كتاب الصلاة 32

كتاب الصلاة 32

الدرس في كتاب الصلاة 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية إحسان الصلاة وإقامة أركانها

يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية إتمام الصلاة وإقامة أركانها، مع التركيز على الطمأنينة في الركوع والسجود وأفعال الصلاة. يشدد على ضرورة تجنب العجلة في الصلاة.

حضور القلب والخشوع في الصلاة

ينبغي على المسلم حضور قلبه والخشوع في الصلاة ليكون من المفلحين، حيث أن إقامة الصلاة على الوجه الصحيح أمر ضروري للانتفاع بها. يُعد الخشوع من أهم مقومات الصلاة المقبولة.

متابعة الإمام وآداب الصلاة

يشرح المقطع أهمية متابعة الإمام في الصلاة وعدم السبق إليه، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين رؤية الجنة والنار أثناء الصلاة. يُوضح أيضًا آداب الانصراف بعد الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، ليس أبو الكشير، رحمه الله: حدثنا أبو قريب محمد بن العلاء الهمداني، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد، عن ابن كثير، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، ثم انصرف، فقال: يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟ ألا يظهر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي. قال: حدثنا قتيبة المسعودي، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل ترون قبلتي هاهنا؟ فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم وراء ظهري». قال: وحدثني محمد بن المثنى، والمبارك، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقيموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي، وربما قال: من بعد ظهري، إذا ركعتم وسجدتم». قال: وحدثني أبو غسان المسمعي، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، كلاهما عن قتادة، عن أنس، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعد ظهري، إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم». وفي حديث سعيد: «إذا ركعتم وإذا سجدتم». هذا الحديث أو هذه الرواية عن أبي هريرة، وحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فيها أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإحسان الصلاة، أن المصلي ينبغي أن يحسن صلاته، وإحسان الصلاة بإقامة ركوعها وسجودها، يعني إقامة أركانها. والطمأنينة فيها بأن يطمئن إذا قام، يقوم مطمئنًا، إذا ركع يطمئن في ركوعه، وإذا رفع من الركوع يطمئن في قيامه، وإذا سجد يطمئن في سجوده، وإذا جلس بين السجدتين يطمئن في جلوسه، وهكذا في سائر أفعال الصلاة، يطمئن، لا يصلي صلاة المستعجل الذي لا يطمئن في ركوعه ولا سجوده، فينقر صلاته نقر الغراب، فهذا لا تنفعه صلاته. إذا صلى المرء بعجلة، لا يطمئن في ركوع ولا قيام ولا سجود، صلاته باطلة؛ لأنه ترك ركنًا من أركان الصلاة، وهي الطمأنينة. بل ينبغي أن يطمئن ويحرص على إقامة أركانها وواجباتها، وأن يخشع في صلاته، حاضر يكون حاضر القلب، لا يصلي بجسده وقلبه في الدنيا. ينبغي أن يكون حاضر القلب في الصلاة، وهذا من أسباب الفلاح، كما قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وهذا هو لب الصلاة وروحه الخشوع بحضور القلب، هو لب الصلاة الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم. ويعلم أنه إذا صلى فإنما يصلي لنفسه، هو الذي ينتفع بذلك، الله عز وجل غني عن صلاتنا وعباداتنا وطاعاتنا، ونحن الفقراء إلى الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فالعبد الذي يعمل الطاعات والقربات والأعمال الصالحات، هو الذي ينتفع بها، يرجو ثوابها وأجرها، ويسأل الله جل وعلا أن يدفع عنه العذاب والعقاب. فإذا أساء في صلاته، في عبادته، كيف سينتفع بها؟ لا شك أنه سيحرم أجرها وثوابها. فلذلك إذا صلى ينظر كيف يصلي، وكيف ينتفع بصلاته، وليس المقصود أن تقف في الصف وتركع وتسجد، إنما المقصود أن تحسن الصلاة وتؤديها كما أمر الله جل وعلا وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. لذلك الله عز وجل أمر بإقامة الصلاة في آيات كثيرة، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، أقيموا الصلاة، والمقيمين الصلاة، فالله عز وجل يؤدون الصلاة، والمؤدون للصلاة، ليس المقصود أن تؤديها فقط، إنما المقصود أن تقيمها بأن تفعلها كما أمر الله جل وعلا، أمر رسوله عليه الصلاة والسلام. فهكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإحسان الصلاة، وأن يقيمها المسلم إقامة صحيحة حتى ينتفع بها. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يبصر من وراءه: «إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي»، يعني كما يرى عليه الصلاة والسلام من أمامه، كذلك يبصر من ورائه، وهذه تعتبر آية من الآيات التي أيد الله عز وجل بها نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. وبهذا قال جمهور أهل العلم، وهكذا الإمام مسلم رحمه الله: أن هذه الرؤية وهذا البصر رؤية حقيقية، الله عز وجل جعل لنبيه عليه الصلاة والسلام قدرة على أن يرى من خلفه كما يرى من أمامه. قال: «إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي»، والله جل وعلا على كل شيء قدير. وقد أوتي النبي عليه الصلاة والسلام من الآيات وهو أعظم من ذلك، كما هو مذكور في دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا مما أيده الله سبحانه وتعالى به. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر، وأبو شيبة، وعلي بن حجر، واللفظ لأبي بكر، قال ابن حجر: أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: «أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنة والنار». قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا جرير، وحدثنا ابن نمير وإسحاق بن إبراهيم، عن ابن فضيل، جميعًا عن المختار، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، وليس بحديث جرير، ولا بالانصراف في حديث جرير. وهذه الرواية إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن الإمام لا ينبغي أن يسبق بالركوع والسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، فالإمام يجعل متبوعًا به فيتابع في أفعال الصلاة، فلا تركع قبله، ولا تسجد قبله، بل تتابعه، إذا ركع ركعت، إذا رفع رفعت، إذا سجد سجدت، وهكذا، وهكذا أيضًا بالانصراف. ولا بالانصراف، أي: لا تنصرف قبل الإمام، قيل: المراد بالانصراف الخروج من الصلاة، فإنك لا تسلم إلا بعد سلام الإمام، أو يكون المراد بالانصراف القيام بعد الفراغ من الصلاة، فإنه لا يكون إلا بعد التفاف الإمام إلى جهة المأمومين. فإن السنة إذا سلم الإمام أن يستغفر ثلاثًا، ثم يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، وهو على جهة القبلة، ثم يلتفت إلى جهة المصلين، فمن أراد أن ينصرف بعد ذلك يقوم، لكن لا يقوم أحد ما دام الإمام قد سلم من الصلاة ولم يلتفت بعد. ولهذا لا ينبغي للإمام أن يتأخر، بعض الأئمة إذا سلم يبقى منتظرًا إلى جهة القبلة، ويطيل القيام وهو منتظر إلى القبلة، ويعطي ظهره للمصلين، هذا خطأ. إذا سلمت استغفرت ثلاثًا، وأتيت بهذا الدعاء، ثم تقابل الناس، فمن أراد أن ينصرف من يقوم فيقوم بعد ذلك. وقوله: «فإني أراكم أمامي ومن خلفي»، يدل على أن هذه رؤية حقيقية، أنعم الله سبحانه وتعالى بها. وقوله: «والذي نفسي بيده»، هذا قسم بالله جل وعلا بإثبات صفاته، فإن الأنفس بيد الله سبحانه وتعالى، فهو القابض لها والمتصرف فيها سبحانه وتعالى. وكذلك يدل على جواز الحلف بغير استحلاف لتأكيد الأمر أو بيان أهميته. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يرى ما لا يرون، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنة والنار». فالله عز وجل أطلع نبيه عليه الصلاة والسلام على الجنة والنار، وفي هذا دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما موجودتان الآن، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة وغيرهم ممن أنكر ذلك. والأدلة على إثبات وجود الجنة والنار كثيرة في الكتاب والسنة.