شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 3

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 3، ألقاها

تعريف الأحكام الخمسة وتوضيح الواجب والحرام

يشرح المقطع الأحكام الخمسة في الفقه الإسلامي ويوضح تعريف كل حكم. يبين الفرق بين ترك الحرام امتثالا وتركه عجزا.

أقسام الأحكام التكليفية وتطبيقاتها العملية

يناقش المقطع أقسام الأحكام التكليفية مثل المستحب والمكروه والمباح والواجب. يوضح معانيها وتطبيقاتها العملية والفرق بين فرض العين وفرض الكفاية.

فرض العين وفرض الكفاية ومسؤولية تاركهما

يشرح الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية في العبادات والعلم. يبين مسؤولية تارك كل منهما والإثم المترتب على ذلك.

  • 21 جمادى الأولى 1436هـ - 11/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله: فصلٌ، والأحكام التي يدور الفقه عليها خمسة: الواجب الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه. والواجب يقال له كذلك الفرض، يقال له الفرض، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا فرق بين الفرض والواجب، وقد يفيد لفظ الفرض زيادة تأكيد للوجوب والإلزام، وإلا فهما سواء. قال: والحرام ضده، الحرام ضد الواجب، فالواجب الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فالحرام الذي يثاب تاركه ويعاقب فاعله. وهذا أيضا تعريف بالثمرة، أما حده فهو ما أمر الشرع بتركه على جهة الإلزام، أو يقال: ما نهى الشرع عنه على جهة الإلزام بالترك. وكذلك أيضا يقيد في الحرام كما قيد في الواجب، فيقال: الذي يثاب تاركه امتثالا، الذي يثاب تاركه امتثالا، ويستحق العقاب فاعله. لماذا نقول امتثالا؟ لأن الإنسان قد يترك الحرام عجزا لا امتثالا، يعني لا يتركه امتثالا لأمر الله بتركه والابتعاد عنه رغبة في الثواب والأجر، وإنما يتركه لكونه عجزا عن فعل هذا الحرام، هو يريد أن يفعله وأخذ أسباب هذا الفعل، لكنه عجز، فهذا لا يثاب، هذا لا يثاب بل يأثم. إنسان أراد أن يسرق، أراد أن يسرق، أخذ بأسباب السرقة، خرج من بيته، صعد مثلا على ظهر البيت الذي أراد أن يسرق منه، فسمع أصواتا فخاف وهرب، هذا الآن ما سرق، هو ترك السرقة، هل يؤجر ويثاب على تركه للسرقة؟ أو أنه يأثم؟ نقول: يأثم، لماذا؟ لأنه أراد وعزم على فعل السرقة، لكنه تركها بسبب العجز، عجز عن فعلها، فإنه يأثم. كذلك من أراد أن يرتكب الزنا وسعى وأخذ أسبابه وأراد فعله، لكنه عجز عن فعله، فإنه يأثم؛ لأنه عزم على فعل الحرام. طيب ما هو الدليل على أنه إذا عزم على فعل المحرم ثم عجز عنه أنه يلحقه الإثم؟ الدليل حديث أبي بكرة في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن القاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل، واضح أن القاتل قتل، فما بال المقتول؟ هذا قتل وصفك دمه وهو في النار، قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه»، هو أراد أن يقتله، لكن ما الذي منعه؟ منعه أنه قتل، فعجز عن قتله، فلحقه الإثم. وهكذا يقال: من أراد فعل الحرام وعزم على فعله ثم تركه عجزا، فإنه يلحقه الإثم، بخلاف من تركه امتثالا، يعني قدر على فعل الحرام ثم خاف من الله وذكر الله فترك الحرام، هذا يؤجر، كما في قصة الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة، أحدهم الذي راود ابنة عمه وأراد أن يفعل بها الفاحشة وقدر على ذلك، في بعض الروايات: جلس بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وتوسل إلى الله عز وجل بهذا العمل، فصار من الأعمال الصالحة. فهذا الآن ترك الحرام امتثالا، ويستحق العقاب فاعله إذا فعل الحرام، فهو مستحق للعقوبة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء الله غفر له. قال: والمسنون الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، المسنون ويقال له: المستحب والمندوب والسنة، كلها من ألفاظ المسنون. قال: الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، المستحب إذا فعله الإنسان أثيب وأجر، وإن تركه فليس عليه شيء، ليس عليه شيء. وحده: ما أمر به الشرع على غير جهة الإلزام، حده: ما أمر الشرع بفعله على غير جهة الإلزام. مثلا صلاة ركعتين قبل المغرب، جاء فيها الأمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب»، ثم قال: «لمن شاء». قوله «لمن شاء» هذا صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، هنا جاء الأمر لكن ليس على جهة الإلزام، فهو مستحب، إذا فعله الإنسان أجر، وإن لم يفعله لم يأثم. وهكذا أيضا غيرها من المستحبات التي ثبتت من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أو من قوله، كالصلاة الرواتب، صلاة الضحى، نوافل الصدقة، إلى آخر ذلك من المستحبات. على أن الإنسان يحرص على فعل المستحبات ولا يتساهل فيها؛ لأن الحرص عليها مما يعينه على الحرص على فعل الواجب، وعلى كذلك عدم التهاون في الواجب. قال: والمكروه ضده، المكروه ضد المسنون، فالمسنون الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، فالمكروه الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. المكروه حده: هو ما أمر الشرع بتركه على غير جهة الإلزام، أو ما نهى عنه الشرع على غير جهة الإلزام بالترك. يأتي فيه النهي، مثلاً ثم يصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة، مثل الشرب قائماً، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرب المرء قائماً، ثم ثبت عنه من فعله أنه شرب قائماً، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرب المرء قائماً، ثم ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه شرب قائماً، فهنا يحمل أنه على الكراهة، يعني يكره أن يشرب الإنسان قائما. طيب ما حكم الشرب قائما؟ مكروه، فإن تركه أثيب، وإن فعله فليس عليه إثم. وأيضا ما قيل في المستحب يقال في المكروه، فالإنسان لا يتساهل في فعل المكروهات، ما يقول: هذا مكروه، الأمر فيه سهل، مكروه بعد مكروه بعد مكروه حتى يقع في الحرام، لا يحرص على ترك المكروه ما استطاع. والنبي صلى الله عليه وسلم يعني ربما ينهى عن الشيء ثم يفعله من باب بيان الجواز، أنه جائز مع الكراهة، الأولى تركه، لكنه جائز، فيحرص على اجتناب المكروه ما استطاع، فإن فعله فهو مما لا يأثم الإنسان بفعله. قال: والمباح مستوى الطرفين، لا يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، المباح ليس فيه أمر ولا نهي، فلا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. مثلا أراد الإنسان يمشي حافيا أمر مباح، أراد يمشي منتعلا أمر مباح، وإن كان جاء أيضا جاء بعض الأحاديث في الحث على الانتعال ولبس النعل. أكل الأشياء المباحة من مأكولات أو مشروبات إلى آخر ذلك، هذه أشياء مباحة ليس فيها أمر ولا نهي. قال: وينقسم الواجب إلى فرض عين يطلب فعله من كل مكلف بالغ عاقل، وهو جمهور أحكام الشريعة الواجبة، وإلى فرض كفاية، وهو الذي يطلب حصوله وتحصيله من المكلفين لا من كل واحد بعينه، كتعلم العلوم والصناعات النافعة، والأذان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. ينقسم الواجب إلى قسمين: إلى فرض عين، وإلى فرض كفاية. ففرض العين قال: يطلب فعله من كل مكلف بالغ عاقل، اللفظ المكلف يطلق أهل العلم يردون به العاقل البالغ، من كان بالغا عاقلا توجه إليه الخطاب بفعل الواجبات وترك المحرمات، فهذا فرض العين يجب على كل إنسان بعينه، يجب على كل إنسان بعينه. مثلا الأمر بالصلاة، وأقيم الصلاة، يجب على كل إنسان بالغ عاقل أن يصلي وأن يقيم الصلاة، هذا يسمى فرض عين، وسمى فرض عين. كذلك إتاء الزكاة، من عنده مال بلغ أن يصاب حال عليه الحول، وجب أن يزكيه، وجب أن يزكيه، كل من عنده مال يجب فيه الزكاة، وجب أن يزكيه. كذلك الصيام، كذلك إذا كان بالغا عاقلا، وجب عليه أن يصوم، إلى آخر الواجبات والفرائض العينية. ومثل أيضا طلب العلم، منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، فتعلم أركان الإسلام فرض عين، تعلم التوحيد، تعلم الصلاة، تعلم الصيام، تعلم الزكاة لمن كان عنده مال يجب فيه الزكاة، تعلم الحج لمن استطاع أن يحج، هذه يجب أن يتعلمها الإنسان، كل إنسان بعينه. كذلك بعض مسائل البيع والشراء، إذا كان ممن يبيع ويشتري، فيتعلم حدود ما يعني يتعامل به من البيع والشراء، فيكون فرض عين عليه. وما زاد ذلك من العلوم الأخرى والتوسع في بقية العلوم، فهو من فرض الكفاية، كتعلم علم اللغة، وعلم المصطلح، وعلم الفرائض، إلى آخره. طيب هذا الآن فرض العين يجب على كل إنسان بعينه. وفرض الكفاية قال: هو الذي يطلب حصوله وتحصيله من المكلفين لا من كل واحد بعينه. بعضها العلم قال: فرض الكفاية هو ما نظر فيه الشرع إلى الفعل دون الفاعل، ما نظر فيه الشرع إلى الفعل دون الفاعل، هذا يقال له فرض كفاية، وفرض العين ما نظر فيه الشرع إلى الفاعل. الآن الصلاة مطلوبة من كل شخص، ينظر فيها إلى كل فاعل لها. وأما فرض الكفاية فينظر فيه إلى الفعل، مثلا الصلاة الجنازة، تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه، كلها فرض كفايات، المقصود هو حصول هذا الأمر، حصول هذا الأمر أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، هذا فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم على الباقين، ما يجب على كل الناس أن يصلوا على الميت، لا، لو كان كذلك فرض عين وشق على الناس، لكن الصلاة عليه فرض كفاية، يكفي من يقوم بالصلاة عليه. هذا فرض كفاية، كذلك أيضا ما ذكر من تعلم يعني العلوم، العلوم التي هي غير فرض العين كما ذكرنا، فتعلمها فرض كفاية، تعلم الصناعات النافعة التي يحتاج لها الناس، كتعلم الخدادة والنجارة، الهندسة إلى آخرها من العلوم التي يحتاج لها الناس، فهي من فروض الكفاية. كذلك الأذان، إقامة الأذان فرض كفاية، ما يجب على كل إنسان أن يؤذن، الذي يجب حصول الأذان، الذي يجب هو حصول الأذان، فهو فرض كفاية. كذلك الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، وغير ذلك من المأمورات. ويفرق بين فرض العين وفرض الكفاية أن فرض العين عمومه شمولي، فرض العين عمومه شمولي يشمل كل فرد، فرض العين يشمل كل فرد بنفسه، فيكون عمومه شمولي يشمل جميع الخلق من كان بالغا عاقلا. وأما فرض الكفاية فعمومه بدلي، عمومه بدلي، يعني ما يجب على كل إنسان بعينه، قد يكون به زيد ويقوم به علي أو يقوم به محمد، فلا يجب على الناس كلهم، يجب عليهم على سبيل بدل لا على سبيل الشمول. كذلك أيضا فرض العين إذا تركه الإنسان آثم بنفسه، كل إنسان يأثم بنفسه إذا ترك فرض العين، من ترك الصلاة، كل تارك للصلاة يأثم على تركها، يأثم بنفسه. لكن فرض الكفاية يأثم من تعلق بهم الأمر، يأثم من تعلق بهم الأمر، مثلا شخص غرق غرق في البحر وعنده خمسة نفر عنده خمسة نفر في الساحل، الآن هؤلاء وجب عليهم أن ينقذوه، وجب عليهم أن ينقذوه، فإذا تركوه حتى مات ولم ينقذوه أثموا جميعا؛ لأن الأمر تعلق بهم. وإذا أنقذو واحد منهم سلمو من الإثم، سلمو من الإثم. أو مثلا بيت احترق، ووجد يعني أناس فيهم كفاية لإطفاء هذا الحريق، وتركوا ذلك، أثموا جميعا؛ لأن الأمر تعلق بهم، وإن قام بعضهم بإطفاء هذا الحريق سلموا من الإثم. هذا معنى قولنا أن تارك فرض العين يأثم بعينه، وتارك فرض الكفاية يأثم من تركه ممن تعلق بهم الأمر. طيب أظن الوقت قد انتهى، طيب نكتفي بهذا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على