الدرس في كتاب الصلاة 34، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة وأمر بالنظر إلى موضع السجود، مما يدل على وجوب مواجهة الله تعالى بالإعراض عن غيره. هذا الفعل نهى عنه لما فيه من مخالفة لآداب الصلاة
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاطمئنان في الصلاة وبالإشارة بالسلام دون رفع اليدين، مشددًا على أهمية أداء السلام بشكل صحيح دون مبالغة أو تقصير. هذا يشمل الإشارة إلى اليمين والشمال بشكل مناسب
أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية إقامة الصفوف والتراص فيها كما تفعل الملائكة عند ربها، مما يعزز الاجتماع والاستقرار في الصلاة ويمنع تفرق القلوب. يشدد على إكمال الصفوف قبل البدء في الصف التالي
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم». حدثني أبو الطاهر، وعمر بن سواد، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة». فهذان الحديثان فيما أنه عن رفع البصر إلى السماء حال الصلاة، «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم»، يعني أبصارهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام ينهى من يفعل ذلك في الصلاة أن يرفع بصره إلى السماء، وهو في أثناء الصلاة. والذي ينبغي للمصلي أن ينظر إلى أمامه، أو إلى جهة سجوده؛ لأنه في الصلاة مقبل على ربه، فلا ينبغي أن يلتفت، وأن يعرض عن ربه سبحانه وتعالى يمينًا أو شمالًا، أو كذلك ينظر إلى فوقه. إن أحدكم إذا قام يصلي، فإنه يناجي ربه، أو يواجه ربه، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الالتفات في الصلاة يمينًا أو شمالًا، وهكذا أيضًا نهى عن رفع البصر إلى السماء؛ كل هذا إعراض، كل هذا من الإعراض عن مواجهة العبد لربه سبحانه وتعالى. هذا النهي يدل على أنه للتحريم؛ لأنه رتب عليه هذا الوعيد الشديد: «أن يخطف بصره، أو لتخطفن أبصارهم»، يعني يذهب الله سبحانه وتعالى بصر هذا الإنسان، فيبقى أعمى لا يرى ولا يبصر. هذا لا يكون في أمر مستحب، أو في أمر مكروه، بل لا يكون إلا في أمر محرم. وهذا يدل على أن هذا الفعل محرم، أن يرفع الإنسان بصره إلى السماء في الصلاة، أو كذلك في أثناء الدعاء في الصلاة، كما في حديث أبي هريرة: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة»، يعني عند وقت الدعاء في أثناء الصلاة، مثلًا في قراءة الفاتحة: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، هذا دعاء في ضمن الفاتحة، فيرفع بصره إلى السماء، أو كذلك في التشهد إذا جاء يدعو، فيرفع بصره إلى السماء، أو نحو ذلك من المواضع التي يدعو فيها المسلم في أثناء الصلاة، فإنه لا يرفع بصره إلى السماء. أما إذا كان خارج الصلاة، فلا بأس. هذا النهي إنما هو في الصلاة. أما إذا كان المسلم خارج الصلاة، وأراد أن يرفع بصره إلى السماء يدعو الله سبحانه وتعالى، فهذا لا شيء فيه. إنما النهي إذا فعل ذلك في أثناء الصلاة. فدل الحديثان على أنه لا يجوز للمسلم أن يرفع بصره إلى السماء وهو في الصلاة. وكما سمعنا، الذي ينبغي أن ينظر إلى موضع سجوده، أو إلى أمامه؛ له هذا وهذا، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ولا كذلك يرفع بصره إلى جهة السماء. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ أسكنوا في الصلاة». قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقًا، فقال: «ما لي أراكم عزين؟». ثم خرج علينا، فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟». قال: فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأولى، ويتراصون في الصف». وحدثني أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا وكيع، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال جميعًا: حدثنا الأعمش بهذا الإسناد نحوه. قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن مسعر، وحدثنا أبو كريب -واللفظ له- قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن مسعر، قال: حدثني عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على ما تومئون بأيديكم؟ كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله». قالوا: حدثنا القاسم بن زكريا، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن فرات القزاز، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن جابر بن سمرة، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا إذا سلمنا، قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم، فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده». فهذا الحديث يخبر جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر عليهم رفع أيديهم والإشارة بها أثناء السلام. كانوا إذا سلموا في الصلاة، أشاروا بأيديهم إلى الجانبين، فيقولون: السلام عليكم، ويشيرون بأيديهم. فأنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟»، كأنها أذناب خيل شمس، يعني تتحركون وتطربون كحال الخيل، كأنها أذناب الخيل التي تتحرك وتطرب، ولا تستقر في محلها. والذي ينبغي للمسلم في الصلاة أن يكون ساكنًا، مطمئنًا، لا يتحرك، ولا يكون مضطربًا في صلاته. فلهذا نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عن مثل هذا الفعل، وأمرهم أن يسلموا بألسنتهم، ويلتفتوا برؤوسهم إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار، من غير أن يشيروا بأيديهم، ولا أن يومئوا بأيديهم؛ لأن هذا مما ينافي السكون والاستقرار في الصلاة. فقوله: «خرج علينا»، أي النبي صلى الله عليه وسلم، فرآنا حلقًا. والحلق يعني جمع حلقة، والمراد أنهم كانوا جلوسًا متحلقين، كل جماعة في حلقة. فقال: «ما لي أراكم عزين؟»، يعني متفرقين. وهذا فيه أمر بالاجتماع، وعدم التفرق. ولا شك أن الأمر بالاجتماع مما جاءت به الشريعة في كل الأمور؛ فالاجتماع عليها -يعني ما كان من أمور الدين، أمور الحق- فهو أمر مطلوب. وهكذا أيضًا خرج عليهم عليه الصلاة والسلام، ثم حثهم على إحسان إقامة الصفوف، والتراص فيها، فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟». وكأنهم -يعني كانوا على غير الهيئة المطلوبة في إقامة الصفوف- روى منهم المتقدم أو المتأخر. فقال لهم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟»، فقالوا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأولى، ويتراصون في الصف». فهذا فيه الأمر بإتمام الصفوف الأولى فالأولى؛ لا يقام الصف الثاني حتى يكتمل الصف الأول، وإذا اكتمل الصف الأول، أقيم الصف الثاني. ثم كذلك التراص في الصف؛ بأن يكون ماذا؟ الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب، حتى يحصل استقامة الصف، وحصول التراص، كما يرص الحجر في البنيان؛ كل حجر إلى الحجر الذي بجانبه. وهكذا أيضًا ينبغي أن يكون المسلمون في صفوفهم في الصلاة، يتساوون ويتراصون، لا يتقدم أحد، ولا يتأخر أحد، فيكونوا كالبنيان المرصوص. فهذا فيه حث على إقامة الصف، والتراص في الصفوف، وإحسان ذلك، وعدم الإخلال في إقامة الصفوف والاختلاف فيها؛ فإنه سبب اختلاف القلوب، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أقيموا صفوفكم، ولا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم». فهذا مما يستحب، وينبغي أن يعتنى به؛ إقامة الصفوف، والتراص فيها. وهكذا كما سمعنا: لا يقام الصف الثاني حتى يتم الأول، ولا يقام الصف الثالث حتى يكتمل الصف الثاني، وهكذا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.