الدرس في شرح العقيدة الواسطية 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يثبت أهل السنة والجماعة صفة الاستواء لله تعالى كما ورد في القرآن، ويؤكدون على إثباتها على حقيقتها دون تحريف أو تعطيل. استندوا في ذلك إلى أدلة الكتاب والسنة وإجماع السلف.
يناقش المقطع معاني الاستواء اللغوية ودلالتها على صفة الله، ويبين إنكار أهل البدع لها. كما يشرح تعبيرات السلف الصالح عن العلو في الآية، مؤكدًا على فهمهم الحقيقي لصفة الاستواء.
يناقش تفسير استواء الله على العرش وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، ويتناول آراء الجهمية وأهل السنة في إثبات صفات الله. كما يشرح كيفية خلق الأرض والسماء ويتناول إشكالا في حديث أبي هريرة حول خلق الله في سبعة أيام.
يناقش صحة حديث حول خلق السماوات والأرض، ويشير إلى إجماع العلماء على خلقها في ستة أيام، وآخر ما خلقه هو آدم يوم الجمعة. يُستدل من ذلك أن بداية الخلق كانت يوم الأحد، مؤكدًا أن الله أعلم بالحقيقة.
طيب، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ في سبع مواضع في سورة الأعراف: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾، وقال في سورة يونس: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾، وقال في سورة الرعد: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش﴾، وقال في سورة طه: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثم استوى على العرش﴾، وقال في سورة السجدة: ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾، وقال في سورة الحديد: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾. هذه الآيات، إخواني في الله، كما تلاحظون من أول وهلة، تتحدث عن إثبات صفة من صفات الله جل في علاه، ألا وهي صفة الاستواء. وأهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه، فيثبتون أن الله قد استوى حقيقة يليق بجلاله على عرشه، من غير تكييف ولا تمثيل، من غير تحريف ولا تعطيل. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة وإجماع السلف على إثبات هذه الصفة. أما أهل البدع، فينكرون هذه الصفة، وأن الاستواء الذي أضيف إلى الله جل وعلا ليس استواء حقيقيا، بحجة أن إثبات هذه الصفة تقتضي المشابهة والمماثلة لله، أو يزعمون أن هذه الصفة تدل على أن الله محتاج إلى عرشه، أو يقولون بأن إثبات هذه الصفة يدل على أن الله له حيز وأنه جسم، وأن إثبات هذه الصفة يقتضي المماثلة والملامسة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله سبحانه وتعالى ليس على عرشه حقيقة، وإنما استوى بمعنى استولى، هو الجعد بن درهم. وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه. وبهذا، في هذه العبارة، تعلم أن الخروج عن إثبات صفة الاستواء أمر محدث، ما كان يعرف عند السلف حتى جاء هذا الضال، وهو الجعد بن درهم، هو الذي أنشأ وأخرجها. نأتي الآن، إخواني في الله، إلى مسألة مهمة، متعلقة بالاستواء، وهي: ما هو الاستواء؟ حتى نفهم حقيقة صفة الاستواء. الاستواء يأتي على عدة معاني، وذلك على حسب التعدية. فإذا عدي بإلى، فإنه يأتي بمعنى العلو والارتفاع، كقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾. وإذا عدي بعلى، فإنه يأتي بمعنى العلو والارتفاع أيضا، كقوله تعالى: ﴿لتستوى على ظهوره﴾، واستوت على الجودي. وإذا عدي بالحرف واو، فإنه يأتي بمعنى المساواة، كقولك: استوى الماء والخشبة. وإذا أطلقت كلمة استوى ولم تتعدى بشيء، فإنها تأتي بمعنى الكمال والنضج، كقوله تعالى: ﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾. التعبيرات السلفية المنقولة عن سلفنا الصالح في تعبيرهم عن العلو في هذه الآية، هي: على، وارتفع، وصعد، واستقر. فمنهم من قال: الرحمن على العرش استوى، بمعنى على، ومنهم من قال: بمعنى ارتفع، ومنهم من قال: بمعنى صعد، ومنهم من قال: بمعنى استقر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾. أضاف ربنا عز وجل الخلق إليه، وأضاف فعل الخلق إليه سبحانه. الجهمية يثبتون هذه الصفة لله، مع أنهم ينكرون كل الصفات، إلا أنهم في صفة الخلق يثبتونها. فكان من رد أهل السنة والجماعة أن قالوا لهم: إذا أثبتتم هذه الصفة لله، يلزمكم أن تثبتوا باقي الصفات، لأن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر. تلاحظون في الآيات التي أوردناها في بداية الدرس، أنها ذكرت مسألة خلق السماوات والأرض في ستة أيام. ستة أيام هي مجموع الأيام التي تم فيها خلق السماوات والأرض. أولا، خلق الله الأرض في يومين، ثم استوى ربنا جل وعلا إلى السماء، فخلقها أيضا في يومين، ثم دحى ربنا الأرض، وجعل فيها أقواتها وأرزاقها في يومين. قد يشكل الإشكال في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر». هذا الحديث رواه مسلم، وفيه إشكال، لأن فيه سبعة أيام، وليس ستة أيام كما في القرآن. وقد انتقده أئمة الحديث، كالبخاري، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وعبد الرحمن بن مهدي. وقالوا: إن هذا الحديث ليس مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عن أبي هريرة عن كعب الأحبار. قال شيخ الإسلام رحمه الله: الإجماع أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم الجمعة. إذن، متى ابتدأ الله الخلق؟ يمكن أن نحسب ستة أيام، بدءا من يوم الأحد، لأننا متفقون على أن آخر خلق الله هو آدم، وذلك يوم الجمعة. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.