفس الأسلوب: السؤال والجواب، السؤال والجواب، وهكذا تجده في بعض مؤلفاته الأخرى ككشف الشبهات وغيرها، قواعد الأربع وغيرها. قال: «فإذا قيل لك: من ربك؟ قال: فقل: ربي الله الذي رباني ورب جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي، ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]». قال: «وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم». الأصل الأول هو معرفة العبد لربه سبحانه وتعالى، فقوله: «فإذا قيل لك» يعني كأن الشيخ يخاطبنا نحن الآن، يقول: إذا قيل لك: من ربك؟ إذا قيل لك: من ربك؟ قال: «فقل: ربي الله»، قال: «فقل: ربي الله»، وقوله: «من ربك؟» ماذا؟ هذا سؤال عن الأصل الأول: من ربك؟ قال: «فقل: ربي الله الذي رباني»، ولاحظوا يا إخوان أن اسم الرب لله تبارك وتعالى يعتبر من أعظم أسماء الله عز وجل، وقد ذكر، وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن أصول، أو أن أسماء الله عز وجل تعود إلى أسماء ثلاثة، تعود إلى أسماء ثلاثة، تعود إلى لفظ الجلالة وهو يا حمزة، لفظ الجلالة، أه، ما هو لفظ الجلالة في أسماء الله عز وجل؟ لما يقول لك: هذا الاسم هو لفظ الجلالة، ما هو المقصود؟ أشهر اسم لله، أشهر اسم لله هو؟ نعم الله، أحسن، هو لفظ الجلالة، ما هو لفظ الجلالة؟ الله. طيب، الله والرب والرحمن، قالوا: هذه الثلاثة الأسماء هي أهم أسماء الله عز وجل، وبقية الأسماء ترجع إليها، ترجع إليها. والرب في أسماء الله عز وجل يا إخوان، جميع معاني الجلال والفعل والقدرة والإحسان، قالوا: هذه كلها ترجع إلى هذا الاسم، إلى هذا الاسم، ألا وهو اسم الرب، ألا وهو اسم الرب. قال: «فإذا قيل لك: من ربك؟ فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني ورب جميع العالمين بنعمه، ورب جميع العالمين بنعمه». وقوله: «ربي الله الذي رباني» يا إخوان، تربية الله لخلقه على نوعين: تربية عامة، هذه يشترك فيها الجميع، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، كتربيتهم لهم بماذا؟ بتيسير القوت، وهكذا الطعام والشراب واللباس والمسكن والزوجة والولد، وغيرها من هذه الأشياء، هذه ربنا يعطيها الجميع، يعطيها الجميع. التربية الثانية: تربية خاصة، هذه الخاصة بالمؤمنين فقط، لا يشاركهم فيها أحد، وهي التربية على الإسلام والإيمان والتوحيد والسنة، والتربية على العلم النافع والعمل الصالح، وغيرها من الأشياء التي خص الله عز وجل بها أهل الإيمان، أهل الإيمان. فماذا؟ فهذه تربية، فهذه تربية. قال: «فقل: ربي الله الذي رباني»، والتربية يا إخوان ينبغي أن نعلم أن المقصود بها القيام على الشيء وتنشئته، وتنشئته وإصلاحه حتى يبلغ غايته. التربية، لما يقول لك: خذ هذا ربه، فالمقصود ماذا؟ القيام على هذا الشيء بأن تنشئه، وهكذا أيضاً تصلحه حتى يبلغ غايته، حتى يبلغ غايته. قال: «فقل: ربي الله الذي رباني ورب جميع العالمين بنعمه، ورب جميع العالمين بنعمه»، وفي بعض النسخ: «بنعمته»، في بعض النسخ: «بنعمته». وقوله: «قوله بنعمته» هذا يعني مفرد مضاف، مضاف، والمفرد إذا أضيف فيعم الجميع، كقوله عز وجل: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]، نعمة مفرد أو متنى أو جمع، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]، مفرد نعمة الله أضيفت إلى ماذا؟ إلى الله عز وجل، المفرد إذا أضيف يفيد ماذا؟ العموم، أي عموم النعم. ها هنا وفي النسخة الأولى: «بنعمه»، أي بماذا؟ جميع النعم، ورب جميع العالمين بنعمه، بنعمه. ومن الأمور التي ينبغي على الإنسان معرفتها أن نعم الله على نوعين: هناك نعم حسية، وهناك نعم ماذا؟ معنوية. أما النعم الحسية فهي التي قيام الحياة الحسية عليها، مثل ما سبق: طعام، شراب، لباس، مسكن، هواء، هذه قيام الحياة الحسية عليها. هناك نعم معنوية وهي التي تقوم عليها حياة القلوب، كالإسلام والإيمان والتوحيد والعلم النافع وغيرها، كما في قوله عز وجل: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 43]. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهو معبودي، ليس لي معبود سواه». لاحظ لما ذكر الربوبية ذكر العبودية وهي الألوهية، لأن توحيد الربوبية كما سيأتي معنا وهو معروف يستلزم ماذا؟ يستلزم توحيد العبودية والألوهية. أنت إذا اعتقدت أن الله هو الخالق الرازق المصور المحيي المميت المنعم الحي، إلى غيرها، فيلزم ماذا؟ يلزم أن تجعل العبادة له، فلا تجعل لله أنداداً وأنتم تعلمون، وأنتم تعلمون. قال: «وهو معبودي، ليس لي معبود سواه». قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». الحمد يا إخوان المقصود به ماذا؟ وصف المحمود بماذا؟ بصفات الكمال ونعوت الجلال مع المحبة والتعظيم. إنسان يمدح شخص، ليش؟ يبغى مال، يبغى منصب، هذا يقال له مدح، هل يقال له حمد؟ لا، متى يقال له حمد؟ إذا كان محبة وتعظيماً لهذا الممدوح، هنا المدح يكون ماذا؟ حمداً. والإنسان يا إخوان يحمد الله عز وجل، الحمد لله الذي خلقنا ورزقنا وأطعمني وسقانا وألبسنا وأسكننا وهدانا وعافانا، كل ذلك محبة في الله وتعظيماً له، هذا حمد. والحمد، والحمد المطلق لا يكون إلا لمن؟ لله عز وجل. «الحمد» الهنا للاستغراق يا إخوان، استغراق جميع المحامد لله تبارك وتعالى، لله لا لغيره. «رب العالمين»، والعالمين يا إخوان، العالمين جمعوا ماذا يا عفيف؟ العالمين جمعوا عالم، والعالم المقصود به الصنف من المخلوقات، يقال: عالم النبات، صنف النباتات، وعالم الأسماك والأحياء البحرية، عالم الحيوان، عالم الملائكة، عالم الإنسان، عالم الجن، فالعالم هو الصنف من ماذا؟ الصنف من هذه المخلوقات، الصنف من هذه المخلوقات. وسمي العالم عالماً، قالوا: لأنه علم على خالقه وبارئه، علم على خالقه الذي خلقه وأوجده وأبدع خلقه، وأبدع خلقه. كما أنه يقال: خاتم، أي ماذا؟ أي لأنه يختم به، وطابع لأنه يطبع به، فالعالم قيل له عالم لأنه يعلم به الخالق الباري سبحانه وتعالى، الخالق الباري سبحانه وتعالى. طيب، قال: «وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم». نحن كلنا من عالم ماذا؟ من عالم ماذا عندك يا با ناظم؟ نحن من أيش؟ من عالم الأسماكة والنباتة؟ والأحسنت: عالم الإنس، عالم الإنسان. قال: «وأنا واحد من ذلك العالم». ما ما هو المقصود بالعالم؟ ما هو المقصود بالعالم؟ أي: العالمين جمع عالم، والعالم ما هو المقصود به؟ عالم أسماك، نبات، طيور، إنس، جن، ملائكة، الذات، أو ممكن نقول: أيش؟ الصنف من ايش؟ من المخلوقات. أحسنت، العالم قلنا هو الصنف من ماذا؟ من المخلوقات. قال: «وأنا واحد من ذلك العالم». قال: «فإذا قيل لك»، نفس الأسلوب: سؤال ويعطيك السؤال ويعلمك الإجابة. قال: «فإذا قيل لك: بما عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأراضون السبع، ومن فيهن وما بينهما». قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]». وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]. «يغشي الليل النهار، يغشي الليل، يغشي الليل النهار، يطلبه حثيثاً»، أي مسرعاً، «والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره»، أي مذللات، «مسخرات»، أي مذللات بأمره، أي بأمر الله عز وجل، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. و«تبارك» أي أنه بالغ في البركة، غايتها في البركة، غايتها، والبركة كما عرفها بعض العلماء أنها ثبوت الخير الإلهي في الشيء، أن يجعل الله في هذا الشيء خيراً وفائدة عظمى، وفائدة عظمى، والبركة صفة ذاتية وفعلية لله تبارك وتعالى، لله تبارك وتعالى. وقوله ها هنا: «فإذا قيل لك: بما عرفت ربك؟» ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه الفوائد: قال: «الرب يدعو عباده في القرآن إلى معرفته بطريقين: الأولى بالنظر إلى مفعولاته، والثانية بالتفكر في الآيات المسموعة». أما المفعولات لأنها دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات. يأتي معنا إن شاء الله عز وجل تتمة ما يتعلق بهذا الأصل العظيم في الدرس القادم إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.