الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 85

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 85

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 85، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

غزوات بواط وبدر الأولى في السنة الثانية للهجرة

يتناول الدرس غزوة بواط التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مئتان من أصحابه لمواجهة قافلة قريش، كما يشرح غزوة بدر الأولى التي خرج فيها النبي لتعقب كرز بن جابر الفهري بعد إغارته على سرح المدينة.

تحويل القبلة وأحداث رجب في السنة الثانية للهجرة

يشرح الدرس تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة في السنة الثانية للهجرة، ويتناول الخلاف بين العلماء حول تحديد الشهر الذي حدث فيه التحول، مشيرًا إلى أن أول صلاة صلاها النبي إلى الكعبة كانت صلاة الظهر في بني سلمة.

خاتمة الكتاب والصلاة على النبي

يختم المؤلف كتابه بذكر بعض الأحداث الهامة في السيرة النبوية مثل غزوات بواط وبدر وتحول القبلة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وغزوة الأبواء بعد في صفر هذا، وفي الثانية الغزو اشتهر إلى بواط، ثم بدر، ووجب تحول القبلة في نصف رجب. في درسٍ سابق، إخواني في الله، كانت الإشارة إلى باب الغزوات، وهو بابٌ عظيم من سيرته عليه الصلاة والسلام، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا عدة غزوات بنفسه. وقد أشرنا إلى هذا الضابط في التفريق بين الغزوة وبين السرية، أن ما من قتال خرج فيه نبينا بنفسه فإنه يعد غزوة، سواء وقع فيه قتال أو لم يقع فيه قتال، بغض النظر عن حجمه وعن كثرة من خرج معه. ولهذا ستأتي في هذه المنظومة بعض الغزوات التي ما علم بها الناس لأنها مشتهرة، إلا أنها معدودة من غزواته. كما مر معنا بغزوة الأبواء، هي غزوة خرج فيها نبينا بنفسه، وما سيأتي معنا في هذا البيت غزوة بواط من الغزوات التي غزاها نبينا صلى الله عليه وسلم لأنها كانت بإشراف نبينا، هو الذي خرج فيها. وأما إن كانت هذه القطعة من الجيش خرجت من غير رسول الله فإنها تسمى سرية، تسمى سرية، ويكون عدد أفرادها ما بين خمس، سبع، ثمان إلى أربعمائة فرد، لا تخرج عن مسمى سرية. فإذا زاد عن أربعمائة فرد فحينئذٍ تسمى جيش، يقال عنه جيش. هذه إذا لم يكن معها وخرج فيها نبينا عليه الصلاة والسلام فالغزوة، وكل قتال خرج فيه نبينا قاتل أو لم يقاتل، قل العدد أو كثر، بعده سرية، وهو الذي يخرج من غير رسول الله عليه الصلاة والسلام، يكون عدده بالأفراد والأحاد إلى أربعمائة فرد، زاد عن هذا العدد يقال عنه جيش. وأما البعث فقيل أن البعث هو السرية، والسرية هي البعث بمعنى واحد. ومنه من فرق بينهما، فجعل أن البعث جزء من السرية، جزء من السرية يقال عنه بعث. ومنه من فرق يقول البعث هو من خرج دعوة، والسرية هو من خرج للقتال، يفرق بينهما من حيث هذه الزاوية، ما خرج بنية الدعوة يقال عنه بعث، وما خرج بنية القتال يقال عنها السرية. الاشكال وقع بين البعث والسرية، أما الغزوة فما هناك خلاف في أنها الجهاد إذا خرج عليه وفيه نبينا عليه الصلاة والسلام. مر معنى ما يتعلق بغزوة الأبواء، وهي من الغزوات التي خرج فيها نبينا ولم يحصل فيها قتال. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: إلى بواط، ثم بدر، ووجب تحول القبلة في نصف رجب. في هذا البيت أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى ثلاثة مسائل، إلى غزوتين وإلى حادثة وقعت في بداية مكثه عليه الصلاة والسلام في المدينة، وكله وقعت في السنة الثانية. مرت معنا السنة الأولى من استقراره في المدينة، كانت مليئة بالحوادث، قد مضى ذكرها، وها نحن انتقلنا بداية الغزوات، بدأ في السنة الثانية من الهجرة. قال رحمه الله تعالى: إلى بواط. بواط هي في الأصل منطقة سيأتي معنا، تبعد عن المدينة ستين كيلو متر. بواط منطقة تبعد عن المدينة ستين كيلو متر، وهذه غزوة سميت بغزوة بواط، وقعت في شهر ربيعٍ الآخر من السنة الثانية للهجرة. خرج فيها نبينا صلى الله عليه وسلم ومعه مئتين من أصحابه، ومعه مئتين من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، يحمل اللواء سعد بن أبي وقاص، هو حامل اللواء في هذه الغزوة. وما سببها؟ سببه هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بقافلة من قريش، بقافلة من قريش فيها أمي بن خلف، وأمامه مئة من رجال قريش، مئة من رجال قريش. وكانت هذه القافلة محملة بالإبل، حيث بلغ الإبل التي معهم ألفين وخمسمائة من الإبل، ألفين وخمسمائة من الإبل، كأنهم ساقوها سوقًا، فأراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يعترض هذه القافلة وأن يأخذ ما فيها من الغنائم. فلما بلغ نبينا صلى الله عليه وسلم إلى منطقة سماها بواط، كما أشرنا، وهي عبارة عن جبل من جبال جهينة، تحديدًا الآن إلى جهة ينبع، في جهة ينبع، وكما قلنا تبعد عن المدينة ستين كيلومتر. فلما وافى نبينا هذا المحل، وهو جبل يسمى جبل بواط، لم يعثر على القافلة، وكأنهم علموا بمقدم رسول الله فأسرعوا الخطى فسابقوه، فلم يدركهم عليه الصلاة والسلام، ففلتوا منه، فسميت هذه الغزوة بغزوة بواط، لأن النبي وصل إلى هذا المحل رجاء أن يعترض القافلة، إلا أنه فاته هذه القافلة بما فيها. وهذه إذن الغزوة التي أشار إليها المؤلف بقوله: إلى بواط، أي غزوة بواط. وكما قلنا هي من الغزوات المعدودة من غزوات، وهي غير معلومة، وذلك لأنه ما حصل قتال، ذهب نبينا ثم رجع إلى المدينة عليه الصلاة والسلام ومعه أصحابه. ثم قال: إلى بواط ثم بدر. هذه الغزوة الثانية وهي غزوة بدر، ويسميها العلماء بغزوة بدر الأولى. الأولى مع التنبيه، هذه الغزوة بغزوة بدر الأولى ليست هي غزوة بدر الكبرى، العلماء يفرقون بين هاتين الغزوتين، ليست هما واحدة، بل هذه غزوة وتلك غزوة. هذه الذي بين أيدينا وسيأتي معنا ما يتعلق بتفاصيلها، هذه يسميها العلماء بغزوة بدر الأولى، لم يحصل فيها قتال، وإنما القتال وقع في غزوة بدر الشهيرة، والتي يلقبها العلماء بغزوة بدر الكبرى، وسيأتي الحديث عنها لاحقًا. فهذه الغزوة الثانية من غزواته عليه الصلاة والسلام، والتي وقعت كذلك في السنة الثانية من الهجرة، وهي المعروفة بغزوة بدر الأولى، ووقعت كذلك في شهر جمادى، شهر جمادى الآخرة. ويسميها العلماء من أهل السير كذلك بغزوة سفوان، بغزوة سفوان، فيقال عنها بدر الأولى أو غزوة سفوان. وسميت بذلك للمحل، ما هو المحل؟ ما هي قصة هذه الغزوة؟ سببها أن رجلا من المشركين، وهو كرز بن جابر الفهري، استطاع أن يصل إلى المدينة، وأنه يستول على ماشية من مواشي أهل المدينة، وهذا الذي يقال عنه على الإغارة على سرح المدينة، أغار على سرح المدينة، والسرح هي الأماكن المعدة للإبل والمواشي. فهذا رجل استطاع أن يصل إلى سرح المدينة وأغار عليها وأخذ فيها ما أخذ من الأموال من المواشي، ثم هرب وفر. هذا الرجل ومن معه علم نبينا صلى الله عليه وسلم بحال هذا الرجل، فتحرك على إثره، فتحرك نبينا صلى الله عليه وسلم متعقبًا هذا الرجل، وخرج عليه الصلاة والسلام ومعه سبعون رجلا، معه سبعون رجلا من أصحابه. وحمل اللواء حينها علي بن أبي طالب، هو حامل اللواء في هذه الغزوة، فسميت بغزوة بدر الأولى، لأن النبي خرج بنفسه عليه الصلاة والسلام ومعه أصحابه حتى وصل عليه الصلاة والسلام إلى ناحية بدر. وبدر تبعد حاليًا عن المدينة بمئة وخمسين كيلو متر، تبعد عن المدينة، وهي الجنوب الغربي، جنوب غرب المدينة، تبعد عن المدينة مئة وخمسين كيلو متر. فلما بلغ نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذه الجهة، إلى جهة بدر، وخاصة عند وادي يقال له سفوان، وادي يقال له سفوان في ناحية بدر، إلا أن كرز بن جابر استطاع أن يفلت ومضى بما يستطيع من قوة، وأسرع المشي والخطى حتى فاتهم، استطاع نبينا أن يدرك هذا الرجل. هذه الغزوة التي عناها المؤلف بقوله: إلى بواط ثم بدر، فهي بدر الأولى، جهة بدر، غزوة السفوان، لأنها في وادي يقال له سفوان، هنا في هذا المكان استطاع كرز الذي أغار على سرح المدينة أن يفلت بفعلته، فما استطاع نبينا صلى الله عليه وسلم أن يدركه. إذن هذه كذلك معدودة من غزواته، بدر الصغرى أو بدر الأولى أو سفوان، كلها غزوة واحدة، لكنها معدودة غزوة، غزوة من غزواته عليه الصلاة والسلام، وهي كذلك ما اشتهرت لعدم حصول أي قتال، لكنها غزوة. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: إلى بواط ثم بدر ووجب تحول القبلة في نصف رجب. هذه المسألة الثالثة في هذا البيت، ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من الأمور التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية من هجرته للمدينة، وهو تحول القبلة. وقد وقع الاتفاق بإجماع العلماء أن القبلة تحولت من بيت المقدس إلى الكعبة، وذلك في السنة الثانية من الهجرة، قبل وقعت بدر الكبرى، وهذا بالاتفاق، هذا محل لا إشكال فيه أن القبلة تحولت. كان النبي صلى الله عليه وسلم ردحًا من الزمن، فترة من الزمن، كان إذا صلى يستقبل بيت المقدس، وكان قلبه يهفو إلى الكعبة. قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يهفو أن يتجه إلى الكعبة، فحينها أوحى الله عز وجل إلى نبيه أن القبلة تحولت. متى ذلك؟ بالإجماع في السنة الثانية، وبالإجماع قبل أن يذهب إلى غزوة بدر الكبرى. لكن وقع الخلاف بين العلماء في أي شهر؟ هنا نعم، وقع الخلاف بين العلماء في تحديد الشهر، فمنهم من قال في شعبان، ومنهم من قال في جمادى، ومنهم من ذهب إلى رجب أن القبلة تحولت في رجب، وهذا الذي أشار إليه الناظم بقوله: إلى بواط ثم بدر ووجب تحول القبلة في نصف رجب. فالناظم رحمه الله تعالى مال ورجح إلى أن القبلة تحولت في شهر رجب، وهذا الذي مال إليه المؤلف هو قول الجمهور من أهل العلم. ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري: "وكانت تحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور". قال الحافظ رحمه الله: "كانت تحويل، أي تحويل القبلة، كانت تحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور". ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فإذا هذا الخلاص، في السنة الثانية بالإجماع، وفي شهر رجب على قول جمهور العلماء. وقد جاءت قصة التحويل في البخاري ومسلم من حديث البراء ابن عازب. وما هو أول فرض؟ وما هو أول فرض صلى أو صلى المسلمون إلى جهة الكعبة؟ المسألة هنا اختلف العلماء لتوارد الأحاديث في هذا الباب. لكن الذي عليه أكثر العلماء من المفسرين ومن المؤرخين ومن أهل السير، هذا التفصيل، ألا وهو أن أول صلاة صلاها نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة هي صلاة الظهر، أول صلاة صلاها نبينا إلى الكعبة هي صلاة الظهر، وذلك في بني سلمة، وذلك في بني سلمة. إذ أنه في تلكم الساعة وفي ذلكم اليوم تحديدًا ذهب نبينا إلى بني سلمة، وذلك عند موت بشر ابن البراء ابن معرور، ذهب نبينا إلى تلكم الناحية لكي يعزيهم في ابنهم. هنا في فرض الظهر جاء ماذا؟ الوحي بتحول القبلة، وصلى نبينا الظهر إلى جهة الكعبة. وأول صلاة صلاها نبينا في المسجد النبوي في مسجده إلى الكعبة هي صلاة العصر، إذن الظهر أول فرض صلىها نبينا في بني سلمة، حتى أن هذا المسجد الآن شهير بماذا؟ بمسجد القبلتين، مشهور الآن بمسجد القبلتين، لأن هذا كان في ديار بني سلمة، وفي فرض الظهر توجه نبينا إلى الكعبة. وأما أول صلاة صلاها عليه الصلاة في مسجده صلى صلاة العصر. وأما أهل قباء فأول صلاة صلوها إلى جهة الكعبة في صلاة الفجر، في صلاة الفجر على القول الصحيح، إذ أن الخبر جاءها متأخرة فتأخروا في استقبال القبلة. هذا إخواني في الله ما يذكر في التفصيل في الصلاة التي صلاها نبينا إلى بيت الله وإلى الكعبة المشرفة. فهذا قول مؤلف رحمه الله تعالى في ذكره المسائل الثلاثة في أمر الغزوتين وأمر الحادثة: إلى بواط ثم بدر ووجب تحول القبلة في نصف رجب. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.