الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 89

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 89

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 89، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فرضية الزكاة وتاريخها

ناقش الناظم فرضية زكاة الفطر وزكاة المال في السنة الثانية من الهجرة، ومراحل فرض الزكاة في الإسلام. فرضت الزكاة في مكة ثم حددت الأنصبة في المدينة.

تحديد الأنصبة والمقادير

حددت الأنصبة والمقادير في المدينة في السنة الثانية للهجرة لتسهيل إخراج الزكاة. كانت هذه الخطوة ضرورية لتحفيز الناس على إخراج الزكاة.

حكمة فرض الزكاة

فرضت الزكاة في العهد المكي لتوفير المال للدعوة الإسلامية، ثم حددت الأنصبة في العهد المدني لتسهيل إخراجها. جاءت الشريعة بتشديد العقوبة لتحفيز الناس.

ختام الدرس والدعاء

ينتهي المقطع بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الاعتراف بقدرة الله وولايته على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: ووجبت فيه زكاة الفطر من بعد بدر بليال عشر، وفي زكاة المال خلف فدري. هذه الأبيات نظمها لنا الناظم ابن أبي العز رحمه الله تعالى بعد إيراده لما وقع من غزوة بدر. قال: ووجبت فيه، أي من الأعمال ومن الحوادث التي وقعت فيه، فيه يعود على ماذا؟ فيه يعود على السنة الثانية من الهجرة. لأن الناظم رحمه الله تعالى إنما بدأ يذكر لنا الحوادث التاريخية في سيرته عليه الصلاة والسلام على حسب التواريخ، بدأ منذ مولده عليه الصلاة والسلام إلى بعثته إلى هجرته إلى ما بعد هجرته، وهنا هو الآن يتحدث عن أحوال وحوادث السنة الثانية من الهجرة. فمما وقع في السنة الثانية من الهجرة، مع ما مضى ذكره في الأبيات السابقة هذا الذي صار، قال: ووجبت فيه زكاة الفطر من بعد بدر بليال عشر، أي من الأشياء التي وقعت في سيرته عليه الصلاة والسلام أن زكاة الفطر وجبت في هذا العام، في العام الثاني من الهجرة. ووجبت فيه زكاة الفطر، وهذا هو القول الشهير من أقوال أهل العلم، والذي تواتر عليه العلماء من أهل السير والمغازي في بيان أن زكاة الفطر وجبت وفرضت في السنة الثانية من الهجرة تحديدا. قال الناظم: من بعد بدر بليال عشر، أي بعد وقوع غزوة بدر بعشر ليال مضى معنا بالأمس أن غزوة بدر وقعت متى؟ وقعت في السابع عشر من رمضان، وهنا يقول بعد عشر ليالي، إذن عندي سبع وعشرين من رمضان فرضت زكاة الفطر. هذا الذي عليه العلماء في تاريخ السابع والعشرين من رمضان فرضت ووجبت زكاة الفطر في الشريعة الإسلامية، هذا الذي عناه بقوله: ووجبت فيه زكاة الفطر من بعد بدر بليال عشر. ولا زال الذاكرون إخواني في الله، ونحن قريب عهد بأحكام زكاة الفطر، وعلمنا ما يتعلق بأحكامها وما يتعلق بفرضيتها وما يتعلق بأنصبتها مما لا نحتاج إلى ذكره. ومنها علمنا إخواني في الله أن مما اختص به شهر رمضان أن فرضت فيه زكاة الفطر، وذلك لعدة أمور، منها أن يتعلم المسلم على الجود وعلى البذل وعلى العطاء. وأيضا في فرضية زكاة الفطر في رمضان، به تجتمع خصال الخير في المسلم، إذ أن خصال الخير العظيمة في الشريعة الإسلامية تعود إلى ثلاثة أعمال: الصيام والقيام والعطاء والزكاة، ثلاثة أعمال القيام والصيام وهكذا الصدق والبذل والعطاء. فالإنسان في رمضان يقوم الليل، من قام رمضان، وهو يصوم النهار، من صام رمضان، فبقيت مسألة البذل والعطاء، فجاءت زكاة الفطر التي يلتزم بها الناس جميعا، فما يخرج رمضان إلا وقد حاز كل المسلمين على هذه المقامات الرفيعة: الصيام والقيام والبذل والعطاء. ثم قال الناظم رحمه الله: وفي زكاة المال خلف فدري، ما الذي عناه بهذا البيت؟ المؤلف رحمه الله تعالى لما أشار إلى فرضية زكاة الفطر، وأنه قد فرض في السنة الثانية من الهجرة تحديدا في رمضان، وذلك في أواخر أيام رمضان، أشار إلى فرضية الزكاة بشكل عام. فقال: وفي زكاة المال، طيب ماذا في زكاة المال؟ قال: خلف، خلف بمعنى خلاف، أي وقع بين أهل العلم الخلاف في تحديد زمن فرضية زكاة المال متى؟ قال: فدري، كن على دراية بهذه المسألة. زكاة الفطر لا إشكال فيها، زكاة المال فيها إشكال، متى فرضت؟ العلماء فيها على أقوال، فمن أهل العلم من ذهب إلى أن زكاة المال فرضت في السنة الثانية من الهجرة، ومن العلماء من ذهب إلى أن زكاة المال فرضت قديما ونبينا في مكة. فهذه أقوال العلماء الشهيرة في هذه المسألة، ولماذا هذا الخلاف؟ سبب الاختلاف فيما بينهم لما رأوه من الآيات التي جاءت في الأمر بالزكاة، إذ أنهم وجدوا من الآيات الآمرة بالزكاة ذكرت في العهد المكي. ذكرت في العهد المكي من الآيات التي تأمر بالزكاة والذين هم للزكاة فاعلون، فاختلف العلماء في مثل هذه الآيات، جمهور العلماء وأكثر العلماء يرون على أن زكاة المال فرضت ليس في المدينة بل قديما في مكة، منذ أن بدأ التشريع الإسلامي. ومنذ أن فرضت الصلاة على رسول الله بعدها فرضت الزكاة وهو في مكة عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي عليه أكثر العلماء، واستدلوا بأعظم ما استدلوا به، بمثل هذه الآيات التي تدل على وجوب الزكاة وهي في العهد المكي: والذين هم للزكاة فاعلون، والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم، هذه سورة المعارج وهي مكية. وأعظم كذلك ما استدلوا به في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وهذه آية مكية، فقالوا: عندنا كثير من الآيات التي فيها يأمر فيها ربنا جل وعلا بإخراج الزكاة، وهي من الآيات التي نزلت قبل الهجرة ونبينا في مكة. ولهذا ذهب هؤلاء، أكثر العلماء على أن الزكاة في الحقيقة فرضت في العهد المكي، بينما جمع من أهل العلم ما ارتضوا هذا القول، ويرون أن الزكاة وما كان من تقسيمها وتفاصيلها إنما جاء في المدينة. وأن معنى هذه الآية: والذين هم للزكاة فاعلون، هنا الزكاة أي تزكية النفس، هذا نعم أمر به الناس في العهد المكي أن يزكوا أنفسهم، لا أن يزكوا الأموال، فدب الخلاف بين أهل العلم في هذا الباب. ومن أهل العلم من جمع وقال: إن هذه الآية والذين هم للزكاة فاعلون، أنها شاملة لزكاة المال ولزكاة النفس، والصحيح إخواني في الله في هذه المسألة على أن زكاة المال فرضت قديما في مكة، هذا هو الصحيح. لكن على ما ستسمعه يا عبد الله من هذه التفاصيل، التفصيل الذي ينبغي أن ندرك به مراحل فرضية زكاة المال، أنها على هذه المراحل، أول مرحلة من مراحل فرضية الزكاة على أهل الإسلام أن الزكاة فرضت على الناس مطلقا، وذلك في مكة. ما معنى مطلقا؟ أي من غير تحديد، من غير تحديد ما عندي أنصبة، ما عندي مقادير، وإنما أخرج يا عبد الله من مالك ما تخرج، أخرج هذا الذي أمر به الناس في أول الإسلام أن من كان موسر، من كان غنيا، من كان ذا مال يؤمر بأن يخرج من ماله. هذا أول مرحلة من مراحل فرضية الزكاة، ومشى الناس على هذا المنوال إلى أن أتت السنة الثانية من الهجرة، بعد أن انتقل نبينا صلى الله عليه وسلم من مكة وجاء إلى المدينة، ثم بعد ذلك فرضت المقادير، فرضت الأنصبة في الذهب كذا، وفي المال كذا، وفي زكاة الزروع كذا، وفي زكاة المواشي ما كان من الإبل، ما كان من البقر، ما كان من الغنم. هذه التفاصيل ما كانت معروفة في مكة، لا هذه ما كانت معروفة في مكة، هذه كانت معروفة أين؟ هذه معروفة في المدينة، في السنة الثانية من الهجرة، نعم، قنن بعد ذلك أمر الزكاة بذكر أنصبتها ومقاديرها وتحديد ما يتعلق بأنصبتها، هذا ما يذكر في الأمر الثاني. ثم بعد ذلك في السنة التاسعة وقع أمر في أمر الزكاة، ما الذي وقع في السنة التاسعة؟ لما جاءت الزكاة امتدادا للعهد المكي فرضية، ثم في السنة الثانية بالأنصبة، هنا في السنة التاسعة كان دفعها، المسلم هو الذي يتولى دفعها، المسلم صاحب المال هو الذي يأخذ زكاته ويدفعها بنفسه للفقراء والمساكين. لكن لما جاءت السنة التاسعة من الهجرة، أمر أهل الإسلام بدفع الزكاة إلى السعاة، السعاة هم الذين ينتدبهم الإمام بماذا؟ بأن يأخذوا الأموال ثم تحال إلى بيت المال، ثم يقسمها أولوا الأمر كما يرونه لمصالح المسلمين. فهذه نعم المرحلة الثالثة وهي مرحلة السعاة، قال العلماء: وكان ذلكم في السنة التاسعة، فعندي في العهد المكي فرضية الزكاة، وفرضت قديما، الأنصبة والتحديد في السنة الثانية، استلام السعاة لها جاء ذلك في السنة التاسعة. هذا الذي يذكره العلماء رحمهم الله تعالى في أمر الزكاة، فالشاهد إخواني في الله في قول المؤلف رحمه الله تعالى: وفي زكاة المال خلف فدري، خلف أي خلاف، فالخلاف حاصل متى فرضت الزكاة؟ والجواب الصحيح على الذي سمعناه أن الزكاة كفرضا وفريضة في العهد المكي. وذهبنا إلى هذا القول لماذا؟ لأن الأدلة تدل على ذلك، الأدلة جاءت الآيات التي سمعتموها تدل على أن الله أوجب الزكاة، فنبقى على ظاهر النصوص، فالأدلة الشرعية تدل على ذلكم، وكذلك الأدلة العقلية، الأدلة العقلية تثبت ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الزكاة فرضت قديما. وما الحكمة وما العلة في أن من حكمة الله جل وعلا أن تفرض الزكاة قديما قبل أن تأتي الأنصبة والمقادير؟ قال علماء ذلكم لعدة أمور، الأمر الأول التمهيد، التمهيد لشعيرة الزكاة، شعيرة الزكاة يا عبد الله لا تراها سهلا. من رأى أن الزكاة سهلة فليحمد الله، من رأى أن زكاة المال هو الذي أتكلم عن نفسه هو الذي يخرجها بنفسه ويعطيها لمستحقيها، إن رأى هذه العملية يراها سهلة سلسة فليحمد الله، لأن هذه المسألة من الأمور الصعبة الشاقة على كثير من الأنفس. لأن الأنفس جبلت على ماذا؟ على الحرص على الشح على البخل، الكثير من الناس ينأى بنفسه عن مسألة الإيتاء والإعطاء، لا في الحق المستحب بل حتى في الحق الواجب، حتى في الزكاة يتعب على هذه الأموال في جلبها في حصدها. فبينما تعب فيها جعلها في الأرصدة جعلها في خزائنه جعلها في بيته، ثم يطرق عليه الطارق يقول له: أخرج حق الله، يقول: إيش حق الله؟ أنا تعبت على هذا المال، ثم يأتي فلان وفلان يعطيهم من مالي؟ لا والله. ولهذا ينأى الكثير من الناس وللأسف من شرعية الزكاة، ولهذا جاءت الشريعة بتشديد العقوبة حتى يستخلص هذا المرض من القلوب والنفوس، أذكر فيما أذكر ما ذكره بعض المشايخ الكرام من حق بعض الناس أنه إذا أراد أن يخرج الزكاة ما استطاع أن يخرجها بنفسه. ما استطاع وإنما يدفع ماله لغيره يقول له: خذوا هذا المال وأخرجوا الزكاة أنت، وأخرجوا لماذا؟ ما يستطيع أن ينظر إلى ماله كيف يسلب عنه؟ من شدة حرصه، ضغط على نفسه، لكن بغيره يأتي بماله وبدفتر أمواله يقول لفلان: خذ هذه أموالي وأخرج منها الزكاة، ولا تخبرني كم أخذت، أخرجها لماذا؟ لأنه لو علم بالمال الذي خرج من نفسه ومن ماله ومن كسبه لربما غضب. الإنسان حريص على ماله، الشاهد من هذا لما كانت الأنفس جبلت على الحرص على المال، مهدت الشريعة هذا الباب بماذا؟ بالوجوب العام، أخرج يا عبد الله، أخرج، أخرج بما فتح الله عليه، أخرج بما تقدر عليه، أخرج بما تجود به نفسك، ابدأ بهذا. فالإنسان يستسلم لهذا الأمر، يقول له: أي شيء، يقول له: أي شيء قبلنا منك يا عبد الله، أخرج الذي عندك، أنا سأعطيكم هذا قبل رضينا به، والثاني يخرج، وكل يخرج، فالإنسان والإنسان إخواني إذا اعتاد على البذل والعطاء ستكون له سجية. ولهذا لما جاءت الأنصبة بعد ذلك بإخراجه ربع العشر من الأموال هانت على الناس، الذي اعتاد عليها هانت عليه، بل يراها لا شيء، هذه بس ربع العشر، يعني مالك لو جعلنا على عشرة أجزاء جزء، العشر الأخير ليس نصفه ربعه، هذه زكاة مالك والبقية يبقى لك، لا يذكر أمر لا يذكر. فالشأن إخواني في الله أن من الحكمة في فرضية الزكاة مطلقا في العهد المكي، ثم جاءت التحديد بالأنصبة في العهد المدني، قال علماء: لأجل التمهيد للأنصبة وأنها تخرج من غير معارضة. الأمر الثاني قال علماء: من حكمة فرضية الزكاة قديما في العهد المكي، لحاجة الناس، لحاجة الناس للأموال، تخيل في العهد المكي، ما الذي صار؟ أكثر الناس من الذين أسلموا من الفقراء، بل كانوا من الموالي والعبيد، كانوا تحت حكم أسيادهم من الكفار. بل كان الكافر إذا علم أن عبده أسلم لربما جعله محل للتعذيب والتنكيل، يعذبه ليل نهار، بل يجعله عرضة لأن يتلاعب به المجانين والصبيان، وقرأوا في السيرة ستسمع يا عبد الله عظيم المعاناة، ناهيكم على أن الدعوة الإسلامية في حدها كانت تحتاج إلى الذهاب وتحتاج إلى السفر، ذهاب ورواح. فكان لابد من مال، لابد من مال حتى يقوم قوام الدعوة، فإذا لم يتكون هناك الزكاة، إذن بماذا ستكون قيامة الدعوة؟ ولهذا قال: من حكمة الشريعة أن الزكاة فرضت قديما مع الصلاة، بل بعدها بيسير، بعدها بيسير فرضت ماذا؟ الزكاة، لماذا؟ لأن الإسلام في العهد المكي كان محتاج إلى الأموال التي تدفع لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وكان بها يستطاع أن يشترى بها رقاب المسلمين من أهل الاستضعاف، أو يدفع المال لمن ليس له مال في أن يستمر في حياة، أو يعان من لا عون له، فكان ذلك أيضا من ماذا؟ من حكمة الله عز وجل كما قال العلماء في أن الزكاة فرضت قديما. وهذا هو الصحيح والذي عليه أكثر العلماء على أن الزكاة من حيث الفرضية فرضت في العهد المكي، لكن من غير تحديد، أما تحديدها والأنصبة والمقادير كان ذلك في السنة الثانية للهجرة. فهذا الخلاص من هذا البيت الذي أورده النظم رحمه الله تعالى من أعمال السنة الثانية للهجرة، قال: ووجبت فيه زكاة الفطر من بعد بدر بليال عشر، وفي زكاة المال خلف، أي خلاف. فاجري، أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.