الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 87

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 87

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 87، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في غزوة بدر الكبرى وأسبابها

يتناول المقطع شرح غزوة بدر الكبرى وسببها المتعلق باعتراض قافلة أبو سفيان. يوضح معنى 'غزوة' وسبب تسميتها بالكبرى.

أسباب اعتراض النبي لقوافل الكفار وتأديبهم

كان النبي يخرج لاعتراض قوافل الكفار لاستعادة أموال المسلمين وتأديب الكفار وإضعاف اقتصادهم الحربي.

تفاصيل غزوة بدر الكبرى وانتصار المسلمين

وقعَت غزوة بدر في السابع عشر من رمضان، وتحولت من اعتراض قافلة إلى معركة كبيرة انتصر فيها المسلمون بقتل و أسر العديد من الكفار.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويشير إلى أهمية الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كما أشرنا إخواني في الله، فإننا في مثل هذا اليوم سنبتدئ ونستأنف الدرس، والذي هو معد في شرح الأرجوزة الميئية في بيان حال أشرف البرية، وهي الأرجوزة المكونة من مئة بيت، وهو على القول الشهير للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى، أنه هو الذي سبك هذه الأبيات في تتبع أهم الحوادث التي كانت في سيرته عليه الصلاة والسلام. كنا قد انقطعنا مدة من الزمن في القراءة في هذه الأبيات، وقد مضى منا معنا فيها الإشارة إلى ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى من بدء حياته ونشأته، ثم ما كان من بعثته عليه الصلاة والسلام، وما كان من أهم الحوادث قبل هجرته، ثم ذكر لنا ما يتعلق بأمر الهجرة، وكيف كان انتقاله إلى المدينة، وأصبحت هي دار المهجر. فحرص نبينا صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى، كما مضى معنا، في الاهتمام بالجبهة الداخلية ببناء مسجده، وبشرعية الأذان، وببناء بيته ومساكنه، وهكذا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. ثم في السنة الثانية من وصوله إلى المدينة، شرع نبينا صلى الله عليه وسلم برفع السلاح وبإعلان الجهاد والقتال ضد الكفار، ومرت معنا بعض الغزوات التي أشرنا وأشار إليها الناظم رحمه الله. وها هنا قال الناظم رحمه الله: «والغزوة الكبرى التي ببدر في الصوم في سابع عشر الشهر». أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى مرحلة من أهم مراحل قتاله وجهاده عليه الصلاة والسلام، فأشار إلى هذه الغزوة، فقال: «والغزوة». وسميت هذه المعركة بالغزوة على الضابط الصحيح الذي سار عليه أهل التاريخ والسير، في أن القتال الذي يخرج فيه رسول الله وهو الذي يقود زمامه يقال عنه غزوة، وما كان من قتال لا يشارك فيه عليه الصلاة والسلام يقال عنه معركة، وما كان دون ذلك في العدد يقال عنه سرية. فهذه مصطلحات جرى عليها عرف العلماء في كتب التاريخ والسير. فقال: «والغزوة»، إشارة إلى أن هذه الغزوة خرج فيها نبينا صلى الله عليه وسلم. قال: «والغزوة الكبرى التي ببدر». بدر هي منطقة تقع في أسفل وادي الصفراء، تبعد عن المدينة النبوية بالمقياس المتري بمئة وخمسين كيلو. فلما وقعت المعركة في هذا المكان نسبت إليه، فتنسب الغزوات والمعارك على الأماكن التي أقيمت فيها. قال: «والغزوة الكبرى التي ببدر». ووصفها المؤلف رحمه الله تعالى كبرى لأحد احتمالين، إما أنها وصفها ببدر الكبرى حتى يتحرز من بدر صغرى، لأننا قد أشرنا إلى أن هناك غزوات خرج فيها نبينا صلى الله عليه وسلم كغزوة الأبواء والأبواط، ومنها بدر، بدر تسمى ببدر الأولى أو تسمى ببدر الصغرى، وهذه سميت ببدر الكبرى حتى يميز بين هذه وبين هذا. وقيل أنها سميت كبرى لعظيم ما حصل فيها من كبار الأمور، حصل فيها قتل وقتال ولقاء واحتدام، وحصل فيها سفك للدماء ووقعت فيها ضحايا إلى غير ذلك، فلعظيم أثرها وما كان فيها بالنسبة إلى غيرها فهي كبرى، فسميت واشتهرت ولا زالت تشتهر بهذا الوصف بأنها غزوة بدر الكبرى. نأتي الآن إخواني في الله مسألة وهي ما سبب غزوة بدر الكبرى؟ سبب غزوة بدر الكبرى ترجعنا إلى دروس خلت قد مضت معنا في عهد طويل، من خلال معرفة تلكم الغزوة سنعرف ما هو مؤدى غزوة بدر الكبرى. مضى معنا في دروس خلت إخواني في الله عن غزوة تسمى بغزوة العشيرة أو غزوة العشيرة، وهذه الغزوة حقيقتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كما سمع بقافلة خرجت من مكة متوجهة إلى الشام، وهذه القافلة قد حملت بأموال ضخمة كثيرة، حتى مما جاء في وصف حمولتها أنها فيها ما يقدر بخمسين ألف دينار من الذهب، وهكذا ألف بعير. وكانت هذه القافلة يقودها أبو سفيان لما كان على كفره وشركه، وهو الذي يقودها. فلما سمع نبينا صلى الله عليه وسلم بخروج هذه القافلة من مكة متوجه إلى الشام، أراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يعترض هذه القافلة، إلا أن من تقدير الله جل وعلا أن هذه القافلة قد فاتته ومرت، وما استطاع نبينا أن يظفر بها. وقد خرج مع مئتين من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، سميت هذه الغزوة بغزوة العشيرة أو العشيرة، لأن النبي خرج فيها ولم يحصل فيها شيء من قتل ومقاتلة، لأنه أصلا ما وقعت فيها مواجهة، سلمت هذه القافلة، لكن مع سلامتها إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحسب لها حساب متى في عودتها، لأنها ستعود ولابد ستعود ولابد. لأن التجارة وضعوا فيها أموال وضعوا فيها الدنانير والدراهم تذهب هذه الأموال مع تلكم الحيوانات إلى أرض الشام تستبدل وتستشرى ويشرى بها السلع والبضائع والأمتعة، ثم ترجع إلى مكة وهي محملة. نبينا صلى الله عليه وسلم ما غفل عنها، حسب لها حسابا وفي اليوم المحدود كما سيأتي معنا وقت نبينا صلى الله عليه وسلم الوقت المعلوم لرجوع هذه القافلة، فخرج إليها صلى الله عليه وسلم لكي يعترضها. وأشرنا إخواني في الله إلى مسألة ونحب أن نجدد العهد بها، أن هذه الغزوة كما ترون غزوة بدر هي في الأصل خروج لاعتراض قافلة، غزوة العشيرة وهي الأصل كانت لاعتراض هذه القافلة، الغزوات التي سبقت وهي الأبواء والأبوات وغزوة بدر الصغرى هي على هذا المنحى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرجو فيها أن يعترض قوافل للكفار. وهذا على ماذا يخرج إخواني في الله؟ ما يكون من اعتراضه صلى الله عليه وسلم لهذه القوافل في أن يضع يده عليها وأن يستول على ما فيها، هذا الفعل منه عليه الصلاة والسلام يخرج بأمور، الأمر الأول أن هذه هي أموال كفار حربيين أعلنوا حربهم على الله وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام، والكافر الحربي لا ذمة له ولا عهد له، ودمه وماله هدر، بخلاف الكافر الذمي الكتابي المعاهد المستأمن. هؤلاء كفر لكن بيننا وبينهم مواثيق لا تمتد أيدينا إلى أموالهم، ولا كذلك نتجرأ على سفك دمائهم، من كان كافراً لكنهم مستأمناً أو معاهداً أو ذمية، بخلاف الحرب الذين أعلنوا حربهم على الله ورسوله، وما فعلوه من جرائم في حق المسلمين وفي حق الصحابة، هؤلاء حربيون، ولهذا جعل نبينا أموالهم هدر إذا أخذت أخذت تسلب. الأمر الثاني الذي جعل نبينا صلى الله عليه وسلم يريد أن يستولي على هذه القافلة من باب العقوبة والتأديب للكفار، ولأن هذا هو العدل، العدل ما أمر الله به، وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، هذا هو العدل. الكفار عاقبوا أهل الإسلام بماذا؟ بسلب أموالهم وديارهم وأمتعتهم، ما تركوا لهم شيئا. علمتم ما وقع في حوادث الهجرة، كيف أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خرجوا من ديارهم لواذا، يخرجون يتسللون ليلا، عل وعسى أن الواحد منهم يغفر بدينه، ما أخذوا معهم شيئا. وتخيل أنت يا عبد الله، تخيل لو أنت معك في بيتك مع أهلك تقول لمن هم تحت يدك: يا جماعة الليلة سنسري سنغادر، سيقول أموالنا أو لا تأخذوا معكم شيئا، فروا بدينكم، هذا الذي فعله الصحابة، خرجوا بماذا؟ بأنفسهم. وبعد خروجهم قام الكفار واستولوا على الديار وعلى الأموال، بل أن من أدركوا به من الصحابة وعلموا أن معه مال اشترطوا عليه أنه إن أراد أن يذهب سالما يترك ماله، كما فعلوا مع صهيب رضي الله تعالى عنه، يترك ماله، فاستولوا على الأموال، حتى أن بقي من أهل الصحبة ممن هاجر إلى المدينة ما وجد شيئا ينام في المسجد، أهل الصفة من هم؟ هم أهل الهجرة، جماعة من أهل الهجرة ما وجدوا شيئا في المدينة ما وجدوا إلا المساجد تأويهم. فمكثوا في بيت في مسجد رسول الله يصلون وينامون ويقيلون ويأكلون. فلما كان الأمر كذلك عوقب أهل الإسلام بسلب أموالهم، فأراد نبينا أن يعاقبهم بجنس عقوبتهم أن يأخذ أموالهم حتى يكون فيها العوض لأهل الإسلام. وكذلك الأمر الثالث الذي كان نبينا يطمع من خلاله في الاستيلاء والاعتراض على قوافل الكفار، لعلمه أن هذه القوافل عبارة عن إمدادات مالية يعود ربحها وريعها إلى المجهود الحربي، لأن قوام الجيوش وتجهيز المقاتلين يعتمد على مال، وهذه التجارة تذهب يمنى ويسرى هي التي تمد هذا المجهود الحربي. فأراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يجفف منبع هذا الاقتصاد بأن يستولي على هذه الأموال وهذه التجارات، فيضعف من شأن اقتصاد الكفار. فالشاهد إخواني في الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأمور ولغيرها كما أشار العلماء، كان يتطلع إلى أن يستولي على قوافل الكفار. الشاهد في غزوة العشيرة التي تحدثنا عنها الآن، لما خرج نبينا لكي يعترض القافلة فما ظفر بها وفاتته، ترك في حسابه أن يعود لها عند مرجعها، وهذا الذي صار. خرج نبينا صلى الله عليه وسلم لاعتراض هذه القافلة، وخرج معه من أصحابه ثلاثمائة مقاتل، تحديدا ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتلا من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ومعهم فرسين. قد يقول قائل: ولماذا أخرج نبينا هذا العدد الضئيل؟ لأن النبي إنما خرج لماذا؟ لهذا الهدف اعتراض قافلة، قافلة تجارية، ليس قافلة حربية، ولا يعترض جيش، وإنما سمع بتجارة. بل أن ذكر العلماء من أهل التواريخ أن هذه القافلة التي سار فيها أبو سفيان كان الحراس لا يتعدون ثلاثين حارسا، هي قافلة تجارية فقط، حراس يحرسونها من اللصوص ونحو ذلك فقط. فلا هم استعدوا لقتال عدو، وللنبي صلى الله عليه وسلم استعد لقتال وجهاد، وإنما حسبه أن يعترض على قافلة كبيرة سيستعين بأصحابه في نقلها إلى المدينة. فخرج من خرج من هؤلاء، وكانوا على هذا العدد من الصحابة مع قلة العدد والعدة، لما سمعتموه من السبب. فخرج نبينا صلى الله عليه وسلم لاعتراض القافلة، أبو سفيان كان مع رجوعه كان يقضي كان يقظا، فكان يرسل العيون يسبقونه في المشي لكي يتوجسون وينظرون، فجاءه الخبر بأن محمدا وأصحابه خرجوا من المدينة وأنهم سيعترضون القافلة. فحينها سارع أبو سفيان إلى إرسال صريخ ومنادي، وهذا الصريخ مهمته أن ينطلق بأسرع سرعة يقدر عليها، يسمى الصريخ، مهمته أن يذهب إلى مكة ثم ينادي بالناس أن أدركوا تجارتكم فقط. فأرسل الصريخ مباشرة، ومع ما قام به أبو سفيان أنه ابتعد عن الخط المعلوم الذي تتخذه القافلة ذهابا وإيابا، غير في مسيره وذهب بها إلى الساحل، أبعدها عن الخط حتى يستطيع بهذا الإبعاد أن يستغل الوقت لكي يأتي من يأتي، تأتيه من النجدة من أهل مكة. خرج نبينا صلى الله عليه وسلم مع من خرج، فما استطاع أن يظفر بالتجارة لأنها تعدت عنه، لكنه ظفر بجيش، ظفر بجيش مكة قد وصل والتقى، فتم اللقاء بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر والشرك والكفران، ووقعت هنا إخواني في الله معركة عظيمة. عندما تم اللقاء بين المسلمين وبين الكفار فالتقى الصفان، واستطاعت العير أن تفر وأن تهرب وأن تنجو بنفسها، فحينها وقعت هذه الوقعة التي سميت بعد ذلك بوقعة بدر الكبرى، لأنه وقع فيها قتال، وقع فيها قتال كبير ومرير. وفي هذه المعركة استطاع أهل الإسلام بفضل من الله جل وعلا أن يحققوا النصر والظفر، فقتلوا من قتلوا من الكفار وأسروا من أسروا من الكفار، قتلوا سبعين كافرا وأسروا سبعين كافرا، وكان ممن قتلوه من كبراء أعيان قريش، من زعمائهم وصناديدهم وأسيادهم، ممن خرجوا من ديارهم بطرا ورئي النساء طبعا. خرج الكفار بجيش يقدر بتسعمائة مقاتل، تسعمائة مقاتل، يعني أضعاف الجيش الإسلامي، لو قلنا بدون كسور، الجيش الإسلامي ثلاثمائة، فإن عدد الكفار تسعمائة مقاتل، أي أن المسلم الواحد يقاتل ثلاثة، وهكذا عندهم من الفرس مئة فرس، بينما كان مع أهل الإسلام فرسين فقط، كما علمنا للسبب والعلة. فتم هذا اللقاء، وقد مكن الله جل وعلا المسلمين من رقاب أهل الكفر، فقتلوهم شر قتلة. وكان من عظمة هذا اليوم أن سماه الله جل وعلا بيوم الفرقان، الذي فرق الله جل وعلا به بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر والشرك والإلحاد. وكانت هذه الأيام من أعظم أيام أهل الإسلام، ولا تزال يشاد لها ويذكر لها وتوصف بالبناء لعظيم ما كان من نصر الله جل وعلا لأهل الإيمان. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «والغزوة الكبرى التي ببدر في الصوم في سابع عشر الشهر». هنا أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى تاريخ هذه الغزوة، متى وقعت؟ في الصوم، أي في رمضان، وقعت غزوة بدر في شهر رمضان المبارك، تحديدا في سابع عشر الشهر، أي في اليوم السابع عشر من رمضان، وقعت غزوة بدر الكبرى تحديدا. قال العلماء: في يوم الجمعة، في يوم الجمعة من رمضان، في السابع عشر منه، وقعت غزوة بدر الكبرى. هذا إخواني في الله ما أذكره ملخص لهذه الغزوة، والذي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «والغزوة الكبرى التي ببدر في الصوم في سابع عشر الشهر». أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.