الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 24، ألقاها
الأمر الشرعي لا يقتضي التكرار إلا إذا علق على سبب، والأصل أنه يبرأ به الذمة مرة واحدة. مثل ذلك الحج الذي يجب مرة في العمر.
الدرس يشرح أنواع التخيير في الأحكام الشرعية، ويفرق بين التخيير الذي يعود لمصلحة المكلف نفسه والتخيير الذي يعود لمصلحة الغير، مع أمثلة من الآيات القرآنية.
يتناول شرح ألفاظ العموم مثل "كل" و"جميع" والمفرد المضاف والنكرة في سياقات النهي أو النفي أو الاستفهام، مع تقديم أمثلة قرآنية توضح استخداماتها.
النكرة في سياق الشرط تفيد العموم، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، حيث تشمل كل من عمل صالحًا وهو مؤمن.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: والأمر والنهي يقتضيان الفور، ولا يقضي الأمر التكرار إلا إذا علق على سبب، فيجب أو يستحب عند وجود سببه. تكلمنا بالأمس عن قضية الأمر الفور، وعلمنا أن الأمر على قسمين: مؤقت ومطلق. وأن المؤقت ينقسم إلى قسمين: مضيق وموسع، فالموسع لا يقتضي الفور، بل هو على التراخي، والمضيق على الفور. وأما الأمر المطلق، ففيه الخلاف، والأحوط أن الإنسان يبادر إلى فعل الأمر ولا يتأخر في تأديته. وأما النهي، فإنه يقتضي الفور؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون تاركًا للنهي إلا باجتنابه والابتعاد عنه. وأما قضية الأمر التكرار، فيقول: ولا يقتضي الأمر التكرار، يعني لا يلزم أو لا يدل الأمر على تكراره وإعادة فعله. بل الأصل أن الأمر لا يقضي التكرار، فإذا أتى الإنسان بهذا الأمر مرة واحدة فإنها تبرأ ذمته. يدل عليه ما جاء عن أبي هريرة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب عليكم الحج، فحج». فقال رجل: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت النبي عليه الصلاة والسلام حتى عادها ثلاثًا، فقال: «لو قلت نعم لوجبت». معناه أن الأمر بالحج مرة واحدة، ولهذا لما سأله: هل يتكرر في كل عام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت»، يعني لصار واجبًا في كل عام، وإلا فالأصل أن وجوبه ليس على سبيل التكرار، وإنما يجب في العمر مرة واحدة، وهذا الذي يقتضيه الدليل الشرعي. وأيضًا الدليل اللغوي، لو أن أبًا مثلًا قال لابنه: اذهب إلى السوق واشتر خبزًا، فذهب واشترى خبزًا، ثم عاد وذهب مرة أخرى فاشترى الخبز مرة ثانية، هل يستحق أن يلام؟ الجواب: بلى، يستحق اللوم؛ لأنه كرر هذا الأمر من نفسه، ولم يأمره بأن يذهب مرتين، إنما أمره أن يذهب ويأتي بخبز، فإذا ذهب وأتى به مرة واحدة، فهنا أتى بهذا الأمر الذي أمر به. ولو أن الأب لام ابنه على ذهابه مرة واحدة، وقال: لماذا لم تذهب مرة أخرى؟ لم يكن لهذا اللوم وجه، وكان الأب مخطئًا في ذلك. إذن الأمر لا يقضي التكرار. قال: إلا إذا علق على سبب، فيجب أو يستحب عند وجود سببه. إذا كان الأمر معلقًا بسبب، إذا وجد هذا السبب وجد هذا الأمر، فهنا يقضي التكرار بتكرار هذا السبب. مثلًا أوقات الصلوات الخمس مؤقتة بأوقات محددة، إذا وجدت هذه الأوقات - وهي أسبابها - أمر الإنسان بالإتيان بالصلاة، فهنا الصلاة الأمر فيها للتكرار؛ لأنها مقيدة بسبب. مثلًا صلاة المغرب تجب عند غروب الشمس، فكلما غربت الشمس وجب على الإنسان أن يصلي المغرب، هنا يتكرر الأمر بتكرار هذا السبب. قال الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، أقم الصلاة لدلوك الشمس، أي: عند كل دلوك، عند كل زوال يجب عليك أن تصلي الظهر، وهكذا قل في سائر الأوقات، أوقات الصلوات. ومثل أيضًا قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وإن كنتم جنبًا فاطهروا، هذا الآن تعليق على شرط، وهو الجنابة، فإذا كان الإنسان جنبًا وجب عليه التطهر - يعني الاغتسال - وإن لم يكن جنبًا لم يجب عليه، فهنا الوجوب مقيد ومشروط بهذا الشرط: أن تكون على جنابة، فإذا وجدت الجنابة وجد الغسل. قال: والأشياء المخير فيها، إن كان للسهولة على المكلف، فهو تخيير رغبة واختيار، وإن كان لمصلحة ما ولي عليه، فهو تخيير يجب تعيين ما ترجحت مصلحته. يقول: الأشياء المخير فيها - يعني التي خير فيها الإنسان - خيره الشرع إما أن يفعل هذا وإما أن يفعل هذا، ينظر في سبب هذا التخيير ما هو. قال: إن كان للسهولة على المكلف، إن كان هذا التخيير يرجع إلى المكلف نفسه - يعني إلى الإنسان البالغ العاقل - خير في فعل هذا الأمر، مخير إن شاء هذا وإن شاء ذاك؛ لأجل التخفيف عليه والتسهيل والتيسير، إن كان كذلك، قال: فهو تخيير رغبة واختيار، هو تخيير رغبة واختيار، يعني ينظر إلى رغبته واختياره، يختار الذي يريد؛ لأن هذا التخيير لأجل التسهيل عليه ولأجل مصلحة نفسه، فهنا يختار ما يراه أنسب له. ومثاله كفارة اليمين، قال الله عز وجل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، فهنا الآن المكفر مخير في كفارة اليمين، إما أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، أو يكسوهم، أو تحرير رقبة، هذه الأمور الثلاثة هو فيها على التخيير، إن شاء هذا وإن شاء هذا وإن شاء هذا. هذا التخيير لأجل مصلحة نفسه، ينظر ما هو الأسهل والأيسر عليه فيختاره ويفعله، فإن لم يجد انتقل إلى الصيام. ومثل ذلك أيضًا في كفارة حلق الرأس في حال الإحرام، ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، هذه الأمور الثلاثة كذلك هو فيها على التخيير، يختار الأسهل والأيسر فيفعله؛ لأن هنا هذا التخيير راجع إلى مصلحة نفسه. قال: وإن كان لمصلحة ما ولي عليه، فهو تخيير يجب تعيين ما ترجحت مصلحته. إن كان التخيير ليس لمصلحة نفسه، وإنما لمصلحة الغير، لمصلحة الغير، فهنا يختار الأصلح، يختار الأصلح لهذا الغير. مثل ولاية اليتيم، إنسان ولي على يتيم، هذا اليتيم عنده مال، هذا اليتيم عنده مال طيب، هو الآن يريد أن يستعمل هذا المال بما هو أنفع، هل ينظر إلى مصلحة نفسه أو ينظر إلى مصلحة هذا اليتيم؟ الجواب: ينظر إلى مصلحة هذا اليتيم. صاحب المال ينظر ما هو الأصلح لماله والأنفع فيختاره ويفعله، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، إلا بالتي هي أحسن، إن كان حسن وأحسن يختار الأحسن والأفضل؛ لأن المصلحة هنا ليس لنفسه وإنما للغير، فينظر ما هو الأصلح له الذي يحفظ به ماله ويكثره. وكذلك أيضًا مثل ولاية النكاح، ولاية النكاح، أنت ولي على امرأة - مثلًا ابنتك أو أختك - جاء من يخطبها ويريد الزواج بها، هنا هل تنظر إلى مصلحة نفسك أو تنظر إلى مصلحة من وليت عليها؟ الجواب: إلى مصلحة من وليت عليها؛ لأن هذا الحق لها والمصلحة لها. قال: وألفاظ العموم كـ «كل» و «جميع» والمفرد المضاف، والنكرة في سياق النهي أو النفي أو الاستفهام أو الشرط، والمعرف بأل الدال على الجنس أو الاستغراق، كلها تقتضي العموم. ذكر رحمه الله هنا بعض ألفاظ العموم، والعموم له ألفاظ تدل عليه، ومنها «كل»، كل من ألفاظ العموم، تقول مثلًا: أعط أو أكرم الطلاب كلهم، هذا الآن لفظ يدل على العموم، فلا يخرج أحد من الطلاب من غير إكرام، بل تكرم الجميع. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، وهكذا «جميع»، لفظ «جميع» كذلك يدل على العموم، أعط الطلاب جميعًا أو كلهم جميعًا، وغالبًا يستعمل «جميع» بعد «كل»، ويجوز أن يؤتى به منفردًا. والمفرد المضاف كذلك، المفرد إذا أضيف فإنه يدل على العموم، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، نعمة مفردة، لكن أضيفت، فدلت على العموم، نعمة الله - يعني نعم الله - فالمفرد إذا أضيف دل على العموم. قال: والنكرة في سياق النهي أو النفي أو الاستفهام كذلك تفيد العموم. النكرة في سياق النهي، تقول مثلًا: لا تعط أحدًا من الطلاب، أو لا تكرم أحدًا من الطلاب، «أحدًا» نكرة في سياق النهي، فتفيد العموم، يعني لا تكرم ولا واحدًا. قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، «أحدًا» نكرة في سياق النهي، فتفيد العموم، عموم النهي عن الإشراك بالله جل وعلا، أي أحد، لا شمس ولا قمر ولا ملك ولا نبي ولا ولي إلى آخره؛ لأنها نكرة في سياق النهي فتفيد العموم. كذلك في سياق النفي، «لا إله إلا الله»، «إله» نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، أي: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى وحده. قال: أو الاستفهام، يعني كذلك النكرة في سياق الاستفهام تفيد العموم، وخاصة الاستفهام الإنكاري، كقول الله جل وعلا: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، «إله» نكرة في سياق الاستفهام، فتفيد العموم، يعني نفي لجميع الآلهة، وأنه لا إله مع الله سبحانه وتعالى. وأيضًا في سياق الشرط كذلك تفيد العموم، مثلًا قول الله جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، «صالحًا» نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، أن كل من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فإنه ينال هذا الثواب وهذا الأجر، وهو أن يحيى حياة طيبة. نكتفي بهذا القدر، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.