شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 8

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 8، ألقاها

مفهوم المطلق والمقيد في نصوص الكتاب والسنة

يناقش كيفية التعامل مع النصوص المطلقة والمقيدة في الكتاب والسنة، حيث يشمل المطلق جميع الأفراد بينما المقيد يحمل على قيد معتبر. يتم توضيح الفرق بين القيد المعتبر والصفة الكاشفة.

توضيح المجمل والمبين في النصوص الشرعية

يفسر كيفية فهم النصوص الشرعية خاصة عند وجود ألفاظ مطلقة ومقيدة ومجملة ومبينة، ويشرح كيفية حمل المطلق على المقيد وإرجاع المجمل إلى المبين.

المحكم والمتشابه في القرآن الكريم وتفسيرهما

يشرح مفهوم المحكم والمتشابه في القرآن، حيث يجب على المسلم أن يرجع المتشابه إلى المحكم ولا يتتبع المتشابه ابتغاء الفتنة، بينما أهل الحق يرجعون المتشابه إلى المحكم.

حمل الصفات على المحكم الواضح في النصوص

يتم حمل الصفات التي فيها تشابه على المحكم الواضح كما أمر الله سبحانه وتعالى، مثل صفة اليدين وغيرها من الأحكام المشابهة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله: قال: ومنها مطلق عن القيود، ومقيد بوصف أو قيد معتبر، فيحمل المطلق على المقيد. يقول: من نصوص الكتاب والسنة ما هو مطلق عن القيود، يعني لفظ مطلق لم يقيد بشيء. فإذا أطلق اللفظ، فيعمل على إطلاقه. والأصل في المطلق أنه النكرة في سياق الإثبات. فمثلاً إذا قلت: أكرم طالباً، "طالباً" نكرة في سياق الإثبات، هذا مطلق، فيشمل مطلق الطلاب عندك، مثلاً عشرة طلاب. فقلت: أكرم طالباً، يعني أحد هؤلاء الطلاب، سواء كان زيداً أو عمراً أو محمداً. هذا يقال له: المطلق. والفرق بين المطلق والعام أن العام عمومه شمولي، يعني يشمل جميع الأفراد. أكرم الطلاب عندك عشرة، تكرم العشرة كلهم. لكن المطلق عمومه بدلي، عمومه بدلي، فهو يشمل الطلاب كلهم على سبيل البدل لا على سبيل الشمول. فإذا قلت: أكرم طالباً، تكرم واحداً من هؤلاء الطلاب، فهو يدل على العموم البدلي، فهو يشملهم كلهم على سبيل البدل، يعني ما يختص واحداً معين، لا يخص واحداً معين، بل يصح أن يكون هذا أو هذا أو هذا. هذا المطلق. ومقيد بوصف، والمراد بالوصف هنا ما هو أعم من الوصف اللغوي أو الوصف النحوي الذي هو النعت. المراد بالوصف هنا يعني ما يشمل النعت وما يشمل البدل وما يشمل الحال، هذه كلها أوصاف يحصل بها التقييد. فإذا قيد صار هذا المطلق مقيداً. إذا قيد بوصف، مثلاً إذا قلت: أكرم طالباً مجتهداً، هذا الآن مطلق قيد بوصف، هو كون هذا الطالب مجتهداً، فيخرج غير المجتهد. والبدل مثل قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، "من استطاع إليه سبيلاً" هذا بدل، فيكون الحكم خاصاً بالمستطيع. والحال كقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، "متعمداً" حال، وهو معنى الوصف، فلا يترتب هذا الحكم إلا لمن فعل ذلك على وجه التعمد. "متعمداً" حال، قوله "متعمداً" فيترتب عليه هذا الحكم. قال: مطلق عن القيود، ومقيد بوصف، كذلك أيضاً مثله لفظ الرقبة. أمر الله عز وجل في بعض الكفارات بعتق رقبة. هذه الرقبة أطلقت في مواضع، وقيدت في مواضع. مثلاً في كفارة الظهار أطلقت، "فتحرير رقبة من قبل أن يتماس"، هنا الرقبة مطلقة لم تقيد بأي قيد، كونها مؤمنة أو سالمة أو صالحة إلى آخر ذلك من القيود. وقيدت في بعض المواضع الأخرى، كفارة القتل، "فتحرير رقبة مؤمنة"، هذا الوصف. قال: أو قيد معتبر، يعني إذا قيد المطلق بقيد معتبر، ويريد بذلك إخراج القيد غير المعتبر. هناك قيد قد يأتي، لكن لا يعتبر به، لا يكون له مفهوم، وإنما يؤتى به لأجل التوضيح والبيان، وهو ما يسمى عند أهل العلم بالصفة الكاشفة التي يؤتى بها للتوضيح. هذا قيد غير معتبر. مثلاً قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، قوله: "الذي خلقكم" هل هذا القيد يخرج، يعني معتبر، فاعبدوا الذي خلقكم، ولا تعبدوا الذي لم يخلقكم؟ الجواب: لا، وإنما جئ به لأجل ماذا؟ التوضيح والتأكيد والبيان، أن الذي يستحق العبادة هو الله سبحانه وحده المتفرد بالخلق. وهكذا أيضاً قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، نهى الله سبحانه وتعالى أن يأمر أو يكره السيد أمته على الزنا، قال: "إن أردن تحصناً" هل هذا القيد معتبر له معنى وله مفهوم؟ الجواب: لا، وإنما ذكر لبيان الواقع، أن الواقع أنهن يردن التحصن. فهذا معنى قوله: "أو قيد معتبر" لابد أن يكون القيد معتبراً. فإن كان إنما ذكر لبيان الواقع أو للتوضيح أو لذكر الغالب، مثل: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، تقييد الربيبة بكونها في الحجر على قول جمهور أهل العلم، هذا خرج مخرج الغالب، الغالب أن تكون الربيبة في حجر زوج أمها، هذا الغالب. فإذا كانت في غير حجره، هل معنى هذا أن تحل له ولا تحرم عليه؟ الجواب: لا، بل تحرم عليه، سواء كانت في حجره أم لم تكن في حجره. فالتقييد بالحجر هنا أريد به ماذا؟ ذكر الغالب. قال: فيحمل المطلق على المقيد، يعني إذا أطلق اللفظ في موضع، وقيد في موضع آخر، حمل المطلق على المقيد. وهذا في تفصيل يذكره أهل العلم، لكن من أهم ما يذكر أنه إذا اتفق في الحكم، فيحمل المطلق على المقيد إذا اتفق حكم المطلق مع حكم المقيد، حمل المطلق على المقيد. مثل ما ذكرنا في كفارة عتق الرقبة، في كفارة الظهار أطلقت ولم تقيد بالإيمان، "فتحرير رقبة من قبل أن يتماس"، وفي كفارة القتل قيدت بالإيمان، قيدت بالإيمان، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فقيدت بالإيمان. هنا الحكم واحد، وهو عتق رقبة، فنحمل المطلق الذي في كفارة الظهار على المقيد الذي في كفارة القتل، فنقيد الرقبة بالإيمان. ويؤيده ما جاء في السنة، في حديث الجارية، حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أعتقها فإنها مؤمنة". قال: ومنها مجمل ومبين، فما أجمله الشارع في موضع، وبينه ووضحه في موضع آخر، وجب الرجوع فيه إلى بيان الشارع. وقد أجمل في القرآن كثير من الأحكام، مبينتها السنة، فوجب الرجوع إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه المبين عن الله. كذلك من ألفاظ النصوص، نصوص الكتاب والسنة، منها ما هو مجمل، ومنها ما هو مبين. المجمل محتاج إلى غيره في تعيين المراد، محتاج إلى غيره في تعيين المراد. فالمجمل لفظ له معنى، لكن لا يتضح المراد منه إلا بأدلة أخرى. مثلاً أمر الله عز وجل بإقامة الصلاة، "وأقيموا الصلاة"، هذا لفظ مجمل، له معنى، الصلاة معروف معناها، لكن كيفية إقامتها، كيف تقام، صفتها، ما هي شروطها، وما هي أركانها؟ هذا أجمل، جاء بيانه في السنة، بيانه النبي عليه الصلاة والسلام في السنة. كذلك الحج مثلاً، أمر الله جل وعلا بالحج، لكن ما ذكر كيفيته في أكثر أحكامه، فجاءت السنة في بيان صفة الحج. كذلك أمر الله عز وجل بالزكاة، "وآتوا الزكاة"، ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة؟ وما هي شروط الزكاة؟ جاء بيانها في السنة. فأجملت في القرآن، وبينتها السنة. قال: من ألفاظ نصوص الكتاب والسنة ما هو مبين. والمبين ما كان واضحاً من أصل وضعه، أو بعد التبين. ما كان واضحاً من أصل وضعه، أو بعد التبين، من ألفاظ الكتاب والسنة ما هو واضح، بيّن من أصل وضعه، معنى السماء، ومعنى الأرض، معنى الجبال، معنى البحار، معنى الأنهار، إلى آخر ذلك، ألفاظ كثيرة معانيها واضحة من أصل وضعها. ومنها ما يحصل وضوحه وبيانه بعد التبين، كحال الألفاظ المجملة التي بيّنت بعد ذلك. فما جاء في الشرع إجماله، فجاء في السنة بيانه، وجب الرجوع إلى السنة والأخذ بما جاء تبينه في السنة. والله عز وجل يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فالله عز وجل أخبره بأنه أنزل القرآن، وهو الذكر، حتى يبينه الرسول عليه الصلاة والسلام للأمة، وبيّنه عليه الصلاة والسلام أكمل بيان. قال: ونظير هذا، طبعاً بيان الإجمال، منه ما يكون في ذكر الصفة، كصفة الصلاة، وصفة الحج. ومن البيان ما يكون في بيان المقدار والعدد، كالزكاة، فيختلف صفة التبين. قال: ونظير هذا أن منها محكماً ومتشابهاً، فيجب إرجاع المتشابه إلى المحكم. يعني كذلك من نصوص الكتاب والسنة أن منها محكم ومتشابه. المحكم يأتي بمعنى الإتقان، يأتي بمعنى الإتقان، كما في قوله جل وعلا: ﴿كِتَابًا مُحْكَمًا آيَاتُهُ﴾، يعني أتقنت، فهي في غاية الإحكام والإتقان. وآيات الإحكام بمعنى الوضوح والبيان، معنى الوضوح والبيان، منها آيات محكمات، هن أم الكتاب، محكمات، بمعنى واضحات، بينات. وهكذا أيضاً المتشابه يأتي بمعنى أن المشابه يشبه بعضه بعضاً، ويماثل بعضه بعضاً، كقول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، معنى متشابه: يشبه بعضه بعضاً في الأحكام، في الأخبار، في القصص. يذكر الله عز وجل قصة مثلاً، نبي الله موسى، في أكثر من موضع، تجدها متشابهة في بعض، يعني ذكر ما حصل فيها. وهكذا غيرهم من الأنبياء، في ذكر الجنة في مواضع متعددة، تجد الآيات متشابهة في صفة النار، كذلك، وغيرها من الأحكام. فهذا معنى التشابه في هذه الآية. ويأتي لفظة "تشابه" ويراد به، يعني بمعنى حصول شيء من الخفاء والغموض، مثل قول الله جل وعلا: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، هنا المتشابهات يعني فيها شيء من الخفاء، فيها شيء من الخفاء. والمراد بهذا الخفاء خفاء نسبي، خفاء نسبي، قد يخفى على بعض الناس، ويعلمه غيرهم من أهل العلم. وقد يكون الخفاء عاماً على جميع الخلق، وهذا مما لا يحتاج العباد إلى معرفته، كمعرفة حقائق الصفات، هذه مخفية، لا يعلمها إلا الله. فالمقصود هنا أن المراد بالمحكم والمتشابه في هذا الموضع، المحكم بمعنى الواضح البين، والمتشابه بمعنى ما فيه شيء من الخفاء. ما هو موقف المسلم وطالب العلم عند المحكم والمتشابه؟ أنه يرجع المتشابه إلى المحكم، ما فيه شيء من الاشتباه يرجعه إلى الواضح البين. والله جل وعلا يقول: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. قال نبي عليه الصلاة والسلام: "إذا وجدتم أولئك القوم، فهم الذين سمى الله، فاحذروهم". والحديث في الصحيح، من حديث عائشة رضي الله عنها. هؤلاء أو هذه صفة أهل الأهواء، الذين يتبعون المتشابه، ويتركون المحكم، ويريدون ضرب الآيات بعضها ببعض، ويظهرون أن القرآن فيه تناقض، إلى آخر ذلك. والواجب هو حمل المتشابه على المحكم، حمل المتشابه على المحكم. مثلاً في صفة اليدين لله، أخبر الله جل وعلا أن له يدان تليق بجلاله، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، فأثبت الله عز وجل لنفسه اليدين. وصفات الله جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين، كما أن ذاته جل وعلا لا تماثل ذوات المخلوقين. فهناك آيات أخرى ذكرت فيها اليد على جهة الجمع، "أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا". وجاءت بعضها على جهة الإفراد، "تبارك الذي بيده الملك". فأهل الأهواء ضربوا هذه الآيات بعضها ببعض، قالوا: هذا يعني من المتشابه، من التناقض، كيف تذكر اليد بالتثنية، وبالجمع، وبالإفراد؟ لكن أهل الحق قالوا: نثبت لله عز وجل اليدين، كما أثبتها الله عز وجل لنفسه في مقام المدح والثناء، فيدل أن لله جل وعلا يدين تليق بجلاله. وأما الجمع فهو على جهة التعظيم، على جهة التعظيم. وأما ذكر الإفراد فلا يتنافى كذلك مع الجمع والتثنية، لأن المفرد إذا أضيف دل على الجمع، المفرد إذا أضيف دل على الجمع، وأقل الجمع اثنان. وحينئذ أرجعنا المتشابه إلى المحكم، وحصل بذلك الجمع بين الأدلة. وهذا مثال، وغيرها من الصفات، كذلك يقال فيها ما قيل في صفة اليدين، وغيرها من الأحكام والألفاظ التي فيها شيء من التشابه، فإنها تحمل على المحكم الواضح البين، كما أمر الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على