التعليق على كتاب التوحيد 102

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 102، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير الآية الكريمة وبيان توحيد الأسماء والصفات

يشرح المقطع معنى الآية الدالة على حصر الأسماء الحسنى لله تعالى، ويبين أن توحيد الأسماء والصفات يقوم على الإثبات بلا تمثيل والتعطيل بلا تشبيه. كما يفصل معنيي الدعاء الواردين في الآية وهما دعاء العبادة ودعاء المسألة.

أنواع الإلحاد في أسماء الله الحسنى وتفصيلها

يستعرض المقطع أنواع الإلحاد في أسماء الله الأربعة وهي: إنكار شيء منها، وإثبات أسماء لم تثبت، والتشبيه بالمخلوقات، والاشتقاق منها للأصنام. ويوضح أن الإلحاد في الأسماء يعد شركاً كما فسره ابن عباس، مع بيان أثر معرفة الأسماء الحسنى في قلب المؤمن.

حكم الدعاء بالأسماء الحسنى والتحذير من سبيل الملحدين

يبيّن المقطع أن الأمر بترك سبيل الملحدين لا يعني إهمال النصح بل ترك طريقهم المنحرف، ويفسر الإلحاد بأنه اشتقاق أسماء للأصنام. كما يؤكد أن الوعيد الوارد في قوله تعالى ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يشمل الأقوال والأفعال استناداً إلى آية وزن الذرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وبعد: قال شيخ الإسلام إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾". مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: لأن هذا الباب يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، وهذا الكتاب كتاب جامع لأنواع التوحيد الثلاثة. وكما هو معلوم أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. فأراد المؤلف في هذا الباب أن يبين هذا النوع من أنواع التوحيد، ألا وهو توحيد الأسماء والصفات؛ لأنه إذا عُطّلت الأسماء لم تثبت، وإذا مُثّلت لم تُوحَّد. والتوحيد إثبات ونفي: فمن عطّلها فإنه ينفي هذه الأسماء أو الصفات، ومن مثّلها فإنه يثبت على غير الحق والصواب. فكما هو معلوم أن المعتقد الصحيح بأسماء الله وصفاته: أن الأسماء والصفات تُثبت لله عز وجل كما أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله، من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. فمن عطّل فإنه لم يثبت؛ تعطيل بمعنى النفي، ينفي هذه الأسماء والصفات. ومن مثّل معناه لم يوحد الله عز وجل في أسمائه وصفاته. ثم ذكر هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وفي هذه الآية إثبات توحيد الأسماء والصفات من أي وجه؟ من الخبر المقدم، والجار والمجرور. فـ "لله" هنا ماذا يعرب؟ جار ومجرور متعلق بخبر مقدم، و"الأسماء" مبتدأ مؤخر، و"الحسنى" صفة للأسماء. فتقديم ما حقه التأخير يفيد ماذا؟ يفيد الحصر. والمعنى: أن الله عز وجل وحده سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى. ففيه إثبات أسماء الله وصفاته. من أين أخذنا إثبات الصفات؟ لأن كل اسم يتضمن صفة. فقولك "الرحمن" فيه معنى الرحمة، وكذلك "الغفور" فيه معنى المغفرة، وهكذا. فإذن هذه الآية أثبتت الأسماء والصفات لله عز وجل. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، و"الحسنى" هنا مؤنث "أحسن": أحسن للمذكر، وحسنى للمؤنث؛ لأن "الأسماء" مؤنث. ومعنى "حسنى": أي بالغة في الحسن، بالغة في الحسن، يعني لا حسن بعدها، فقد وصلت في الحسن إلى التمام والكمال. فهذا معنى "الحسنى": البالغة في الحسن، فهذا تفضيل مطلق لا بعده تفضيل. وهنا ننبه على أمر: وهو أن معرفة الأسماء والصفات مهم جداً؛ لأن معرفة الأسماء والصفات فيها معرفة الرب سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأن العبد إذا علم أن الإله الذي يعبده رحيم، غفور، ودود، فإنه يعظمه ويرجوه. وهذه الأسماء والصفات تؤثر فيه: فإذا علم أن هذا الإله رحيم طلب الرحمة منه، وإذا علم أن هذا الرب سميع فإنه يراقب الله عز وجل في سمعه، وإذا علم أن هذا الرب بصير كذلك يراقب حركاته وسكناته، وإذا علم أن هذا الرب كذلك غفور فإنه يطلب منه المغفرة. وهكذا تؤثر هذه الأسماء والصفات في قلب المؤمن، فمعرفتها مهمة جداً. فلذلك أمر الله عز وجل العباد بإثباتها. وهناك فرق ضالة تزهّد من تعلم هذه الأسماء. فبعضهم يقول في وقتنا الحاضر: إن البحث في الأسماء والصفات لا فائدة فيه ولا حاجة إليه. هذا ضلال والعياذ بالله. بل كلما كان العبد أعرف بأسماء الله وصفاته، كلما كان أكثر تعظيماً وإجلالاً ومحبة وخوفاً من الله عز وجل. فهذا أمر ينبغي التنبه له. فهؤلاء يريدون أن يعبدوا شيئاً لا أسماء له ولا صفات. الجهمية أنكرت الأسماء مطلقاً، فقالوا بنفي الأسماء. وغلاة المعتزلة أيضاً الغلاة منهم نفوا الأسماء، ومنهم من أثبت الأسماء لكنهم ماذا أنكروا؟ أنكروا الصفات. وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾. المراد بالدعاء هنا بالأسماء يراد به معنيان: المعنى الأول: دعاء عبادة. تدعو الله عز وجل بهذه الأسماء دعاء عبادة. ودعاء العبادة: أن تتعبد لله سبحانه وتعالى بما تقتضيه تلك الأسماء. فإذا أثبت لله الرحمة أنه رحمن، فمن دعاء الله عز وجل بهذا الاسم أن تتطلع إلى أسباب الرحمة، أن تتطلع إلى أسباب الرحمة، وترحم عباد الله. مثلاً: هذا من أسباب رحمة الله عليك، تحسن إلى الناس، ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فهذا يسمى دعاء عبادة. أثبت لله عز وجل الغفور، وتطلع إلى أسباب المغفرة، فتأتي بأسباب مغفرة الذنوب. فهذا من التعبد لله عز وجل بهذا الاسم. وهكذا قس على ذلك. فهذا يسمى دعاء العبادة. وهناك دعاء المسألة: ودعاء المسألة أن تدعو الله عز وجل بهذه الأسماء، فتتوسل بها إلى الله، وتقدمها بين يدي الدعاء. فإذا أردت المغفرة تقول: يا غفور اغفر لي. إذا أردت الرحمة: يا رحمن ارحمني. إذا أردت كذلك الدعاء الشامل العام الكامل تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، أو تقول: اللهم بسم الله الأعظم. فهذا كله توسل بماذا؟ بأسماء الله وصفاته. وهذا من دعاء المسألة. فإذا تبين من هذا أن قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة. وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِهِ﴾، معنى "في آياته" أي: في أسمائه. نعم. معنى "وذروا": أي اتركوا. ومعنى "اتركوا" هنا: أي لا تسلكوا مسلكهم ولا طريقهم؛ فإنهم على ضلال وعلى كفر والعياذ بالله. وليس معنى "وذروا" أي اتركوا نصحهم وبيان الحق لهم، لا. فإن بيان الحق لكل مجانب للحق والصواب يجب نصحه ويجب بيان الحق له. ولكن المراد "وذروا": أي اتركوا طريقهم وسبيلهم، فلا تتخذوه سبيلاً وطريقاً. هذا معنى "وذروا". وأما قولهم: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، الإلحاد مأخوذ من اللحد، وهو الميل. يقال: لحد وألحد بمعنى مال. ومنه سمي الحفر في القبر أو في الشق من القبر لحداً؛ لأنه مائل إلى جهة القبلة. الآن هذا القبر: إذا كان الحفر هذا الذي يوضع فيه الميت في جانب القبر مقابل القبلة، هذا يسمى لحداً؛ لأنه مائل إلى جهة القبلة. يسمّى لحداً. بخلاف الحفر التي في وسط القبر، ما يقال لها لحد، وإنما يقال لها: شق. فإذن: اللحد بمعنى الميل، والإلحاد بمعنى الميلان عن طريق الحق والصواب. ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: كيف يكون الإلحاد في الأسماء؟ يكون الإلحاد في الأسماء بأربعة أوجه، سيأتي تفسيرها من كلام ابن عباس ومن كلام الأعمش. لا بأس أن نذكرها الآن. فالإلحاد في أسماء الله أربعة أنواع: النوع الأول: أن ينكر شيئاً من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات. مثل ما فعل الجهمية والمعتزلة: الذين منهم من أنكر الأسماء، ومنهم من أنكر الصفات، ومنهم من أنكر بعضها وأثبت البعض. ومثل كذلك الأشاعرة والماتريدية: الذين أثبتوا بعضها ونفوا البعض الآخر. فهذا إلحاد في أسماء الله، إنكار شيء منها، إلحاد في أسماء الله وصفاته. والنوع الثاني من أنواع الإلحاد في أسماء الله: أن يثبت لله أسماء لم يسمِّ الله بها نفسه. مثل الصوفية الذين يقولون: إن من أسماء الله "القديم". لم يثبت هذا. أو نداء الله بالضمير: "هو، هو، هو"، كأن من أسماء الله هذا. أيضاً يعد إلحاداً في أسماء الله. "المحيط": الآية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾، هو لا... هذا من باب الإخبار، من باب الإخبار. هل ثبت اسم "المحيط" لله في القرآن؟ الذي يرد آخر الآية... كيف آخر آية... آية... آية... ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾. أيوة، لكن ما هو "المحيط"؟ "كل شيء محيط" يعني بكل شيء مطلع. لكن هل جاء أن الله هو "المحيط"؟ ما أعلم ذلك. فإثبات اسم لله لم يسمِّ به نفسه أو يسميه به رسوله: هذا إلحاد في أسماء الله. والنوع الثالث من أنواع الإلحاد: أن يجعلها دالة على التشبيه. فيقول مثلاً: لله سمع، ولنا سمع، فيشبه سمع الله بسمع البشر. فهذا إلحاد. نعم، لله سمع، لكن سمع يليق بجلاله، لا كسمع مخلوقاته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فمن شبه الله عز وجل بشيء من خلقه فهذا إلحاد في أسماء الله. والنوع الرابع من أنواع الإلحاد: أن يشتق من هذه الأسماء أسماء الأصنام، كما سيأتي من كلام ابن عباس في تسمية المشركين: "اللات" بـ "اللات" من "الإله"، و"العزى" بـ "العز" من "العزيز". هذا أيضاً من الإلحاد. هي أسماء الله، ثم ذكر تفسير: "أن يشتق من هذه الأسماء أسماء للأصنام". يعني "اللات": قال المشركون هذه مشتق من "الإله". تمام، مشتق من "الإله". و"العزى" مشتق من... باسم الله "العزيز". طيب، هذا معنى الاشتقاق. هذا معنى الاشتقاق. قال: "ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس...". وأما قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فهذا وعيد شديد من الله عز وجل، أن الجزاء من جنس العمل. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني من الإلحاد. وعبر الله عز وجل هنا بالعمل عن الجزاء، قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ما ذكر جزاءهم. فذلك على أن الجزاء من جنس العمل، وهذا غاية العدل، غاية العدل. قال: "ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يشركون". هذا تفسير من ابن عباس للآية: "يلحدون" أي "يشركون". وتفسير ابن عباس للإلحاد بالشرك يتضمن الإشراك بها من جهتين: الجهة الأولى: أن يجعلوها دالة على المماثلة، فيقولون مثلاً: أسماء الله كأسماء المخلوقين، فيشبهون الله بخلقه. والجهة الثانية: أن يشتقوا منها أسماء الأصنام، كما جاء، كما سيأتي من كلام ابن عباس أيضاً. وقالوا: ﴿يُلْحِدُونَ﴾: يشركون. يدل على معنيين من معاني الإلحاد. قالوا: "سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز". يعني: اشتقوا لها أسماء من أسماء الله. وهذا أخذنا النوع الرابع من أنواع الإلحاد. قالوا: "عن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها". وهذا الثالث أو الثاني: أن يثبت لله أسماء لم يسمِّ الله بها نفسه. يعني يجعلون أسماء لله وهي ليست له سبحانه وتعالى، وهي ليست له سبحانه وتعالى. قال: "فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء". وهذا أخذناه من الحصر: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قال: "الثانية: كونها حسنة، وهي بالغة الحسن". وهذا من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قال: "الثالثة: الأمر بدعائه بها". وعرفنا كيف يكون الدعاء بهذه الأسماء: دعاء عبادة ودعاء مسألة. قال: "الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين". وهذا في قوله: ﴿وَذَرُوا﴾. وعرفنا معنى "وذروا": ليس معناه اتركوهم فلا تنصحوهم ولا تبينوا لهم الحق، لا. "وذروا" يعني: اتركوا سبيلهم، واتركوا طريقهم. قال: "الخامسة: تفسير الإلحاد فيها، ومعنى قوله: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾". في قوله: ابن عباس والأعمش. وأن الإلحاد الشرك فيها. وعرفنا ما معنى الشرك: أو أن تسمى... اشتق لها... يشتق منها أسماء لأصنامهم. قال: "السادسة: وعيد من ألحد". وهذا في قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. والعمل هنا يطلق على القول والفعل. ما هو الدليل أن العمل يطلق على القول والفعل؟ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. هنا العمل يشمل ماذا؟ العمل هنا يشمل القول والفعل. كل عمل يعمله هذا الإنسان من قول وفعل فإنه يجازى عليه يوم القيامة. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. فقول: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: من الأقوال والأفعال، وليس من الأفعال فقط، وليس من الأفعال فقط. فهذا فيه تهديد، والمعنى: سأعاقبكم على هذا الإلحاد، سأعاقبكم على هذا الإلحاد. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وبعد: قال شيخ الإسلام إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾". مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: لأن هذا الباب يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، وهذا الكتاب كتاب جامع لأنواع التوحيد الثلاثة. وكما هو معلوم أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. فأراد المؤلف في هذا الباب أن يبين هذا النوع من أنواع التوحيد، ألا وهو توحيد الأسماء والصفات؛ لأنه إذا عُطّلت الأسماء لم تثبت، وإذا مُثّلت لم تُوحَّد. والتوحيد إثبات ونفي: فمن عطّلها فإنه ينفي هذه الأسماء أو الصفات، ومن مثّلها فإنه يثبت على غير الحق والصواب. فكما هو معلوم أن المعتقد الصحيح بأسماء الله وصفاته: أن الأسماء والصفات تُثبت لله عز وجل كما أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله، من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. فمن عطّل فإنه لم يثبت؛ تعطيل بمعنى النفي، ينفي هذه الأسماء والصفات. ومن مثّل معناه لم يوحد الله عز وجل في أسمائه وصفاته. ثم ذكر هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وفي هذه الآية إثبات توحيد الأسماء والصفات من أي وجه؟ من الخبر المقدم، والجار والمجرور. فـ "لله" هنا ماذا يعرب؟ جار ومجرور متعلق بخبر مقدم، و"الأسماء" مبتدأ مؤخر، و"الحسنى" صفة للأسماء. فتقديم ما حقه التأخير يفيد ماذا؟ يفيد الحصر. والمعنى: أن الله عز وجل وحده سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى. ففيه إثبات أسماء الله وصفاته. من أين أخذنا إثبات الصفات؟ لأن كل اسم يتضمن صفة. فقولك "الرحمن" فيه معنى الرحمة، وكذلك "الغفور" فيه معنى المغفرة، وهكذا. فإذن هذه الآية أثبتت الأسماء والصفات لله عز وجل. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، و"الحسنى" هنا مؤنث "أحسن": أحسن للمذكر، وحسنى للمؤنث؛ لأن "الأسماء" مؤنث. ومعنى "حسنى": أي بالغة في الحسن، بالغة في الحسن، يعني لا حسن بعدها، فقد وصلت في الحسن إلى التمام والكمال. فهذا معنى "الحسنى": البالغة في الحسن، فهذا تفضيل مطلق لا بعده تفضيل. وهنا ننبه على أمر: وهو أن معرفة الأسماء والصفات مهم جداً؛ لأن معرفة الأسماء والصفات فيها معرفة الرب سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأن العبد إذا علم أن الإله الذي يعبده رحيم، غفور، ودود، فإنه يعظمه ويرجوه. وهذه الأسماء والصفات تؤثر فيه: فإذا علم أن هذا الإله رحيم طلب الرحمة منه، وإذا علم أن هذا الرب سميع فإنه يراقب الله عز وجل في سمعه، وإذا علم أن هذا الرب بصير كذلك يراقب حركاته وسكناته، وإذا علم أن هذا الرب كذلك غفور فإنه يطلب منه المغفرة. وهكذا تؤثر هذه الأسماء والصفات في قلب المؤمن، فمعرفتها مهمة جداً. فلذلك أمر الله عز وجل العباد بإثباتها. وهناك فرق ضالة تزهّد من تعلم هذه الأسماء. فبعضهم يقول في وقتنا الحاضر: إن البحث في الأسماء والصفات لا فائدة فيه ولا حاجة إليه. هذا ضلال والعياذ بالله. بل كلما كان العبد أعرف بأسماء الله وصفاته، كلما كان أكثر تعظيماً وإجلالاً ومحبة وخوفاً من الله عز وجل. فهذا أمر ينبغي التنبه له. فهؤلاء يريدون أن يعبدوا شيئاً لا أسماء له ولا صفات. الجهمية أنكرت الأسماء مطلقاً، فقالوا بنفي الأسماء. وغلاة المعتزلة أيضاً الغلاة منهم نفوا الأسماء، ومنهم من أثبت الأسماء لكنهم ماذا أنكروا؟ أنكروا الصفات. وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾. المراد بالدعاء هنا بالأسماء يراد به معنيان: المعنى الأول: دعاء عبادة. تدعو الله عز وجل بهذه الأسماء دعاء عبادة. ودعاء العبادة: أن تتعبد لله سبحانه وتعالى بما تقتضيه تلك الأسماء. فإذا أثبت لله الرحمة أنه رحمن، فمن دعاء الله عز وجل بهذا الاسم أن تتطلع إلى أسباب الرحمة، أن تتطلع إلى أسباب الرحمة، وترحم عباد الله. مثلاً: هذا من أسباب رحمة الله عليك، تحسن إلى الناس، ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فهذا يسمى دعاء عبادة. أثبت لله عز وجل الغفور، وتطلع إلى أسباب المغفرة، فتأتي بأسباب مغفرة الذنوب. فهذا من التعبد لله عز وجل بهذا الاسم. وهكذا قس على ذلك. فهذا يسمى دعاء العبادة. وهناك دعاء المسألة: ودعاء المسألة أن تدعو الله عز وجل بهذه الأسماء، فتتوسل بها إلى الله، وتقدمها بين يدي الدعاء. فإذا أردت المغفرة تقول: يا غفور اغفر لي. إذا أردت الرحمة: يا رحمن ارحمني. إذا أردت كذلك الدعاء الشامل العام الكامل تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، أو تقول: اللهم بسم الله الأعظم. فهذا كله توسل بماذا؟ بأسماء الله وصفاته. وهذا من دعاء المسألة. فإذا تبين من هذا أن قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة. وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِهِ﴾، معنى "في آياته" أي: في أسمائه. نعم. معنى "وذروا": أي اتركوا. ومعنى "اتركوا" هنا: أي لا تسلكوا مسلكهم ولا طريقهم؛ فإنهم على ضلال وعلى كفر والعياذ بالله. وليس معنى "وذروا" أي اتركوا نصحهم وبيان الحق لهم، لا. فإن بيان الحق لكل مجانب للحق والصواب يجب نصحه ويجب بيان الحق له. ولكن المراد "وذروا": أي اتركوا طريقهم وسبيلهم، فلا تتخذوه سبيلاً وطريقاً. هذا معنى "وذروا". وأما قولهم: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، الإلحاد مأخوذ من اللحد، وهو الميل. يقال: لحد وألحد بمعنى مال. ومنه سمي الحفر في القبر أو في الشق من القبر لحداً؛ لأنه مائل إلى جهة القبلة. الآن هذا القبر: إذا كان الحفر هذا الذي يوضع فيه الميت في جانب القبر مقابل القبلة، هذا يسمى لحداً؛ لأنه مائل إلى جهة القبلة. يسمّى لحداً. بخلاف الحفر التي في وسط القبر، ما يقال لها لحد، وإنما يقال لها: شق. فإذن: اللحد بمعنى الميل، والإلحاد بمعنى الميلان عن طريق الحق والصواب. ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: كيف يكون الإلحاد في الأسماء؟ يكون الإلحاد في الأسماء بأربعة أوجه، سيأتي تفسيرها من كلام ابن عباس ومن كلام الأعمش. لا بأس أن نذكرها الآن. فالإلحاد في أسماء الله أربعة أنواع: النوع الأول: أن ينكر شيئاً من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات. مثل ما فعل الجهمية والمعتزلة: الذين منهم من أنكر الأسماء، ومنهم من أنكر الصفات، ومنهم من أنكر بعضها وأثبت البعض. ومثل كذلك الأشاعرة والماتريدية: الذين أثبتوا بعضها ونفوا البعض الآخر. فهذا إلحاد في أسماء الله، إنكار شيء منها، إلحاد في أسماء الله وصفاته. والنوع الثاني من أنواع الإلحاد في أسماء الله: أن يثبت لله أسماء لم يسمِّ الله بها نفسه. مثل الصوفية الذين يقولون: إن من أسماء الله "القديم". لم يثبت هذا. أو نداء الله بالضمير: "هو، هو، هو"، كأن من أسماء الله هذا. أيضاً يعد إلحاداً في أسماء الله. "المحيط": الآية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾، هو لا... هذا من باب الإخبار، من باب الإخبار. هل ثبت اسم "المحيط" لله في القرآن؟ الذي يرد آخر الآية... كيف آخر آية... آية... آية... ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾. أيوة، لكن ما هو "المحيط"؟ "كل شيء محيط" يعني بكل شيء مطلع. لكن هل جاء أن الله هو "المحيط"؟ ما أعلم ذلك. فإثبات اسم لله لم يسمِّ به نفسه أو يسميه به رسوله: هذا إلحاد في أسماء الله. والنوع الثالث من أنواع الإلحاد: أن يجعلها دالة على التشبيه. فيقول مثلاً: لله سمع، ولنا سمع، فيشبه سمع الله بسمع البشر. فهذا إلحاد. نعم، لله سمع، لكن سمع يليق بجلاله، لا كسمع مخلوقاته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فمن شبه الله عز وجل بشيء من خلقه فهذا إلحاد في أسماء الله. والنوع الرابع من أنواع الإلحاد: أن يشتق من هذه الأسماء أسماء الأصنام، كما سيأتي من كلام ابن عباس في تسمية المشركين: "اللات" بـ "اللات" من "الإله"، و"العزى" بـ "العز" من "العزيز". هذا أيضاً من الإلحاد. هي أسماء الله، ثم ذكر تفسير: "أن يشتق من هذه الأسماء أسماء للأصنام". يعني "اللات": قال المشركون هذه مشتق من "الإله". تمام، مشتق من "الإله". و"العزى" مشتق من... باسم الله "العزيز". طيب، هذا معنى الاشتقاق. هذا معنى الاشتقاق. قال: "ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس...". وأما قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فهذا وعيد شديد من الله عز وجل، أن الجزاء من جنس العمل. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني من الإلحاد. وعبر الله عز وجل هنا بالعمل عن الجزاء، قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ما ذكر جزاءهم. فذلك على أن الجزاء من جنس العمل، وهذا غاية العدل، غاية العدل. قال: "ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يشركون". هذا تفسير من ابن عباس للآية: "يلحدون" أي "يشركون". وتفسير ابن عباس للإلحاد بالشرك يتضمن الإشراك بها من جهتين: الجهة الأولى: أن يجعلوها دالة على المماثلة، فيقولون مثلاً: أسماء الله كأسماء المخلوقين، فيشبهون الله بخلقه. والجهة الثانية: أن يشتقوا منها أسماء الأصنام، كما جاء، كما سيأتي من كلام ابن عباس أيضاً. وقالوا: ﴿يُلْحِدُونَ﴾: يشركون. يدل على معنيين من معاني الإلحاد. قالوا: "سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز". يعني: اشتقوا لها أسماء من أسماء الله. وهذا أخذنا النوع الرابع من أنواع الإلحاد. قالوا: "عن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها". وهذا الثالث أو الثاني: أن يثبت لله أسماء لم يسمِّ الله بها نفسه. يعني يجعلون أسماء لله وهي ليست له سبحانه وتعالى، وهي ليست له سبحانه وتعالى. قال: "فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء". وهذا أخذناه من الحصر: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قال: "الثانية: كونها حسنة، وهي بالغة الحسن". وهذا من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قال: "الثالثة: الأمر بدعائه بها". وعرفنا كيف يكون الدعاء بهذه الأسماء: دعاء عبادة ودعاء مسألة. قال: "الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين". وهذا في قوله: ﴿وَذَرُوا﴾. وعرفنا معنى "وذروا": ليس معناه اتركوهم فلا تنصحوهم ولا تبينوا لهم الحق، لا. "وذروا" يعني: اتركوا سبيلهم، واتركوا طريقهم. قال: "الخامسة: تفسير الإلحاد فيها، ومعنى قوله: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾". في قوله: ابن عباس والأعمش. وأن الإلحاد الشرك فيها. وعرفنا ما معنى الشرك: أو أن تسمى... اشتق لها... يشتق منها أسماء لأصنامهم. قال: "السادسة: وعيد من ألحد". وهذا في قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. والعمل هنا يطلق على القول والفعل. ما هو الدليل أن العمل يطلق على القول والفعل؟ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. هنا العمل يشمل ماذا؟ العمل هنا يشمل القول والفعل. كل عمل يعمله هذا الإنسان من قول وفعل فإنه يجازى عليه يوم القيامة. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. فقول: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: من الأقوال والأفعال، وليس من الأفعال فقط، وليس من الأفعال فقط. فهذا فيه تهديد، والمعنى: سأعاقبكم على هذا الإلحاد، سأعاقبكم على هذا الإلحاد. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.