حال السلف في رمضان 4

حال السلف في رمضان 4

الدرس في حال السلف في رمضان 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مكانة القرآن في رمضان وأهمية تلاوته

يتناول هذا الفصل أهمية القرآن الكريم في شهر رمضان، حيث نزل القرآن في هذا الشهر المبارك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على تلاوته خاصة في ليالي رمضان. يُذكر أن جبريل عليه السلام كان يدارس النبي القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان.

مدارسة القرآن في رمضان وفوائدها

يستفاد من حديث ابن عباس أن مدارسة القرآن في رمضان تشمل التلاوة والتفسير والتجويد، وكانت تتم بين النبي وجبريل بشكل متبادل. وقد اعتبر العلماء هذه العادة سنة مهجورة ويستحبون إحياءها.

حرص السلف الصالح على القرآن في رمضان وتوجيهات للقراء

كان السلف الصالح يحرصون على الإقبال على القرآن في رمضان، حتى إن بعضهم كان يترك العبادات الأخرى ليتفرغ لتلاوة القرآن. وقد أوصى العلماء بأن من لم يستطع قراءة القرآن فعليه أن يكثر من ذكر الله.

خاتمة الدرس والدعاء للتوفيق

يختم الدرس بدعاء بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، مع الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في هذا المقام إخواني في الله، ونحن في تباحث عن أحوال سلفنا الصالح وما هم عليه من عباد وتعبد في أيام رمضان، في ليله ونهاره، نقف إخواني في الله مع حال سلفنا مع الكتاب الله سبحانه وتعالى، مع القرآن في أيام رمضان. إخواني في الله، دلت الأدلة الشرعية على أن شهر رمضان هو شهر القرآن، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾. فربنا سبحانه وتعالى خص هذا الشهر الفاضل بإنزال كتابه المقدس، بإنزال كتابه المعظم، ألا وهو القرآن الكريم. وليس هذا خاصا بكتاب ربنا سبحانه وتعالى، بل إن الكتب السماوية ما أنزلها ربنا جل وعلا إلا في رمضان. الكتب السماوية ما أنزلها ربنا جل وعلا إلا في رمضان، فقد جاء في السنن من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست من رمضان، وأنزلت الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان». وهذا الحديث يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة من حديث الواثلة بن الأسقع. أن الله سبحانه وتعالى أنزل هذه الكتب السماوية في رمضان، فصحف إبراهيم أنزلت في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست من رمضان، والإنجيل لثلاثة عشرة من رمضان، والقرآن أنزله ربنا جل وعلا لأربع وعشرين من رمضان. فهذا إن دل إخواني في الله، دل على ميزة رمضان وأنه محل لإنزال الكتب السماوية، الكتب المقدسة، وعلى رأسها كتاب ربنا سبحانه وتعالى. وأيضا إخواني في الله، اعتنى نبينا صلواته ربي وسلامه عليه اعتناءً عظيما بشأن القرآن، وخاصة في رمضان. يدل على ذلك ما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس في أنه عليه الصلاة والسلام كان جبريل يلاقيه في كل ليلة من رمضان يدارسه القرآن. أن جبريل كان يلاقي نبينا صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان يدارسه القرآن. هذا إن دل إخواني في الله، دل على ماذا؟ دل على حرص نبينا عليه الصلاة والسلام على الإقبال على القرآن في رمضان، وذلك حتى نأتسي به ونقتدي به عليه الصلاة والسلام، فنكرس من أوقاتنا ونكرس كذلك من ساعاتنا ما نجعله خالصة لكتاب ربنا سبحانه وتعالى، إقبالا عليه قراءة وتلاوة كما كان يفعله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث إخواني في الله نعرج على بعض مسائله ويتفيدنا وحن في خضم هذه الأيام المباركة حول كيفية التعامل مع القرآن، إذ أن هذا الحديث فيه إشارة لبعض المسائل قد تخفى على بعض الناس. من هذه المسائل العظيمة التي اتضحت دلالتها من هذا الحديث ما صرع به جماعة من العلماء على أن الصائم إذا أمكن أن يكثر من قراءة القرآن في الليل لكان أفضل. أنك تكثر من قراءة القرآن في الليل في المساء، وهذا أخذ بظاهر النص من أن جبريل كان يلاقي نبينا في كل ليلة يدارسه القرآن، فكانت المدارسة تتم ليلا. ولهذا استحب من استحب العلماء أنه إذا استطعت يا عبدالله أن تكثر من قراءة القرآن في الليل ففعل. ولماذا لاختصاص الليالي بالقراءة؟ قال علماء لعدة أمور، منها أن المرء في الليل ينقطع عن مشاغل الدنيا. تعلم أن الناس إذا اشتغلوا وعملوا إنما عملهم في النهار، وجعلنا النهار معاشا، بينما في الليل ينقطع الناس عن أعمالهم وعن أشغالهم، فيكون الذهن صافي، يكون الذهن صافيا لاستقبال كلام الله سبحانه وتعالى. وأيضا يقولون في المساء يكون هناك تواطئ تواطئ بين اللسان مع القلب، تواطئ من اللسان إلى القلب. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطأا وأقوى مقيلة﴾. فمن هنا إخوان في الله، وليس مع ذلك أنك لا تقرأ في النهار، لا، القراءة في الليل والنهار، لكن لو تجعل لك حظا من قراءة الليل فهي أفضل، لأن يكون فيها التمعن مع خلوء الأذهان، مع صفاء الذهن، مع تواطئ القلب مع اللسان. كذلك في هذا الحديث حديث جبريل ومدارسته مع نبينا القرآن، لفظة مدارسة يدرس. وهذه فيه فائدة على أن الصائم في رمضان إذا أقبل على كتاب الله جل وعلا لو أنه جعله حظا غير التلاوة لكان ذلك مستساغ، مثل أن يقبل على تفسير القرآن، على مشكل القرآن، على غريب القرآن، على تفسير القرآن، على تجويد القرآن، على القيام بمخارجه وحروفه، ما يتعلق بالقرآن يدخل في حكم القرآن. بعضنا صحيح يقبل كلية على التلاوة، وهذا طبعا مما دل عليه الشرع. وأيضا هذا الحديث أفاد فائدة أخرى على أنه كذلك من حكم القراءة المدارسة، المدارسة، المدارسة المتعلقة بالقرآن، فلا إشكال أنك تقرأ التفسير، فهذا من حظ القرآن ومن حق القرآن عليه. ويدل على ذلك هذه اللفظة «أن جبريل كان يدارس»، فالدرس يقول عم المدارسة، يدخل في ذلك التلاوة، يدخل في ذلك القراءة، يدخل في ذلك الفهم من التفسير، من التجويد، من الترتيل، وما يتعلق بأحكام القرآن. ولهذا أثر عن سلفنا الصالح كما ذكر ذلك عن قتادة رحمه الله تعالى: «كان يدرس القرآن في رمضان». كان يدرس معنى يدرس أن يوضح معاني ويفسر ما أشكل من آياته. فهذا كذلك مما يستساغ أن يفعل في رمضان مع كتاب الله سبحانه وتعالى. الفائدة الثالثة كذلك تستفاد من هذا الحديث من لغة «كان يدارسه القرآن» يدارس مأخوذ من المدارسة على وزن مفاعلة، وهذا الوزن يقتضي الاشتراك، يقتضي الاشتراك. فكيف كانت جلسة نبينا مع جبريل عليه السلام؟ فلظت مدارسة تدل على الاشتراك بين الطرفين. وبهذا استظهر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى أن القراءة كانت من قبل نبينا ومن قبل جبريل عليه السلام، أحدهما يقرأ والآخر يستمع، والثاني يقرأ والآخر يستمع، فهناك مدارسة بين الأطراف تشترك بين الاثنين. ومن هنا استحب جماعة من أهل العلم بل جعل هذه من السنن أن يكون قراءة القرآن عن طريق ماذا؟ مع أطراف، ليس لوحدك. إذا أمكن يا عبد الله أن تكون قراءة القرآن مع قرين، مع صاحب حلقة قرآن، أن يكون فيها تسميع للقرآن، فهذا طيب. بل جعل علماء أن هذه من السنن المهجورة، من السنن المهجورة أن لا تكونك مدارسة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يقرأ القرآن؟ ليس لوحده، وإنما معه جبريل يسمع ويسمع. فقال علماء: فإذا وجد جماعة من أهل العلم، من طلبة العلم، من عامة الناس، يقبل مع مرأته، يقبل رجل مع أخيه، مع زميل، إذا استطاع، وإذا كان ذلك في جنح الظلام، حتى تكتمل الصورة الكاملة التي كان يتبعها بعد التراويح، يكون فلان مع أخيه حلقة من حلقات العلم، يقرؤون فيها جزءا من كتاب الله جل وعلا قراءة فيما بينهم، وبعد ذلك يكون هناك تفسير أو بيان لمعاني غريب القرآن، ما أشكل علي من ألفاظ القرآن، إيش هذه الآية؟ إيش في تفسيرها؟ ماذا قال السعدي؟ ماذا قال ابن كثير؟ يقرؤون القرآن مع المدارسة. أعد العلماء أن ذلك من السنن التي قد هجرت، وهي قد ثبتت عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد صرح ابن عثمين أنها سنة أن ذلك سنة، تكون مدارسة بين طرف وآخر، ويكون في ذلك ما يتعلق بشرح غريب القرآن كذلك. إخواني في الله، ما يتعلق بهذا الحديث استفاد العلماء فائدة على مشروعية ختم القرآن، مشروعية ختم القرآن، لأن جبريل كان يدارس نبينا في كل ليلة، في كل ليلة من ليالي رمضان يدارس القرآن حتى ينتهي رمضان، فينتهي القرآن بهذا التمام، بهذه الأيام والليالي. فاستحب العلماء على مشروعية ختم القرآن في رمضان، وأن هذا الاستحباب يلازم الجميع، يلازم القارئ، يلازم التالي، ويلازم حتى إمام الصلاة. فقال العلماء: إذا كان هناك إمام يصلي بالناس التراويح، يصلي بالناس التهجد، فإذا أمكنه أن يختم القرآن في هذه الصلاة فهذا هو الأفضل، هذا هو الأفضل. طبعا العلماء قالوا: هذا ليس من باب الوجوب، وإنما ذلك استحبابا. لكن قال علماء: هذا إذا أمكن ذلك، وإذا أطاق الناس ذلك، وما تضجروا، وما استثقل ذلك عليهم فحيها لا، أما إذا كان ذلك فيها مشقة على الناس، والناس ما يصبرون على جزء كامل في صلاة التراويح كما نرى في هذه الأزمان، وأن الإمام إذا خير بين الترتيل بتأني وتؤدة وبين القراءة بسرعة على الختم، قال علماء: لا شك أن الترتيل بتؤدة وتأني، وإن لم ينته من ختم القرآن هذا أولى، لأن القرآن ما أنزل إلا للتأمل، لا يختمه والنهاية منه. لكن من استطاع أن يجمع بين الحسنين، بأنك تقرأ صلاة متأنية، صلاة بتؤدة فيها ختم للقرآن مع الناس في صلاة التراويح أو القيام، إذا أمكن ذلك من غير مشقة، من غير كلفة، فهذا استحبه العلماء اقتداءً بنبينا عليه الصلاة والسلام. فإخواني في الله، هذا ما يتعلق بحكم القرآن في رمضان. سلفنا الصالح أمام هذه الأدلة القرآنية والأدلة النبوية، ما كان منهم إلا أنهم حرصوا حرصا شديدا على الإقبال على القرآن في رمضان، لدرجة أنهم قد تركوا العبادات وتركوا الانشغال بالعلوم وأقبلوا على القرآن وعلى علم القرآن. قال محمد بن عبد الحكم رحمه الله تعالى: «قال كان الإمام مالك رحمه الله تعالى إذا دخل عليه رمضان نفر بهذا اللفظ نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن». قال إمام مالك رحمه الله تعالى: «إذا أقبل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن». ترك هذه المسائل وترك الانشغال بمجالس التحديث الذي كان عليه سلفنا الصالح، بأن تقام مجالس يكون فيها المستملون يأتون فيها الطلاب، أصحاب المحابر، فيملي عليهم الأحاديث: حدثنا فلان، حدثنا فلان عن فلان قال: قال رسول الله، فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله. هذه قراءة الأحاديث كان يتركونها يتركونها ولا يقبلون عليها، وإنما يكتفون بقراءة القرآن فيما بينهم البين. وليس معنى ذلك أن باب العلم يغلق بالكلية، ليس هذا معنى، وفي لنا العلم لا بد منه، بل رمضان من العبادات التي لا تقوم إلا بالعلم. فإذا احتاج الناس إلى بعض العلوم التي تعينهم على فهم رمضان خاصة، وعلى فهم القرآن كذلك، فلابد أن تقام مثل هذه الحلقات التعريفية التعليمية بأحكام رمضان، من أركانه، من شروطه، من توجيهات تتعلق بأحكام رمضان، فهذا لا بد منه. أما ما يتعلق بالنافلة، الانشغال بباقي العلوم كعلوم الآلة، فكان العلماء يتركونها ويقبلون على قراءة القرآن لأنها أولى، لأنها أولى، وهذا موسم القرآن. وهكذا ما ذكره عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى قال: «كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على القرآن». وسفيان الثوري من أئمة السلف، كان إذا دخل عليه رمضان ترك العبادات، ترك ما كان ينشغل به من العبادات، ما كان من أصوام التطوع، من التنفل، كان يتركون ذلك. هذا من بعض السلف يتركون النوافل ويقبلون على القرآن لاعتقادهم أن قراءة القرآن أفضل من التنفل، بل قراءة القرآن أفضل من التسبيح والاستغفار والتكبير وذكر الله عز وجل. القرآن أفضل من هذا يا عبد الله. ولهذا كان من شأن سلفنا يتركون العبادات ويقبلون على تلاوة القرآن. وهكذا ما ذكره كذلك سفيان الزهري رحمه الله تعالى من أئمة السلف قال: «إذا أقبل رمضان فإنما هو إطعام الطعام وتلاوة القرآن». إذا أقبل رمضان فإنما هو إطعام الطعام وتلاوة القرآن. فكان هذا مما درج عليه سلفنا الصالح، أنه متى ما دخل عليهم رمضان أقبلوا بالكلية، بكلياتهم نهارا وليلاً ونهارا، أقبلوا على كتاب الله سبحانه وتعالى قراءة وتأملا ومذاكرة ومدارسة. بل إن جماعة من أهل العلم يروا أن الإقبال على التلاوة أفضل من الإقبال على الحفظ، وأن الحفظ لا إشكال فيه، لكن يتكرس الجهد يا عبد الله في الإقبال على قراءة القرآن، تكثر من المرور على صفحات القرآن، على أجزاء القرآن. تبقى مسألة إخواني في الأنفس عليها، قد يجد بعض الناس ممن لم يوفقوا إلى قراءة القرآن، ممن استغلق عليهم باب القراءة، ما يستطيع بعضهم أن يقول: أخي أنا أتحسر، أسمع مثل هذه الأحاديث وهذه الآثار عن سلفنا الصالح لإقبالهم على كتاب الله والعظم الأجر المنال، لكن أنا لا أستطيع قراءة القرآن، وأنا أمي ما أستطيع ما أستطيع أن أقرأ القرآن، ما الذي أفعل؟ قال علماء: من لم يستطع قراءة القرآن فلا أقل أن يكثر من ذكر الله، من تسبيحه وتكبيره وتهليله، فيقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. يكثر من هذا الذكر، عل وعسى أن هذا مما يسد ما كان من نقصه من قراءة القرآن. وإلا الأصل أن القرآن هو الأصل وهو القمة في العبادة والتعبد لله في رمضان، لكن من استغلق عليه هذا الباب لعدم قدرته على القراءة فلا بأس أنه يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.