الدرس في القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المؤلف النوع الثاني من القوادح في العقيدة وهي النواقص التي تضعف الإيمان. البدع تعتبر أشد من المعاصي وتضعف الإيمان.
البناء على القبور يعتبر بدعة لأن النبي نهى عن البناء عليها وتجصيصها. إذا كان بقصد التمهيد للشرك فهو كفر وإلا فهو بدعة.
يفرق بين البناء كاحترام وبين البناء باعتقاد أن صاحب القبر يضر وينفع. البناء على القبور يعتبر وسيلة إلى الشرك ويتعارض مع تعاليم النبي.
نهى عن البناء على القبور بأي شكل واعتبره بدعة أو شركًا حسب النية. البناء كاحترام يعتبر بدعة، بينما البناء باعتقاد في الأموات شرك.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في رسالة الإمام ابن باز رحمه الله تعالى، والتي بعنوان القواعد أو القوادح في العقيدة. وخلاصة ما مضى معنا أن المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى أن القوادح على قسمين اثنين: قسم نواقض، وهي التي تنقض الإسلام فتجعل صاحبه كافرًا مرتدًا خارجًا عن الدين والملة، وأن هذه النواقض هي على أربعة صور: إما بالقول، وإما بالفعل، وإما بالاعتقاد، وإما بالشك. وقد أشار رحمه الله تعالى إلى نماذج لكل صورة من صور القوادح. ثم ذكر رحمه الله تعالى النوع الثاني من أنواع القوادح، وهي ما نعبر عنه بالنواقص، وهي التي تنقص في التوحيد وتضعف العقيدة. وهذه القوادح، وهي النواقص، هي لا تخرج من الدين والملة. وأشرنا إلى أنها تعود إلى أمرين اثنين: الأمر الأول إلى المعاصي، وهي العظائم والكبائر والموبقات، فإنها تضعف توحيد العبد. ثم ننتقل الآن إلى ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر الأمر الثاني، وهو من قوادح العقيدة، وهي لا تخرج عن الدين والملة، لكن تضعف العقيدة وتخدش بالتوحيد وتوهن الإيمان. قال رحمه الله تعالى: «وهكذا البدع، وهي أشد من المعاصي». وهذا بإجماع السلف، أن جنس البدع أعظم من جنس المعاصي. قال: «فالبدع في الدين تضعف الإيمان، ولا تكون ردة ما لم يوجد فيها شرك». وهذه فائدة، على أن البدع تنقسم إلى قسمين: إلى بدع مكفرة، وإلى بدع غير مكفرة. فهناك بدع تخرج عن الدين والملة، وهي البدع المكفرة، كبدعة الحلولية والاتحادية، وبدع القرامطة والباطنية، إلى غير ذلك من هذه البدع. ثم قال رحمه الله تعالى: «كأن يبنى على القبر مسجد أو قبة، فهذه بدعة تقدح في الدين وتضعف الإيمان». بدعة البناء على القبور، بغض النظر عن هذا البنيان، قد يكون قبة، قد يكون ضريحًا، قد يكون مسجدًا، قد يكون مصلى، أي بناء، هذه البنيان التي تقام على القبور تعتبر من البدع المضللة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها. فقد ثبت عن نبينا، كما جاء من حديث جابر وغيره، أن النبي نهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه. نهى عن التجصيص، ونهى عن القعود، ونهى عن البناء، وأن يبنى عليه. وجاء كذلك في بعض الروايات: «وأن يزاد عليه»، ما يزاد على القبر. والذي عليه الأئمة، كالإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره، على أن القبر إنما يعاد إليه ما خرج منه. هذه أرض أخذنا منها ترابًا، حفرًا للميت، دفن الميت الذي أخذ من الأرض يعاد فقط. هذا الذي يعاد، هنا سيزيد القبر لوجود حيز الجثة، سيزيد، هذا لا شيء. أما أن يزاد عليه بناء وضريح وقبة ومسجد، هذا من البدع. قال رحمه الله تعالى: «لكن إذا بناها وهو لا يعتقد جواز الكفر بالله، ولم يقترن بذلك دعاء الميتين والاستغاثة بهم والنذر لهم، بل ظن أنه يفعله بأنه يحترمهم ويقدرهم، فهذا العمل حينئذ ليس كفرًا، بل بدعة قاضحة في الدين تضعف الإيمان وتنقصه، ووسيلة إلى الشرك». فهنا سماحة الشيخ أشار إلى تنبيه: كيف يكون هذا البناء بدعة تقدح في الدين، فتخرج من الدين والملة، أو تقدح في الدين ولا تخرج من الدين والملة؟ هو ما يعتقده الإنسان. فإذا قام إنسان ما، رجل أعمال، تاجر، واجهة اجتماعية، وأمر بتشييد هذا القبر، وهو يرى أن هذا التشييد هو تمهيد لما سيكون لهذا الميت من الاستنجاد والاستمداد وطلب الغوث، وأن يطف من يطف حوله، وأن يأتي من يأتي بالنذور والأموال والقرابين إليه، إذا كان هذا في ظن الذي بنى القبر بهذا البناء تمهيدًا لما ستأتي له من أفعال وأحوال واعتقادات، فهذا البناء كفر، لأنه إنما اعتقد أن هذا الميت يضر وينفع. أما إذا كان لا ليس عنده هذا الاعتقاد، مثل رجل كما يقال رجل معلم أعمال بناء، وجد أن هذا قبر من؟ قالوا: هذا قبر الشيخ فلان. قالوا: شيخ فلان هكذا في الشمس تضربه. ما هي صح يا أخوة؟ نحترم هذا الشيخ، هذا ما قصر معنا علم الأولاد والأجيال. يا أخي سنفعل مبادرة، ما هي المبادرة؟ نفعل له ضريح هكذا غرفة تستره من الشمس. الاحترام لهذا الشيخ، وهذا الرجل المعروف بالصلاح، فأشاد هذا البنيان. تأمل إلى الفرق بين العقيدتين: الثاني بنى ليس عن عقيدة أنه يضر وينفع ويستغاث ويستنجد ويستمد لا، وإنما احترام وإجلال هذا الميت. فهذا فعل في مخالفة، هذه بدعة، لأنك يا عبد الله تقربت إلى الله بعمل مخالف للشرع، وهذا هو ضابط البدعة: التقرب إلى الله بما لم يشرعه الله ولا رسوله. فكونك تتقرب بهذا فهذا لا يجوز، فهذه بدعة. ولهذا إخواني في الله، فالبناء على القبور تعود إلى اعتقاد صاحبها. من بنى القبر وهو يعتقد أن صاحب القبر يضر وينفع وأنه يعبد من دون الله، فهذا البناء كفر. وأما إن لم يعتقد هذا، فهذا كما قال الشيخ رحمه الله: «تضعف الإيمان وتنقصه، ووسيلة إلى الشرك». صحيح، هذه وسيلة، إن لم يكن شركًا، لكنه طريق إلى الشرك. وقد أشار العلماء كالإمام الصنعاني والإمام الشوكاني، ما ذكره في أزمانهما، على أن الإنسان قد يأتي من بادية، فيدخل إلى بعض العتبات، فيهوله ما يرى. تخيل يدخل إلى عتبة، إلى فناء، إلى ضريح، إلى قبة، فإذا دخل فيها يجد العجب العجاب. ثم إن البناء على القبور لا يجوز بحال. وقد أجمع العلماء على أن أي بناء يهدم بالإجماع، كما قال نبينا لعلي بن أبي طالب: «ألا أبعثك إلى ما بعثني إليه رسول الله؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته». لا تجعل قبرًا مشرفًا -يعني مرتفعًا- إلا سويته. هذه وصيته عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر الإمام بن القيم رحمه الله تعالى قاعدة نفيسة متينة، مفادها قال: «ولا يجتمع في دين الله قبر ومسجد». ما يجتمعان يا هذا، يا ذاك. إما منطقة هذه بقعة فيها قبر، أو هذه البقعة فيها مسجد. أما مسجد وقبر في آن واحد، ما يجتمعان في دين الله جل في علاه. فنكتفي بهذا المثال الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المقام، ويتحدث عن البدع التي تقدح في العقيدة وتضعف الإيمان. فأشار إلى بدعة البناء على القبور بأي بناء، سواء كان ضريحًا أو كان قبة أو كان مسجدًا، وأن الأمر على التفصيل الذي سمعتموه: من بناه كبناء احترام للأموات، فهذه بدعة. وأما إن بناه كاعتقاد في الأموات، فهذا شرك يخرج صاحبه عن الدين والملة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.