الدرس في القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن الفرقة الإثني عشرية واعتقاداتها الكفرية مثل علم الغيب والعصمة للأئمة. يوضح أن الأئمة الإثني عشر في الحقيقة من أهل السنة والصحابة والتابعين.
يتناول بدعة التشاؤم من شهر صفر حيث كان أهل الجاهلية يعتقدون أنه شهر نحس. النبي صلى الله عليه وسلم نفى هذه الاعتقادات بقوله 'لا صفر'.
يوضح أن الأصل في العدوى هو أن الأمر بيد الله، وليس للمرض تأثير ذاتي. ينبغي أخذ الأسباب الاحترازية للوقاية من الأمراض المعدية.
يعدد البدع التي تؤثر على العقيدة مثل بدعة المولد والتطير وما يتعلق بشهر صفر. يشير إلى هذه البدع من منظور الضعف والوهن.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فلازمنا إخواني في الله في هذه الرسالة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وهو يتحدث عن البدع. وآخر ما وقفنا عليه ما يتعلق ببدعة المولد، وأن الأصل فيها بأنها من البدع المنكرة، إلا إذا شابها شيء من قوادح العقيدة ومن نواقض الإسلام، كالدعاء، علم الغيب، فحينها هذا الاعتقاد يصل بصاحبه إلى الكفر. ثم قال رحمه الله تعالى: ومثل هذا قول بعض الرافضة إن أئمتهم الإثني عشر يعلمون الغيب، وهذا كفر وضلال وردة عن الإسلام، لقوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. هنا عرج الشيخ رحمه الله تعالى، حين تحدث على مسألة إدعاء علم الغيب، أشار إلى مسألة ما يعتقده الرافضة في أئمتهم الإثنى عشر. وهذه لربما من المصطلحات الشهيرة عند بعض الناس، أنهم يسمعون أن من فرق الرافضة الفرقة الإثني عشرية. يا ترى من هم؟ ومن هؤلاء؟ قلاصة هؤلاء أن هذه فرقة من فرق الرافضة، وهم من غلاة الرافضة، ومن الفرق الباطنية، وهم كفرة زنادقة، إذ أنهم يعتقدون العصمة في هؤلاء الأئمة الإثنى عشر، فيعتقدون أنهم يضرون وينفعون، ويعتقدون أنهم معصومون، ويعتقدون أن أقوالهم وحي منزل، فهي تشريع لا تخالف بحال من الأحوال، وأنهم بأيديهم إدخال من شاءوا إلى الجنة. وهذه كلها اعتقادات كفر في كفر، ولهذا يعتبرون الفرقة الإثني عشرية من الباطنية الملاحدة. لكن من باب الإيضاح إخواني في الله، ينبغي أن نسلط الأضواء قليلا على هؤلاء الأئمة. ينبغي أن نعلم أن هؤلاء الأئمة الإثنى عشر هم من أئمة السنة. هذا مما قد يخفى على كثير من الناس، أن هؤلاء الأئمة هم من أئمة السنة، فهم من الصحابة، ومنهم من التابعين، ومنهم من أتباع التابعين، فهم من سادات الناس، من سادات الناس، قد بلغوا المبلغ العظيم في العلم والعبادة والتعبد والتزهد، من لدن أولهم وهو علي بن أبي طالب، يعتبر إمام من الأئمة الاثنى عشرية عند هؤلاء الرافضة. عندهم علي بن أبي طالب، عندهم الحسن، وعندهم الحسين، ثم بعد ذلك يبدأ النزول. فمن نظر إلى هؤلاء الأئمة يراهم أنهم من أهل السنة. مثال ما بعد الحسن والحسين، عندهم علي بن الحسين، وهو الملقب بزين العابدين. وبعد علي بن الحسين ابنه، وهو محمد، وهو المشهور بالباقر، من أئمة السنة. وبعد محمد الباقر يأتي ابنه، وهو جعفر الملقب بالصادق، وهو من أئمة السنة. كل هؤلاء من أئمة السنة. فالرافضة عظموا هؤلاء لأجل أن هؤلاء من نسل علي وفاطمة، فتناسلوا. فهؤلاء في الحقيقة هم من أهل السنة، من سادات التابعين وأتباع التابعين. لكن الرافضة أخزاهم الله عظموا هؤلاء، وجعلوا لهم منزلة بمنزلة الرب جل وعلا. إلا نستثني من هؤلاء الأئمة الإمام الاثنى عشر العسكري، وهي شخصية وهمية، يدعون بأنه العسكري دخل إلى سرداب في سامراء، ولا يزال محتجزا فيها إلى أن يأذن الله بخروجه. هذا وهم، وهذا نوع من أنواع الخبل والجنون والحمق والسذاجة عند هؤلاء الرافضة، إذ يعتقدون بوجود إمام عاش مئات السنين في السرداب إلى أن يأذن الله له بالخروج. فالشاهد أن هؤلاء الأئمة هم من أهل السنة، من الصحابة، ومن التابعين، وأتباع التابعين، من سادات العارفين. لكن الرافضة كذبوا عليهم، ولبسوا عليهم اعتقادات، وأنسجوا حولهم النسيج من الفخام والضحام والغلو والإطراء ما أنزل الله به من سلطان. فقال الشيخ رحمه الله: ومثل هذا قول بعض الرافضة إن أئمتهم الاثني عشر يعلمون الغيب، وهذا كفر وضلال وردة عن الإسلام، لقوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. قال: أما إذا كان الاحتفال بمجرد قراءة السيرة النبوية، وذكر ما جرى في مولده، وغزواته، ونحوه مما يكون في ولائمهم واحتفالاتهم، فهذا بدعة في الدين تنقصه، ولكن لا تنقضه. كما أسلفنا، إذا كانت البدع فقط عبارة عن اجتماع على القراءة للسيرة ونحو ذلك، فهذه بدعة. هنا تنبيه آخر، قد يقول قائل: إيش معنى هذا الكلام؟ هل معنى أن القراءة في السيرة بدعة؟ لا، يعبد الله. الأمر ليس كذلك. القراءة في سيرة عبادة، ومن العلم الشرعي، أنك تتأمل وتقرأ في سيرته، وتعتبر وتتعظ، وأن تقضي الأوقات وتفنى الأعمار بمعرفة حياته عليه الصلاة والسلام، هذا من الدين. لكن البدعة تصنع التخصيص، عندما أنت تحدد لك ولأتباعك يوما معينا، شهرا من الزمان، أن تقرأ في هذه المادة بعينها، وأن يجتمع فيه في مكان مخصوص، وعلى هيئة مخصوصة، بل وتنزل في حقها فضائل، تقسم ما شئت من الحسنات والأجور والفضائل. من جاء هنا أعطي كذا وكذا، ومن لم يأت فعليه كذا وكذا. إيش هذا؟ هذا ليست سيرة فقط، بل هذا تحكم في شرع الله عز وجل. فانتبه يا عبد الله، حتى لا يدخل عليك الداخل، ويستغرك المغفل، في أن هؤلاء ينكرون السيرة، حاشا وكلا. بل نحن ندرس السيرة، ونأمر بتدريسها، ونجعلها من ديننا. لكن الذي ننكره التخصيص، أنك تخصص للناس، ويكأنك مشرع من دون الله. أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ فهنا بدعة. كما قال سماحة الشيخ: ومن البدع ما يعتقده بعض الجهال في شهر صفر، من أنه لا يسافر فيه، وأن فيه دابة تسمى صفر تؤذي البطن، فيتشاءمون به. وهذا جهل وضلال، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صفر». هنا تحدث سماحة الشيخ رحمه الله إلى النموذج آخر من نماذج البدع، ما يعتقده الناس في شهر صفر. وأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه لا صفر. معنى لا صفر أي لا اعتقاد في صفر. وما الذي كان يعتقده أهل الجاهلية؟ هم على أمرين اثنين، كما ذكر العلماء. منهم من كان يعتقد أن صفر عبارة عن دويبة، عبارة عن داء، عبارة عن حشرة تكون في البطن تهيج مع الجوع، فتؤدي إلى قتل صاحبها. وهذا محض خيال، ليس هناك حقيقة لهذه الدابة أو الدويبة أو الحشرة. أو هناك مرض ما عندنا شيء من هذا، لكن هي خرافات عند الجاهلية، يتشاؤمون من هذا الوبال. والمعنى الثاني، وهو الشهير عند العلماء، أن ما عليه أهل الجاهلية من التشاؤم من شهر صفر، يتشاؤمون إذا دخل عليهم شهر صفر، تغيرت أحوالهم، فيمسكون عن السفر، يمسكون عن إبرام اتفاقيات أو عقود ومعاملات، يقفون عن أشياء كثيرة يعطلونها. لماذا؟ ظنا منهم أن صفر نحس، شؤم، وأن أي شيء يبرم فيه فإن مآله إلى الذهاب والضياع والانحسار. وللأسف أن نجد أن هذه الصفة لا زالت موجودة في هذا الزمن عند بعض المسلمين. تجد إذا أردت أن تعدد الأنكحة والزواجات، تجدها قبل وبعد في شهر صفر. وهناك من يعقد نكاحا في شهر صفر. لماذا؟ إذا كان هناك سبب مثلا لحر شديد أو لأوضاع إنسانية ومأساوية واقتصادية، هذا له عذره. لكن تجد أن جل من يمتنع عن شهر صفر أنه يقفز عليه لأنه نحس، وأن هذا الشهر شؤم، فلا يبرم فيه اتفاقية، ولا يعقد فيه سفر، ولا يبرم فيه نكاحا. هذا من مخلفات الجاهلية التي لا زالت فاشية، هذا من البدع، هذه من البدع الضالة. قال رحمه الله تعالى: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة». لأن هذا من التطير. والطيرة هي التشاؤم، التشاؤم بشكل عام، طيرة بمعلوم أو مسموع أو مقروء، أو بذوات أو بأعيان أو بأرقام أو بزمان أو بمكان، أي تشاؤم طيرة. فالنبي قال: «لا عدوى ولا طيرة»، فلن تطير لا بحيوانات ولا بأزمان، لا بصفر ولا بغيره. قال: وأن اعتقاد العدوى والطيرة، والتعلق بالأوهام أو الغول، كل هذا من أمور الجاهلية التي تقدح في الدين. ومن زعم أن هناك عدوى فهذا باطل. ولكن الله جعل المخالطة لبعض المرضى قد تكون سببا لوجود المرض في الصحيح، ولكن لا تعدي بطبعها. ولما سمع بعض العرب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى»، قال: يا رسول الله، الإبل تكون في الرمال كأنها الضبا، فإذا دخلها الأجرب أجربها. قال عليه الصلاة والسلام: «فمن أعدى الأول؟» أي من الذي أنزل الجرب في الأول؟ فالأمر بيد الله عز وجل، إذا شاء أجربها بسبب هذا الجرب، وإن شاء لم يجربها. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يوردن ممرض على مصح». يعني لا تورد الإبل المريضة على الصحيحة، بل تكون هذه على حدة، وهذه على حدة، وذلك من باب اتقاء الشر والبعد عن أسبابه. وإلا فالأمور بيد الله، لا يعدي شيء بطبعه، إنما هو بيد الله. قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. فالخلطة من أسباب وجود المرض، فلا تنبغي الخلطة. فالأجرب لا يخالط الصحيح، هكذا أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم، من باب الاتقاء والحذر من أسباب الشر. لكن ليس المعنى أنه إذا خالط فإنه سيعدي، لا. قد يعدي وقد لا يعدي، والأمر بيد الله. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». أوضح الشيخ رحمه الله تعالى في هذه المسألة حقيقة العدوى. الأصل أننا نعتقد كعقيدة أن المرض ليس له تأثير في ذاته في أن ينتقل بنفسه، وإنما الأمر بيد الله جل في علاه، إن شاء انتقل وإن شاء لم ينتقل، كأي مرض معدي. وهذا مجرب. لربما أن إنسانا ما خالط المرضى ممن يصابون بهذه الأمراض، ويخرج من بينهم سليما معافى، ما تأثر. مثل ما أشرنا إلى بعض البيوت عندهم بعض الأمراض الذي يعبر عنها بأنها معدية، كالحصبة أو الجدري وغير ذلك من الحميات. ثم إذ تجد أن من أفراد الأسرة ما أصيب أبدا، خرج منها الذي أصغر منه مرضا، والذي أكبر منه مرضا، وأما هو عافى. من الذي عافاه الله؟ أين المرض؟ ما تأثر، ما يؤثر. فالله عز وجل بيده الأمور. والعكس بالعكس، أو تجد أن إنسانا بين أصحاء يصبح الصباح، وإذ بجسمه منقط. إيش فيه؟ حصبة. منين جاءت؟ الله أعلم. منين جاءت؟ ما هناك خلطة، ما هناك مرض بجواره حتى يتأثر بانتقاله. إذن الأمر بيد الله جل وعلا. إذن ينبغي أن نبعد قضية العدوى وأنها تنتقل بنفسها. لكن بالمقابل، كوننا نبعد هذه العقيدة، ليس معنى ذلك أننا نعرض أنفسنا للمرض. خذ بالأسباب، من الأسباب أنك لا تخالط المرضى، ابتعد عنهم قدر الإمكان. مثل أن إنسانا من أفراد الأسرة عنده مرض، وفي عالم الطب أن هذا المرض معدي، إذن خذ بالأسباب الاحترازية في عالم الطب، أنك لا تأكل من صحنه، ولا تشرب من كوبه، ولا تتبرز بفراشه، ولا تلبس ثيابه. هذه أسباب ابتعد عنها، افعلها، ولا تتخذ أو تتقحم هذه الأسباب. لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يورد ممرض على مصح»، أي لا يدخل المريض على الأصحاء، ابعدهم. هذا من باب الأخذ بالأسباب، من باب الأخذ بالأسباب. فأهل السنة في باب الأسباب، نحن، لا ننكر الأسباب. لا ما ننكر الأسباب، هناك أسباب نقوم بها. وبالمقابل لا نتعلق بالأسباب، لا نتعلق بها، نجعل هي الكل في الكل. إنما هي السبب، وإنما التعلق برب الأسباب جل في علاه. مثل ماذا؟ مثل مثال يسير، مثل الأعمال والأشغال. العمل هل هو مصدر رئيسي وحيد لأن ترزق؟ الجواب لا. العمل سبب من الأسباب، بدليل أن إنسانا يفتح هذا المحل ويعمل فيه ويفشل. ويأتي واحد من بعده يفتح نفس المحل، ويفتح فيه ويفلح. كيف هذا؟ يد الله عز وجل. إذن إذا قلنا أننا ما نتعلق بالأسباب، هل معنى ذاك أنك تترك الأسباب؟ يقول: أنا ما سأعمل، بما أن الله هو الرازق، إذا ما في داعي للعمل، ولا أفتح محلا ولا شيئا، سأضع رجل على رجل، وأنتظر رزق الله عز وجل. هل هذا صحيح؟ تترك الأسباب لا. قال ابن القيم: هذا عطل في العقل، هذا مجنون الذي يترك الأسباب. وبالمقابل إذا اتخذت السبب، لا تظن أن السبب هو هو، هو هو. إنما أهل سبب اتخذوه، والله عز وجل سيقدر لك الخير. وهكذا قس في باقي الأسباب. ومنها في باب العلاج، أنت يا عبد الله خذ بأسباب العلاج، خذ بأسباب الوقاية، كما أشارت السنة: «فر من المجذوم»، «لا يرد ممرض على مصح». ابتعد، احترز من هذه الأمراض حتى تنأى بنفسك. لكن مع الأخذ بهذه الأسباب، لا تعتمد عليها، وإنما اعتمد على الله جل في علاه. الحاصل إخواني في الله أن سماحة الشيخ رحمه الله تعالى عرج على هذه المسألة لأهميتها، فناسب أن نذكر ما أشار إليه. فشاهد من ذلكم أن سماحة الشيخ رحمه الله لا زال يعدد لنا البدع التي تقدح في العقيدة، من باب الضعف والوهن، لا من باب النقض والبطلان. فأشار إلى بدعة المولد، وإلى بدعة ما يتعلق بشهر صفر، وهكذا بأمر التطير. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.