كتاب الصلاة 36

كتاب الصلاة 36

الدرس في كتاب الصلاة 36، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية تسوية الصفوف في الصلاة وآثارها على القلوب

تسوية الصفوف في الصلاة أمر مهم كما جاء في حديث النعمان بن بشير، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوي الصفوف حتى كأنما يسوي بها القداح. هذا التسوية سبب لاتفاق القلوب وعدم اختلافها.

فضائل الأذان والصلاة في الصف الأول والتبكير إلى الصلاة

الأذان والصلاة في الصف الأول والتبكير إلى الصلاة لها فضائل عظيمة كما جاء في الأحاديث النبوية. يحث النبي صلى الله عليه وسلم على المسارعة إلى هذه الأعمال الصالحة لما فيها من أجر عظيم.

شرح حديث فضل صلاة الجماعة والعشاء والصبح وتسمية العشاء بالعتمة

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يبين فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، ويتطرق إلى موضوعات متعلقة مثل فضل الأذان والتهجير للصلاة. كما يتناول جواز تسمية صلاة العشاء بالعتمة لتوضيح المعنى والمصلحة من ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم الحجاج أبو الحسين: أني سبور القشير -رحمه الله- في صحيحه، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر ومحمد بن جعفر عن شعبة. وحدثنا محمد بن المثنى ومن بشار ومحمد بن بشار الملقب مندار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن عمر بن مرة، قال: سمعت سالم بن أبي الجعد الغطفاني، قال: سمعت النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث فيه الأمر بتسوية الصفوف، الأمر بتسوية الصفوف بأن تكون الصفوف في الصلاة مستوية معدلة، ليس فيها تقديم ولا تأخير، وأن تسوية الصفوف من أسباب توافق القلوب وعدم اختلافها، وأن عدم تسويتها من أسباب اختلاف القلوب الذي يؤدي إلى اختلاف الوجوه، أو ليخالفن الله بين وجوهكم، يعني يحصل بينكم البغضاء والعداوة التي يظهر أثرها في وجه الإنسان إذا وقع في قلبه شيء على أخيه، يعرف ذلك في وجهه، يكون مكشرا عابسا، ما يحب أن ينظر إليه، ونحو ذلك. فالمخالفة في الوجوه هي من أثر اختلاف القلوب، من أثر اختلاف القلوب. وفيه، كما مر، أن العمل بالسنة سبب للاجتماع والاتفاق، وأن مخالفة السنة سبب للتفرق والاختلاف. قال: وحدثنا يحيى، قال: أخبرنا أبو خيثمة عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، والقداح هي ريش السهم، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي الصفوف ويعدلها كما تعدل السهام، ترص بعضها إلى بعض، لا يتقدم منها شيء. قال: حتى رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر، يعني في الصلاة، فرأى رجلا باديا صدره من الصف، يعني متقدما، فقال: «عباد الله، لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وهذا من المبالغة في تسوية الصفوف وتراصها حتى كأنما يسوي بها القداح، كما يسوي السهام ويعدل بينها في رصها، كذلك أيضا كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في تسويتهم في الصلاة. وهذا يدل على أهمية هذا الأمر الذي هو تسوية الصفوف وعدم اختلافها. قوله هنا: «حتى كاد يكبر»، ثم قال: «فقال عباد الله»، استدل به أهل العلم، كما ذكر الإمام النووي -رحمه الله- على مشروعية الكلام بعد إقامة الصلاة وقبل الشروع في الصلاة، إذا أقيمت الصلاة واحتاج الإمام لأن ينبه إلى أمر، فلا بأس أن يتكلم مع المأمومين، ينبههم على ما يحتاج إلى تنبيه، وأنه لا مانع من ذلك. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم تكلم قبل الصلاة، حتى كاد أن يكبر، كاد أن يكبر، فلما رأى الرجل باديا صدره، تكلم عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام: «عباد الله، لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». فلا بأس أن يتكلم الإمام وقد أقيمت الصلاة، يعني لحاجة، ثم بعد ذلك يكبر ويصلي. قال: وحدثنا حسن بن الربيع وأبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص. وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة بهذا الإسناد نحوه. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا». هذا الحديث فيه بيان فضيلة الأذان، لو يعلم الناس ما في النداء، يعني من الأجر والثواب، ما في الأذان من الأجر والثواب، لاستهموا عليه، يعني لاقترعوا، كل يريد أن يؤذن، كل يريد أن يؤذن. فالأذان عبادة عظيمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة»، كما في حديث معاوية في الصحيح. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يسمع مدى صوت مؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». وهكذا أيضا فضيلة الصلاة في الصف الأول، فضيلة الصلاة في الصف الأول، لو يعلم الناس ما في ذلك من الفضيلة، فلو لم يجد أحدهم موضعا يصلي فيه في الصف الأول إلا أن يستهم أن يقترع أيهم يتقدم هو أو أخوه، لاقترعوا على ذلك. لكن الغالب غالب الناس اليوم في زهد -أسأل الله سلامه والعافية- نحن في زهد من المسابقة في هذه الأبواب العظيمة من أبواب الخير، الصلاة في الصف الأول والمسابقة إليها. قال: «ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا»، يعني يقترعوا، لاقترعوا، استهموا يعني لاقترعوا أيهم يتقدم، أيهم يتقدم من الذي يؤذن ومن الذي يتقدم في الصف الأول. «ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه»، ما في التهجير، يعني التبكير إلى الصلاة، التبكير إلى الصلاة، يعني أي صلاة من الصلوات الفريضة، التبكير إليها أجر عظيم. وهكذا أيضا «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا»، العتمة أي صلاة العشاء، صلاة العشاء والصبح صلاة الفجر، قال: «لأتوهما ولو حبوا»، يعني يحبون على الركب. لو يعلم الناس ما في صلاة العشاء من الأجر والثواب لما تخلفوا عنها، ولجاء الواحد يحبو على ركبتيه حتى يصلي صلاة العشاء في المسجد. وهكذا أيضا صلاة الصبح، ما فيها من الأجر والثواب، لما تخلف عنها أحد، ولا جاء يحبو على ركبتيه حتى يصلي صلاة الصبح في المسجد. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله». انظروا إلى هذا الأجر العظيم، لو لم يكن في هاتين الصلاتين لهذا الأجر لكفى بذلك شرفا وأجرا عظيما. كيف وهو المحافظ عليهما كذلك من علامات الإيمان، والبراء من النفاق، فإن أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء، كما أخبر عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث فيه فضيلة الأذان وعظم أجرها وثوابها عند الله جل وعلا، وهكذا أيضا فضيلة الصلاة في الصف الأول. وفيه أيضا فضيلة التهجير والتبكير للصلاة، وفضيلة صلاة العشاء وصلاة الصبح. وأيضا فيه، في ضمن ذلك، فضيلة صلاة الجماعة، فضيلة صلاة الجماعة، لأن هذه الأجور كلها متعلقة بصلاة الجماعة، سواء الأذان أو التهجير إلى الصلاة أو الصلاة في الصف الأول أو صلاة العشاء والصبح، كل هذه الأجور متعلقة بأداء هذه الصلوات في جماعة في بيوت الله جل وعلا. وفيه، وفيه أيضا مشروعية القرعة، مشروعية استعمال القرعة عند التزاحم في الحقوق، عند التزاحم في حق من الحقوق، وحينئذ لا يوجد هناك مزية لأحدهما على الآخر، فإنه تستعمل القرعة، كما قال الناظم: «تستعمل القرعة عند المبهم من الحقوق أو لدى التزاحم». ودل على مشروعيتها الكتاب والسنة، قال الله جل وعلا عن يونس عليه السلام: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، فساهم اقترع. وقال الله جل وعلا في المساهمة في كفالة مريم: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾. وفي السنة أحاديث كثيرة، ومن هذا الحديث، وحديث عائشة في الصحيحين: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه». فدل هذا الحديث على مشروعية استعمال القرعة عند التزاحم في الحقوق. فإذا تزاحم اثنان في الأذان، ولم يكن أحدهما مؤذنا رسميا، وإنما يعني كلاهما متبرع يريد الأجر والثواب، وكلاهما في صفة واحدة ومنزلة واحدة، من حيث كونهما مثلا كل واحد منهما جهوري الصوت، يحسن الأذان، والفاضل الأذان إلى آخر ذلك، فحينئذ يقرع بينهما. قرعة من خرجت له القرعة تقدم في الأذان، وهكذا في باب الإمامة وغيرها. وكذلك أيضا فيه جواز تسمية صلاة العشاء بالعتمة، وقد جاء أو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك، نهى عن تسمية صلاة العشاء بالعتمة. وهنا قال: «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح». فدل هذا على أنه يجوز تسمية صلاة العشاء بالعتمة. وذكر الإمام النووي -رحمه الله- أن تسميتها بالعتمة في هذا الموضع يدل على الجواز، وكذلك أيضا أنه لأجل تحقيق مصلحة لا تتحقق بذكر لفظ العشاء، قال: وذلك أن العرب كانوا يسمون المغرب يسمونها العشاء، يسمون المغرب صلاة المغرب يسمونها العشاء. فلو قال: «لو يعلمون ما في العشاء والصبح»، لظنوا أن المراد به صلاة المغرب. فلما قال: «العتمة»، علم أن المراد بها صلاة العشاء دون المغرب. فلأجل تحقيق هذه المصلحة وبيان هذا المعنى، سمى النبي عليه الصلاة والسلام العشاء هنا بالعتمة. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.