شرح الأصول الثلاثة 3

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 3، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الأصل الأول: خلق الله وإرسال الرسل

يبيّن المؤلف أن الله خلق الخلق ورزقهم ولم يتركهم هملاً، بل أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ليهتدوا. من أطاع الرسل دخل الجنة ومن عصاهم دخل النار، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾.

الرزق مقدر ووجوب إفراد العبادة

يؤكد المقطع أن الرزق والأجل مكتوبان للإنسان في بطن أمه، وأن الله تكفل بالرزق فلا خوف منه. كما يوضح أن طاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم سبب لدخول الجنة، ويحرم الشرك في العبادة مطلقاً مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.

معنى الحنيفية والبراءة من المشركين

يشرح المقطع معنى دعاء المسألة ودعاء العبادة، ويبين أن التوحيد السليم يقتضي البراءة من المشركين حتى لو كانوا أقرباء. الحنيفية هي ملة إبراهيم القائمة على إفراد الله بالعبادة، والتوحيد هو غاية خلق الثقلين، وأهله هم أهل الأمن والقوة.

الخاتمة والدعاء بالتوفيق

يختتم المتحدث حديثه بالدعاء بالتوفيق والسداد، ويحمد الله رب العالمين. يختم الدرس بالتأكيد على أهمية العمل بالأصول الثلاثة للنجاة.

  • 27 جمادى الأولى 1445هـ - 09/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمواصلة أيها الأحبة في الله مع رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي التميمي رحمه الله تعالى، الموسومة بالأصول الثلاثة، أو يُقال: ثلاثة أصول. وهي من أنفس رسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. وسبق معنا أنه يترتب على معرفة هذه الأصول والعمل بها السعادة في الدنيا، وهكذا السعادة في الآخرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً». ذاق طعم الإيمان من اعتنى بهذه الأمور الثلاثة، فهي تعتبر سبباً للحياة الطيبة في الدنيا، وهكذا أيضاً الحياة الطيبة في البرزخ. ففي حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن العبد إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة، فبعد ذلكم إذا وضع في قبره ووسد في لحده يأتيه ملكان فيسألانه عما يسأل، يسأل عن هذه الأصول الثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهذه الأسئلة هي فتنة القبر، هي فتنة القبر، الأسئلة الثلاثة. فالموفق من وفقه الله عز وجل في هذه الفتنة وفي هذا الامتحان الذي يترتب عليه سعادة في البرزخ، وهكذا نعيم في الآخرة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «القبر أول منازل الآخرة، القبر أول منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر، ومن لم ينجو منه فما بعده أشد، فما بعده أشد». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه، إلا والقبر أفظع منه». فلهذا يا إخوان، واجب على كل مسلم العناية بهذه الأصول الثلاثة. وسبق معنا في المجلس السابق الكلام حول مقدمة نفيسة وعظيمة استفتح بها المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة وهذا الكتاب. ثم قال في تتمة هذه المقدمة: «اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن، والعمل بهن». ولاحظوا ما سبق الإشارة إليه مما تميزت به رسائل الشيخ رحمه الله تعالى: اختصار مع عدم إخلال، اختصار مفيد. وهكذا أيضاً رسائله أسلوبها سهل، أسلوبها سهل يفهمه العالم، وهكذا أيضاً المتعلم، بل والعامي. لو أعطيت أحدهم رسالة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يقول لك: كلام جميل، كلام واضح، ليس بمعقد، ليس بمعقد. ولاحظوا أيضاً تلطف في العبارة، تلطف المعلم مع التلميذ، يقول: «اعلم رحمك الله». وقوله: «اعلم» كنا المقصود بها ماذا؟ أن يلفت انتباه المخاطب إلى أهمية ما سيلقى عليه من الكلام العظيم. «اعلم» تبه. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وقوله: «رحمك الله» كنا تلطفاً ودعاء للمتعلم، وهذا من الآداب العظيمة التي أدب بها ربنا عز وجل نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. يا إخوان، هذا وهو رسول الله، لو كان أسلوبه فظاً وعبارته غليظة وبذيئة لانفض الناس من حوله، فما بالي أنا وأنت؟ ما حوجنا إلى أن نتلطف مع الناس في النصيحة، وهكذا في التعليم، وهكذا في الوعظ والإرشاد، وهكذا في غيرها من المجالات التي يحصل من خلالها نقل الخير إلى الآخرين. قال: «اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن». هذه مسائل ثلاث أخرى بعد أن ذكر المسائل الأربع السابقة. من يأتي بالمسائل الأربع السابقة؟ العلم، وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه. ما دليلها؟ ما دليلها؟ أه؟ سورة العصر. أحسنت. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا دليل المسألة الأولى: العلم. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المسألة الثانية. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي أوصى بعضهم بعضاً بلزوم الحق والعمل به، وهذه دعوة. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الأذى الذي قد يتعرض له الداعي فيه. قال رحمه الله تعالى: «الأولى: أي الأولى من هذه المسائل الثلاث، الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا، ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾». من هذا الرسول الذي أرسله الله إلينا شاهداً علينا؟ من هو؟ نعم، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. من هو الرسول الذي أرسله الله إلى فرعون؟ موسى عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنَ الرَّسُولَ﴾. من هو الرسول يا عفيف الذي عصاه فرعون؟ موسى. أحسنت. قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. وهذه المسألة الأولى يا إخوان، مسألة عظيمة جداً، ألا وهي أن نعلم أن الله خلقنا. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. أكد يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. أن الله خلقنا، وماذا؟ ورزقنا. الله عز وجل هو الذي تكفل بأرزاقنا، ولم يجعل الله عز وجل رزق أحدنا بيد الآخر، وإنما جعل أرزاق العباد كلها بيده سبحانه، لأنه هو الكريم، ولأنه هو الجواد، ولأنه هو اللطيف والحليم، وهو الرزاق ذو القوة المتين. خلقنا فتكفل بأرزاقنا، لكي لا يأتي إنسان ويعتذر عن عدم القيام بالعبادة بعذرٍ أنه يطلب رزقاً أو يبحث عن رزق. تخيلوا يا إخوان، الله عز وجل يرزق الجنين وهو في بطن أمه. انظروا كيف يسوق له الطعام والشراب. بالله عليكم، أيها أعظم؟ جنين في بطن أمه لا يستطيع يتحرك ولا يستطيع يخرج ولا يدخل، أم إنسان كبير جعل الله له سمعاً وبصراً وعقلاً ويداً ورجلاً وقوة وفهماً؟ فالله عز وجل تكفل بأرزاق العباد، فكيف تخاف الفقر والله رازقك وقد رزق العصفور والحوت في البحر؟ ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة، ما أكل العصفور شيئاً مع النسر. الرزق ما هو بالقوة يا إخوان، الرزق من عند الله عز وجل. ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. الجنين في بطن أمه له أربعة أشهر، يرسل الله الملك إليه فيأمر الملك بأن يكتب أجل هذا الإنسان: كم سيعيش في الدنيا؟ أربعين سنة، سبعة أشهر، وخمسة عشر يوماً، وأربع ساعات، وعشرين دقيقة، وثلاثين ثانية. تنتهي الثانية الثلاثين، ماذا يحصل لهذا الإنسان؟ ينتهي، يموت. ولو كان نائماً، ولو كان يعمل، ولو كان يسوق سيارة، ولو كان يغتسل، ولو كان يأكل. خلصت الثانية الثلاثين، في هذه الحالة سقطت اللقمة. إذن يكتب أجل هذا الإنسان ورزقه. كيف يا إخوان نخاف الرزق بعد أن تكفل الله عز وجل به، وأنت في بطن أمك لك مئة وعشرين يوماً، أربع أشهر، كتب رزقك؟ ما هو الرزق الذي ستتحصل عليه، سواء كان رزقاً دينياً أو رزقاً دنيوياً؟ ﴿وَعَمَلُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ﴾، شقي أم سعيد. قال: «ولم يتركنا هملاً». ومعنى هملاً: أي مهملين. الهمل هو المتروك، هو المتروك، سواء كان ليلاً متروك في الليل أو متروك في النهار. لا، لم يتركنا هملاً، لم يتركنا هملاً. ولهذا يقال: ناقة مهملة، أي متروك لا ينظر إليها. ناقة مهملة، مزرعة مهملة، أي لا ينظر إليها ولا يقام بها. قال: «ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا ماذا؟ رسولاً». أرسل إلينا رسولاً، وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أرسله ربه عز وجل يا إخوان رحمة للعالمين، رحمة للقريب والبعيد، والعدو والصديق، رحمة حتى بالكفار، رحمة بالكفار. في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تدعو على المشركين؟ ألا تدعو على المشركين؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لم أبعث لعاناً، إنما بعثت رحمة». رحمة يا إخوان، حتى بالحيوان، رحمة بالحيوان، عليه الصلاة والسلام. قال: «بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار». من أطاع النبي صلى الله عليه وسلم دخل الجنة. ولهذا في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «كل أمتي يدخلون الجنة». أي أمة الإجابة. أمة النبي صلى الله عليه وسلم على نوعين: أمة إجابة وأمة دعوة. أمة الدعوة هم الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، أرسله إلى من؟ إلى الإنس والجن، إلى الثقلين. أولاً كلهم يقال لهم: أمة الدعوة، أي الذين يلزمهم أن يستجيبوا لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وأمة الإجابة: الذين استجابوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهم المسلمون، وهم المسلمون. قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبَوا». قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ يقول: لا، لا، أنا ما أريد الجنة، أين طريق النار؟ أين طريق النار؟ «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»، أي أبى ورفض دخول الجنة. دخول الجنة، وذكر الدليل على ذلك: «ومن عصاه دخل النار». والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ * كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنَ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. وتأملوا بارك الله فيكم في أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم تعتبر طاعة مطلقة، طاعة مطلقة، بخلاف طاعة غيره من البشر فإنها مقيدة: ﴿إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ﴾، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لكن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي طاعة مطلقة. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فقد فاز فوزاً عظيماً. وربنا عز وجل يقول: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، فقد أطاع، أطاع الله. وخلاصة هذه المسألة يا إخوان هي أن الله عز وجل ما خلقنا إلا لغاية عظيمة، ألا وهي عبادته سبحانه وتعالى، ويعلم العبد الطريق الموصلة لهذه الغاية، لا يعلمها إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «الثانية: أي من المسائل الثلاث، أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، أحد في عبادته، لا ملك مقرب، مثل من؟ ملك مقرب كجبريل، أشرف أفضل الملائكة، ولا نبي مرسل، كأنبياء الله: إبراهيم، موسى، عيسى، إلى آخرهم». قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾». فلا تدعو مع الله أحداً. وهنا هذه المسألة: أن الله عز وجل لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته. ولهذا قال عز وجل: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، ولا يرضى لعباده الكفر. وربنا عز وجل يقول في آخر سورة الكهف: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، أحداً كائناً من كان. يا إخوان، والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، تركته وشركه». هكذا يقول ربنا تبارك وتعالى. وفي حديث أبي هريرة أيضاً في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً». فذكر أن أول الأمور التي يرضاها لنا ربنا عز وجل هي: قال: «يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ولا تشركوا به شيئاً». وذكر الدليل على ذلك: قوله: «لا ملك مقرب ولا نبي مرسل». إذن من دونه، ما من باب أولا، لا صاحب قبر، أو شجرة، أو حجر، أو شمس، أو قمر، فلا يجوز أن تصرف لهم شيء من العبادة. قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾». قيل: المساجد، أي بيوت العبادة، هذه لله، فلا يجوز أن يدعى، أي أن يعبد فيها غير الله عز وجل. وقيل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، أي أعضاء السجود: سبعة، الجبهة والأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين. الجبهة مع الأنف واحد، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين. هذه لا يجوز أن يعبد بها إلا الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فلا تدعو، أي سواء كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة، كما سيأتي معنا في الكلام حول الدعاء. دعاء مسألة: أي أن تسأل الله عز وجل بلسان المقال: يا رب اغفر لي، يا رب ارزقني، يا رب تب علي، هذا دعاء مسألة. دعاء عبادة: هو طلب الثواب، طلب الثواب، تدعو الله عز وجل بلسان حالك: صلي طالباً الأجر، تصوم طالباً الأجر، تقرأ قرآن تطلب الأجر، فهذا يسمى دعاء مسألة أو ماذا؟ دعاء عبادة. فلا يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله عز وجل. قال: «الثالثة: أن من أطاع الرسول» وهذا فيه المسألة الأولى، «ووحد الله» هذا فيه المسألة الثانية، «قال: لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب». والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ومعنى هذا يا إخوان، أن معنى هذا: أن من أطاع الرسول عليه الصلاة والسلام، ووحد الله عز وجل، فموجب ذلك أنه لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله. والموالاة هنا يا إخوان بمعنى المحبة، حبهم، حب الكفار، ينصرهم على المسلمين، لا، ما يجوز، لا يجوز. ماذا؟ أن يتولى أولئك الذين كفروا. وهذا يا إخوان من آثار التوحيد السليم والالتزام بالسنة، أن الشخص لا يتولى إلا المؤمنين المسلمين، وأما المشركين والكافرين يتبرأ منهم، يتبرأ منهم، فلا يحبهم ولا ينصرهم. كما قال ربنا عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، أي من المؤمنين، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، حتى تؤمنوا بالله وحده. فهذه ثمرة من ثمار التوحيد، وثمرة من ثمار التمسك بالسنة، التمسك بالسنة. قال رحمه الله تعالى: «قال: اعلم أرشدك الله لطاعته، أرشدك الله لطاعته». وهذا دعاء منه رحمه الله تعالى للمتعلم، ولي القارئ. قال: «اعلم أرشدك الله لطاعته». والرشد يا إخوان هو الاستقامة على طريق الحق، الاستقامة على طريق الحق، يقال له: رشد. «أرشدك الله لطاعته». والطاعة يا إخوان هي فعل المأمور واجتناب المحظور، والعصيان بخلافه، المعصية خلاف هذا، ويقابل الطاعة المعصية. قال: «أن الحنيفية ملة إبراهيم، أن تعبد الله مخلصاً له الدين، مخلصاً له الدين». قال: «وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾». قال: «ومعنى يعبدون: يوحدون». وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة. وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه. قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾». وختَم هذه المقدمة قبل الدخول إلى الأصول الثلاثة بهذه الكلمات البديعة، وهذه العبارات كذلكم العظيمة، فقال: «اعلم أرشدك الله لطاعته، أن الحنيفية». والحنيفية هذه مأخوذة من ماذا؟ من الحنيف. والحنيف هو المائل إلى التوحيد، المعرض عما سواه، لا يلتفت إلى أضرحة وقبور تعبد، إلى سحر ومشعوذين، ماذا يؤتى لهم؟ يعرض عن دعاء غير الله عز وجل، ويقبل على عبادة الله وحده. هذا يا إخوان يسمى حنيف. كما وصف الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام بذلك: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا﴾، يعني مقبل على توحيد الله، معرض عما سواه. وهذا الذي أمرنا ربنا عز وجل به: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. ولهذا يقال: هذه ملة حنيفية، أي ملة قائمة على التوحيد، بعيدة عن ماذا؟ بعيدة عن الشرك والتعلق بغير الله عز وجل. وإبراهيم يوصف بأنه إمام الحنفاء، أي إمام الموحدين، عليه الصلاة والسلام. ولا يخفى مناظرته لقومه، مناظرته لقومه، وإقامته الحجة على قومه. ولهذا قال الله عنه في كتابه العزيز: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾... إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يعني: من الذي أولى أن يخاف؟ أنا أم أنتم؟ ثم قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾، أي لم يلبسوا، أي لم يخلطوا إيمانهم بظلم، أي بشرك. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. أمن في الدنيا يا إخوان. ليخوفونك: الشيخ الفلاني سيأتيك في الليل، والجن الفلاني سيسبب لك أمراضاً وأشياء. علق قلبك بالله، وتوكل على الله، وكن واثقاً بالله عز وجل أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾. فهذه عقيدة الموحدين يا إخوان. الموحدون هم أقوى الناس، الموحدون هم أقوى الناس، والمشركون هم أضعف الناس، يخاف أن الصنم يؤذيه، وأن صاحب القبر يؤذيه، وأن الجن يؤذونه. ولهذا إذا نزلوا إلى واد كانوا يستغيثون بالجن، يقولون: «نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه»، أي من الجن السفهاء، قد يؤذوننا. لكن انظر إلى عقيدة التوحيد: النبي صلى الله عليه وسلم أمر من نزل منزلاً أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». قال: «لم يضره شيء، لم يضره شيء». حتى لو أصابك ما يضرك، حتى لو أصابك ما يضرك. فهذه عقيدة التوحيد، وهذا هو شعار الموحدين. قال: «أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال: ومعنى يعبدون: يوحدون. وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة». يأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله الكلام حوله، تتمة هذا مع البدء بالأصول الثلاثة. نسأل الله التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين.